أن ترى شباب الساحل والبرج والحكمة وهومنتمن والأهلي صيدا والمبرة في الدرجة الثانية يعني أن تعود بالتاريخ إلى أجمل أيام كرة القدم اللبنانية. هو «الزمن الجميل» الذي لطالما سمعنا عنه أو تابعنا أجمل سنواته. سنوات قد لا تتكرر إلا بعودة هذه الفرق إلى الدرجة الأولى التي تحتاجها أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فكل هذه الفرق لها قيمة تاريخية في كرتنا، وأيضاً قيمة جماهيرية كونها طبعت بعض المراحل بطابعها الخاص.


لكن الماضي هو غير الحاضر، والأمنيات تبقى بعيدة عن أرض الواقع التي تكشف مصاعب لبعض هذه الفرق، ما يمنعها من استعادة مكانها الطبيعي بين فرق النخبة في لبنان.

نحو العودة

يعتبر شباب الساحل الأقرب للعودة بعد موسمٍ واحد في دوري «المظاليم» كونه يتصدر بطولة الدرجة الثانية حالياً. يقدّم أفضل العروض فيها، لكن البرج ليس بعيداً عن إيجاد الطريق إلى الأضواء في أحد أبرز مواسمه منذ تقهقره إلى الدرجات الأدنى، بينما الفرق الأخرى المذكورة بعيدة كل البعد عن رؤية الضوء في آخر النفق.
وبمجرد ذكر البرج يعود المشهد القديم إلى الأذهان، إلى أيام مجدي كسلا وأسامة الصقر وإيلي برخو وآل رحال وغيرها من الأسماء التي طبعت فترة طويلة من تاريخ هذا النادي بطابعها الخاص. لكن بطل كأس لبنان في موسم 1992-1993 ودّع الدرجة الأولى قبل 15 عاماً ولم يعد إليها أبداً، لا بل تقهقر إلى الدرجة الرابعة قبل أن يعود ليتسلّق السُلّم درجة تلو الأخرى ويقترب اليوم من استعادة مكانته.
وقد تكون الأسباب متشابهة بين الفرق والتي تسبّبت بعدم عودتها إلى الأضواء، ومنها أسباب غياب الدعم المالي، وعدم وجود ملعب يمكن البناء فيه لجيل جديد. وهي مشكلات عاناها البرج الذي يقع في منطقة تضمّ خزاناً لا ينضب من المواهب. لكن مع ظهور عامل المال كوسيلة جذب للاعبين، بدأ سكان منطقة برج البراجنة في النزوح نحو أندية أخرى استفادت من خدماتهم بشكلٍ غير بسيط.
وعند هذه النقطة يمكن التوقف، إذ يقول مصدر متابع لحركة اللاعبين في البرج منذ سنوات، أن هناك قلقاً لدى أندية المحيط من عودة الفريق الأصفر والأسود إلى الدرجة الأولى لأنها ستخسر خطاً إمدادياً مهماً لفرق فئاتها العمرية وحتى الفريق الأول، على اعتبار أن أبناء البرج لديهم ارتباط خاص بمنطقتهم ما يجعل ولاءهم الأول والأخير لفريقهم، وهو أمر يمكن لمسه من خلال الجمهور الكبير الذي يتابع مباريات الفريق أسبوعياً.

مظلومون منذ زمن

وإذا كان بالإمكان اعتبار أن ظروفاً خاصة ظلمت البرج عبر السنوات، فإن نادياً مثل الحكمة لقي الظلم في داخله. تدمر كل شيء بناه مع فريق كرة القدم الذي كان الأساس في إطلاق النادي الذي يعود عمره إلى عمر الاستقلال. وإهمال فريق كرة القدم أعقب فترة ذهبية كاد يحرز فيها الفريق الأخضر أول لقب للدوري في تاريخه عام 2002 (فاز ببطولة لبنان للمنطقة الشرقية في فترة الحرب الأهلية)، إذ بدلاً من البناء على إنجاز الوصافة التي وقف فيها بعد مباراة حاسمة ولا تنسى مع النجمة في المدينة الرياضية، كان الفريق ضحية للمشاكل الإدارية التي لا زالت ترهق النادي حتى اليوم. وساءت الأمور أكثر مع إعطاء الأولوية في الاهتمام والدعم المادي لفريق كرة السلة كما هو الحال عليه حالياً.


عند الحديث عن هومنتمن
لا بدّ من ذكر هومنمن
(بطل لبنان 4 مرات) الذي يقبع في الدرجة الثالثة حالياً

ويروي لاعب ومدرب سابق، تمنى عدم ذكر اسمه، قصة تعكس المأساة، إذ يقول: «في إحدى الفترات كنا نذهب الى المصرف للحصول على رواتبنا التي كانت تصل إلى 500 دولار لا أكثر، وهناك كانت المفاجأة أكثر من مرة مع إبلاغنا بأنه لم يتمّ تحويلها، وذلك رغم وجود لاعبي فريق كرة السلة هناك في نفس الوقت وهم يقومون بحساب الأموال التي قبضوها والتي كان أقلها 5000 دولار للاعب الواحد».
لكن على الأقل وقتذاك كانت تصرف الرواتب في وقتٍ لاحق، لا على شاكلة المواسم الأخيرة حيث بدا فريق الحكمة أشبه بمجموعة متطوعين من فنيين وإداريين ولاعبين، ليبقى الاسم واللون وحدهما في الملعب من دون أيّ احترام لتاريخ هذا النادي من قبل كلّ من تعاقب على رئاسته أخيراً، ما يدفع المصدر إلى القول: «لو أن التاريخ لن يسجل أن هذا الرئيس أو ذاك قام بجريمة إلغاء فريق كرة القدم، لكان قد انتهى منذ زمنٍ بعيد».
اختفى الحكمة من الدرجة الأولى واختفى «ملعبه الحلم» في عين سعادة واحتلت أرضه الأعشاب البرية، تماماً كما اختفى ذاك الملعب الرملي المعروف باسم «ملعب زافاريان» في منطقة برج حمود بعدما اخترقه الجسر الذي يصل المنطقة بالأشرفية، ليختفي هومنتمن أيضاً من بين الكبار، ويصبح والحكمة فريقين متواضعين يصارعان للبقاء في الدرجة الثانية والحفاظ على ما تبقى من تاريخهما المجيد.
هو الفريق الذي طبع فترة الأربعينيات بطابعه الخاص، وبقي فريقاً مرعباً حتى اواخر الستينيات، حيث لم يهدد وجوده سوى فرق قليلة ولفترات متقطعة مثل النهضة وهومنمن والشبيبة المزرعة والراسينغ.
بطل لبنان 7 مرات قدّم مواهب لا تنسى في ملاعبنا، مثل وارطان غازاريان وترو كهييان ورافي جلفاجي وخورين وآشوت، لكنه ضمنياً بدا أنه لا يريد العودة إلى الأولى. وهذه العبارة وردت بشكلٍ صادم على لسان أحد إدارييه قبل ثلاثة أعوام وخلال مباراة مفصلية أمام الحكمة في بطولة الدرجة الثانية على ملعب العهد، إذ قال: «سيورطنا الشباب في حال فازوا اليوم وصعدوا بالفريق إلى الأولى».
هو قرار مركزي خاص بجمعية هومنتمن العالمية، التي طالبت بعدم الاستمرار في «الاحتراف الرياضي» ضمن جمعياتها بل اعتماده كمجرد هواية ووسيلة ترفيه، فاختفى ظهور المواهب من المنطقة التي كانت خزاناً لفرق النادي وجمعت «أبناء الأرمن» في الفريق الأول، الذي لم يعد أبداً إلى الدرجة الأولى.

الهالة الإعلامية والقرار السياسي

لكن قد يأتي البعض ليسأل: كيف يخوض هومنتمن بطولة كرة السلة بأعلى المعايير الاحترافية وبميزانية عالية ويبقى فريق كرة القدم بعيداً من أيّ اهتمام؟
الجواب بسيط، إذ كما الحكمة وجد القيّمون بأن الجاذبية الإعلامية موجودة في كرة السلة، وخصوصاً وسط تسويق فكرة - ذريعة اعتنقتها أندية عدة وهي أن هناك حرب على بعض الأندية من قبل اتحاد اللعبة بشكلٍ لا يسمح لها بالمنافسة على الألقاب. وفي حالة هومنتمن كان الدعم الفردي وراء بزوغ نجم فريقي كرة السلة التابعين للنادي مع وجود لجنة للعبة وضعت نصب أعينها الفوز بالألقاب وتعمل وفق استراتيجية محترفة ومؤمنة بمشروعها الهادف.
وعند الحديث عن هومنتمن لا بدّ من ذكر هومنمن (بطل لبنان 4 مرات) الذي يقبع في الدرجة الثالثة حالياً. أما أسباب هذه المسألة فهو قرار شبيه بذاك الذي حجّم «القطب الأرمني» الآخر، لا بل إن المسألة متصلة ببعضها البعض، إذ لا ضرورة لوجود هومنمن إذا اختفى هومنتمن.
هو قرار سياسي بالدرجة الأولى يرتبط باستقطاب الشارع بين الحزبين المعروفين الطاشناق والهنشاك. لكن رئيس هومنمن التاريخي ورئيس اللجنة العليا لجمعية هومنمن العالمية ميساك نجاريان يحكي لـ «الأخبار» عن أسبابٍ أخرى دفعت ناديه بعيداً عن الأضواء، إذ يقول: «نعمل اليوم بميزانية تصل إلى 50 ألف دولار بدلاً من التواجد في الأولى ورصد 500 ألف على أقل تقدير. المهم أن المشكلة ليست مادية بالأساس، بل في الجو العام للعبة». ويضيف: «لا أخفي عليك أنه لدينا الرغبة بالعودة إلى الدرجة الأولى، لكن لا شيء يشجعنا للعمل على هذه الخطوة. انظر إلى الماضي عندما كان ملعب برج حمود الذي يتسع لـ 7 آلاف متفرج وهو ممتلئ بـ 10 آلاف ثم يخرج منه الكل من دون ضربة كفّ. اليوم وفي زمنٍ صعب جماهيرياً وفنياً لا تتوقف المشاكل ولم تعد الملاعب وأجواؤها كما كانت».




إهمال وأولويات أخرى

كما ضمّ هومنمن نجوماً كباراً كانوا عماد المنتخب الوطني مثل بابكين ماليكيان وكيفورك قره بتيان وكوركين إنكيبريان، وكان فريقاً لكل لبنان بعدم اعتماده فقط على الوافدين من أرمينيا والناطقين بالأرمنية بل على «أولاد العرب» أيضاً (تسمية كانت متداولة في التسعينيات في ملعبي الناديين الأرمينيين)، كان الأهلي صيدا لكل لبنان.
الفريق الجنوبي الذي كان موسم 2010-2011 الأخير له في الدرجة الأولى، مرّ من خلاله العديد من النجوم الذين أغنوا المنتخبات والأندية الأخرى. من أول موسم له في الأولى عام 1989 ظهر علي بيطار (لعب مع الأنصار) وحسن طحطح ثم رمزي غزال (لعبا للنجمة)، ومر يحيى المصري وبلال أرقدان وأحمد اليمني «الشقّور» وحسن وهبي ومحمود البساط ومحمد حسن «كاريكا» وأبو بكر باه، ووصولاً إلى مازن جمال وعلاء البابا ومحمود سبليني.
ويقول مصطفى جمال الذي لعب ودرّب في النادي لمدة 20 عاماً إن السبب الأساس في تراجع الأهلي هو عدم قدرته على الحفاظ على النجوم الذين خرّجهم، وذلك لأسباب مالية «إضافةً إلى عدم البناء لفترة طويلة في ظل الإهمال الذي عاناه النادي بسبب عدم توفّر كل المستلزمات الضرورية ومنها الملعب القادر على استيعابه يومياً، إذ إن ملعب صيدا ليس مفتوحاً للنادي الذي يمثّل المدينة بعكس ما يعتقد البعض، وهو أمر يؤثر على استعدادات ونتائج الفريق الأول، إضافةً إلى مسألة العمل حول الفئات العمرية».
في المقابل، اختفى المبرة الذي مثّل لبنان في كأس الاتحاد الآسيوي بعد فوزه بلقب كأس لبنان قبل 10 أعوام، بسبب وجود أولويات أخرى لدى جمعية المبرات التي خرج منها النادي إلى الكرة اللبنانية كأحد الأندية النشيطة جداً، إن كان على صعيد الهيكلية الناجحة أو تخريج اللاعبين المميزين بالنظر إلى الكمّ الهائل من الشبان الذين تضمهم الجمعية وذهبوا للدفاع عن ألوان ناديها، الذي مرّت عليه في العصر الحديث أسماء معروفة عدة، أمثال موسى حجيج والترينيدادي إيرول ماكفرلاين ونبيه الجردي وعلي الأتات وطارق العلي...
إذاً حنين إلى الماضي وإلى زمنٍ لن يعود إلا بعودة كل هذه الفرق العريقة إلى مكانها الطبيعي، وهو أمر مستحيل حالياً في ظل الظروف غير الطبيعية التي يعيشها كل واحد منهم.