سقوط نيمار على أرض الملعب وتألمه بشدّة ثم خروجه على حمالة بعد محاولات عدة لكن دون جدوى لمساعدته للوقوف على قدميه، يعيد إلى الأذهان مشاهد قديمة لنجوم كبار عانوا الأمرّين من الإصابات المتلاحقة، التي دفعتهم إلى خارج عالم كرة القدم، رغم أنه كان بإمكانهم إعطاؤها أكثر بكثير مما فعلوا.


فترة التسعينيات كان ضحيتها ذاك الهداف الرائع الهولندي ماركو فان باستن، الذي لم يكن بالإمكان توقّع الطريقة التي سيسجل من خلالها الأهداف. هو كان من اللاعبين القلائل في العالم الذين يعيشون من الكرات الميتة التي غالباً ما كانت تنتهي في شباك حراس مرمى الخصوم. اسم فان باستن كان مرعباً لهؤلاء، إن كان مع منتخب هولندا الذي قاده إلى الفوز بكأس الأمم الأوروبية عام 1988، حيث بقي هدفه في مرمى الاتحاد السوفياتي من أجمل الأهداف في تاريخ البطولة، إذا لم يكن أجملها، وإن كان مع ناديه الأم أياكس أمستردام، أو بعد انتقاله إلى «الجنة الإيطالية» للدفاع عن ألوان ميلان مع مواطنيه الشهيرين، رود خوليت وفرانك رايكارد.
لكن هذه الحكاية الجميلة لا يمكن استكمالها، فهي توقفت باكراً، إذ في سن الـ 28 خاض «سوبر ماركو» آخر مباراة له عام 1993، ليعتزل بعد عامين صارع خلالهما الإصابة الخبيثة التي لم ترحمه.
وبعده في الألفية الجديدة جاء أعظم هداف عرفه العالم منذ اعتزال الهولندي المذكور، وهو «الظاهرة» البرازيلي رونالدو، الذي لم يترك طريقة إلا رسم من خلالها أهدافاً لا تُحصى ولا تنسى. الشاب اليافع الذي لم يخض أي مباراة في مونديال 1994، ورغم ذلك حمل الكأس الذهبية مع «السيليساو»، والذي عاش أزمة غريبة عشية نهائي مونديال 1998، نهض غالباً من أوجاعه إثر الإصابات المتلاحقة التي ألمّت به، فكان ملهماً لمنتخب بلاده بقيادته إلى اللقب العالمي عام 2002.
وهذه الحكاية الأسطورية أيضاً لم تصل إلى فصولها النهائية لتختتم بطريقة هوليوودية جميلة، إذ أُجبر الرقم 9 الشهير على الابتعاد لفترات طويلة عن الملاعب، ثم اعتزل المعاناة نهائياً قبل 7 أعوام، حاملاً معه ذكريات «درب الجلجلة» التي سار عليها من خلال تحوُّل ركبته إلى أشبه بالخرائط جراء العمليات الكثيرة التي خضع لها، والتي كانت السبب في شهرة العديد من الجراحين...
نعود اليوم لاستذكار هذين المشهدين مع الإصابة التي تعرض لها نيمار، ليكون السؤال المطروح: هل الضعف البدني يهدد المواهب الاستثنائية في عالم الكرة؟
الجواب يبدأ من عند فان باستن ورونالدو، إذ لا يمكن توصيف الضعف البدني بحجم البنية الجسدية، بل بقوة العضلات أيّاً كان حجمها، وقوة العظام، وتناسق الجسم ومفاصله مع كل ما يتصل بها من عضلات. فالنجمان الهولندي والبرازيلي كانا قويين على صعيد البدنية، لكنهما عانا من هشاشة في جسديهما كانت وراء مصائبهما.


لا يمكن إغفال أن سوء
التغذية أضعف جسم نيمار

صحيح أن فان باستن لعب وقتذاك في «دوري الجزارين» حيث جمعت إيطاليا أقوى مدافعي العالم، لكن مشكلته كانت في قدرته على التحمّل، فكان ضغط المباريات المكثفة سبباً رئيساً وراء نهاية مسيرته المبكرة، بحسب التفسير الطبي لما حصل معه. أما رونالدو، فإن آخر البيانات الطبية التي صدرت حول إصابته الطويلة، أشارت إلى أمر أساسي، هو أن حجم عضلات الفخذ لديه أثّر مباشرةً بقدرة تحمّل ركبتيه، فعانى الإصابات المتشابهة.
أين نيمار من كل هذا؟
الواقع أن وضع نيمار بعيدٌ كل البعد عمّا نحكي عنه، فهو فعلاً ضعيف بدنياً، وهي مسألة عانى منها منذ صغره، ودفعت برشلونة إلى إخضاعه لجلسات تقوية بدنية خاصة عند وصوله إلى النادي الكاتالوني قادماً من سانتوس.
ويحكي المدافع الدولي القديم ليما الذي عاصر بيليه ودرّب نيمار أن الأخير عندما كان في الـ 13 من العمر، كان مدمناً الوجبات السريعة، ولم يحظَ بنظامٍ غذائي صحيح، فبدا نحيلاً على أرض الملعب، واستفاد من سرعة قدميه لتخطي الخصوم، لكنه عانى في الالتحامات. ولهذا السبب شدّد ليما على نيمار لتعلّم أشياء جديدة تجعله قادراً على اتخاذ قرارات سريعة قبل أن يصل إليه الخصوم، ومنها التسديد بالقدم اليسرى، وممارسة الفوتسال لكي يكون قادراً على التصرف بسرعة في المساحات الضيّقة، وتحسين رؤيته على أرض الملعب. ومن هذا المنطلق كان قد أشركه في مركز صانع الألعاب والجناح الأيسر ليتحوّل بعدها إلى أهم مهاجمٍ في بلاده.
ويعترف ليما بأن حجم نيمار كان دائماً مشكلة بالنسبة إليه، ما دفعه إلى طلب مساعدة أحد اختصاصيي التغذية في ساو باولو لتغيير نظامه الغذائي الذي كان مبنياً بالأساس على الهمبرغر والمشروبات الغازية. وساعده أيضاً على تنمية عضلاته قبل بلوغه الـ 15 من العمر.
ولا يمكن إغفال أن سوء التغذية أضعف جسم نيمار الذي عانى سابقاً من إصابة غير سهلة في ظهره عندما اصطدم به الكولومبي خوان زونيغا قبل 4 أعوام، ما أبعده عن بقية مباريات بلاده في المونديال. والأمر عينه تكرر أخيراً مع الإصابة التي تعرض لها، حيث رأى كثيرون بدايةً أنها لن تكون كبيرة، لكن المفاجأة كانت أنها بالغة، لوجود التواء وكسر في منطقة حساسة جداً من القدم.
مؤسفٌ فعلاً ما حصل مع نيمار، ومقلقٌ جداً وضع مستقبله، إذ أصبح جليّاً أن النجم البرازيلي ليس حساساً فقط على صعيد المشاعر بعدما أجهش بالبكاء في مناسبات سعيدة وحزينة عدة، بل إن حساسيته الأكثر دقة هي في جسده الذي يبدو أصغر من طموحاته وأضعف من مهاراته.