يراها دائماً في المقاهي، على الطرقات، داخل البيوت، حتى في الملاعب تُلاحقه. قصةُ شابٍ مدمن. حتى في الرياضة. حتى في عمله الوحيد. في شغفه الأول. في حلمه بالاحتراف. لم يعرف كيف يتخلّص من «آفة الأركيلة». وليس وحده. هذه قصة كثيرين من لاعبين لبنانيين. والجميع يتعامل مع القصة، كما لو أنها «عادية»، و«نحن في لبنان». أي يجب التصالح مع «الآفة».


انتشرت منذ أسابيع قليلة صورة لبعض لاعبي فريق العهد، في أحد مقاهي عاليه، يدخنون «الأرغيلة»، قبل أقل من ٢٤ ساعة على مباراةٍ مهمة في الدوري، جمعتهم مع الاخاء الأهلي عاليه، وانتهت بالتعادل السلبي. الصورة انتشرت بسرعة في الليلة عينها التي التقطت فيها، وتناقلتها جماهير الفرق المنافسة بسخرية، معلقين على أن هذا هو النادي «المحترف». وبدلاً من أن يستنكر جمهور العهد التصرف اللامسؤول من لاعبي فريقهم، قبل مباراةٍ حساسة ومهمة في صراع الدفاع عن اللقب، نشروا صوراً مماثلة للاعبين من فرق منافسة، على قاعدة «ما حدا أحسن من حدا». يا لها من منافسة «حامية». «ولعانة».
انتهت المباراة. خذوا نفساً عميقاً. ولا نقصد «نفس أرغيلة» طبعاً. هذا الذي «يقطع النفس». وهذا بالفعل ما طغى على أداء لاعبين، بدا عليهم «تعب» ظاهر خلال الدقائق التسعين. ولكن، شهدت المباراة خطأ لحكم اللقاء بإلغاء هدف ــ تبين لاحقاً أنه كان شرعياً للعهد ــ بداعي التسلل. فنسيت جماهير العهد الصورة مُلقية اللوم في النتيجة على الحكم، ومثلها فعلت جماهير الفرق الأخرى، التي «التهت» بـ«التزريك». لا نعرف إن كان الجميع دخن «الأرغيلة» بعد المباراة، «تنفيخاً» لينسى، أو ليحتفل.
بعدها بأسبوع، نُشرت صورة أخرى للاعب من الفريق عينه قبل مباراةٍ آسيوية. هذه المرة لم تلقَ الصورة رواجاً كسابقتها، ربما لأن المباراة ليست محلية، وربما لأن الصورة «عادية»، و«التضخيم الإعلامي» للصورة السابقة كان فقط بهدف إزعاج الفريق وتوتيره، فبطبيعة الحال، جميع اللاعبين يدخنون. وعلينا أن نتصالح مع هذه الحقيقة. فطالما أنه لا عقاب، لا جديد. الصورة تصير عادية.
في الحقيقة، شاهدنا الكثير من هذه الصور، ليس فقط على منصات التواصل الاجتماعي، بل رأيناها مباشرة، للاعبين دوليين، شباب، ناشئين، و«محترفين» أيضاً. وبالفعل، هذه «الصورة» موجودة داخل كل نادي ومؤسسة رياضية. والمؤسف، أن رؤساء الأندية والإداريين والمدربين، على علمٍ بأن اللاعبين يدخنون، «الأرغيلة» وغيرها. والمؤسف أكثر، أنها يشاركونهم فيها. تارةً نرى رئيس نادي يجلس إلى جانب لاعب لحظة توقيعه العقد، و«نبريش الأرغيلة المقدّسة» ملتف حول رجله. وتارةً نشاهد إدارياً على المدرجات يشاهد التمارين و«النرجيلة» في حضنه، قبل أن يأتي اللاعب الذي أنهى التمرين للتو، ليأخذ «نفس»، يرتاح فيه من الرياضة. حتى أن هذه الصورة موجودة في المنتخبات أيضاً. فكم من مرة علمنا بأن لاعبين كانوا يدخنون خلال معسكرٍ مغلق؟ وكم من مرة «فلت» هؤلاء من العقاب، أو حتى التوبيخ؟ لا بل يحاول القيمون تخبئة «الجريمة» عن الصحافة والإعلام، التطرق إلى هذا موضوع، وهناك «نكتة» سمجة تقول إن الحديث عن هذه الكارثة «هدفه التشويش على المنتخب».


رئيس نادي يجلس إلى جانب لاعب لحظة توقيعه العقد، و«نبريش الأرغيلة» ملتف حول رجله

نتغنى دائماً بتصريحات المدربين الأجانب، حين يشيدون باللاعب اللبناني وبإمكانياته، ويصفونه على أنه من بين الأفضل في المنطقة. ونغض النظر عن الكلام الذي يأتي بعد كلمة «لكن» في التصريح. «لكن، ينقصه الاحتراف في أسلوب حياته». هذه الجملة، هي خير دليل على النقص الموجود لدى لاعبينا، لاكتمال احترافهم. بعدما تسلّم مدرب منتخب لبنان السابق الألماني ثيو بوكير تدريب المنتخب بفترة، قال إنه يحاول «التكيّف» مع عقلية اللاعب اللبناني وارتباطه بـ«الأرغيلة»، وأن هذا أسلوب عيش اللاعبين هنا، ومن الصعب تغييره. علماً أن بوكير كان قاسياً بمثل هذه الأمور، ولا يزال كذلك، إذ لم يقبل يوماً أن تُمارس هذه العادة أمامه، لا بل إنه كان يحرم اللاعبين من التمارين والمباريات، حين يصل اللاعب متأخراً، أو يكون متعباً، فيعلم أنه إما كان مستيقظاً لفترة طويلة، أو أنهكه التدخين.
المجتمع يفرض نفسه على اللاعب، وغياب المحاسبة تساهم بعدم اكتراثه بما يفعل. يقول أحد لاعبي منتخب لبنان، الذي غادر للاحتراف منذ سنوات، أنه انقطع عن «الأرغيلة» في الاغتراب، لأسباب عدة أبرزها «الخوف» من ناديه. الخوف من فسخ عقده، أو إيقافه، أو منعه من مزاولة التمارين، عدا عن سعيه ليعيش حياة الاحتراف بعدما وضع قدماً خارج بلده. الرهبة من محاسبة النادي له أجبرته على اعتزال إدمانه، ووجوده ضمن مجتمع رياضي محترف جعله غريباً بينهم، وفرض عليه التغيير.
صورة لاعبي العهد، وصور لاعبي الفرق الأخرى، ومشهد «الأرغيلة» على المدرجات، لا يجب أن يمر مرور الكرام. فالإدمان الذي يعيشه المجتمع، يُفترض أن يبقى بعيداً عن الرياضة وجوّها. و«الشي الطبيعي» في بيوتنا، ليس طبيعياً أبداً في ملاعبنا. لعلَّ وعسى، يتوقف اللاعب لبرهة للتفكير فيما يفعل. فيما يمنعه من إدراك الاحتراف والتطور. علَّ إداريي الأندية يفرضون النظام، ويطالبون بما هو حقهم، مقابل الأموال التي يدفعونها. وعسى أن يكون الاعتذار واجباً، والعقاب لازماً، والرياضة رياضة.