انجلت العاصفة المدريدية عن أجواء باريس. كانت عاصفة عاتية عكّرت صفو المزاج الباريسي وأخذت في طريقها الحلم بلقب أوروبي طال انتظاره. لقب بذل الباريسيون ــ القطريون الغالي والنفيس لترصيع فريقهم به.

رواتب لاعبي باريس سان جرمان أسبوعياً

مجدداً، لن يتمكن الباريسيون من رؤية المشهد - الحلم لكأس دوري أبطال تأخذ مكانها إلى جانب برج إيفيل. كأس العالم عرفت طريقها إلى هناك. كان ذلك صيف 1998. وكذا كأس الـ "يورو" في صيف 2000، لكن، في كلتا الحالتين، كان انتصار وطني لكل فرنسا. باريس لا تزال تبحث عن انتصارها الخاص على غرار كبرى المدن الأوروبية، لا بل على غرار مدينة الجنوب والصيادين والمهاجرين مرسيليا. الوحيدة التي جلبت الكأس الأوروبية الغالية إلى الأراضي الفرنسية، أما باريس، فباستثناء العقود التجارية المربحة مع الدوحة، لا جديد تحت «قوس النصر» في الشانزليزيه.

انجلت العاصفة المدريدية عن أجواء باريس. بدأ الباريسيون إحصاء الأضرار والخسائر، وما أكثرها. يكفي مجرّد القول إن الإدارة القطرية صرفت في الصيف الماضي 400 مليون يورو لهدف واحد لا غير هو اللقب الأوروبي، لإدراك كم أن الخسائر بالغة، وكيف إذا كان الخروج مبكراً جداً من دور الـ 16؟ في هذه الحالة تصبح الخسائر فادحة. في هذه الحالة، يصبح غير مفاجئ أن يخرج لاعب باريسي عقب مباراة الإياب أمام ريال مدريد ليصبّ جام غضبه على الإدارة القطرية ومدربه الإسباني أوناي إيمري. لم يتوان الألماني جوليان دراكسلر، أحد "المظلومين" من التعاقدات الصيفية الجنونية عن قولها صريحة: "نستحقّ الخروج"، ولم يكتفِ بذلك بل أضاف: "لقد أنفقنا 400 مليون يورو الصيف الماضي والجميع قالوا بأن الأمور ستتبدّل، لكننا فشلنا مجدداً في عبور هذا الدور".
إدارة ناصر الخليفي أمام مأزق بالتأكيد. كل الأحلام انهارت في ليلة واحدة. لكن، كما العادة، في مثل هذه المواقف، فإن "الحل" سهل وجاهز (بغضّ النظر إن كان صائباً أم لا): إقالة المدرب. هكذا، بات أكيداً أن صفحة إيمري طُويت. بات محسوماً أن هذا المدرب لن يكون الموسم المقبل في باريس. لن يعني شيئاً الباريسيين تتويج الفريق في ختام هذا الموسم بألقاب الدوري والكأس وكأس الرابطة. هذه الثلاثية لا تعادل لقب "التشامبيونز ليغ" بالنسبة إلى الباريسيين. الفرق كبير.
هكذا، فإن رهان الإدارة القطرية على إيمري سقط. عندما قرر الخليفي تعيين الإسباني انجذب قبل كل شيء إلى سيرته الذاتية التي تضمّنت ثلاثة ألقاب في "يوروبا ليغ". اعتقد القطري حينها أنه حصل على المدرب الذي يمتلك عقلية الفوز. لكن شتان ما بين "التشامبيونز ليغ" و"يوروبا ليغ". بدا واضحاً أن هذا المدرب يفتقد الحنكة التدريبية ويفتقر إلى فلسفة خاصة به والأهم إلى الكاريزما، فضلاً عن التعامل مع النجوم وهذا ظهر جلياً على سبيل المثال في أزمة ركلة الجزاء الشهيرة بين البرازيلي نيمار والأوروغوياني إيدينسون كافاني. بدا أن اللاعبين وفي طليعتهم نيمار يعتبرون أن اسم إيمري أصغر من نجوميتهم.
في الواقع، كان واضحاً منذ الموسم الماضي أن إيمري "خيار خاطئ" منذ الخروج المدوّي بالـ "ريمونتادا" التاريخية أمام برشلونة الإسباني في الدور ذاته في دوري الأبطال، لكن الخليفي قرر منحه فرصة ثانية اعتقاداً منه أن وصول نيمار وكيليان مبابي سيغيّر الأحوال، إلا أن لا شيء تبدّل. ظل "الخيار خاطئاً".

بدا واضحاً أن أيمري يفتقد الحنكة التدريبية ويفتقر إلى فلسفة خاصة به والأهم إلى الكاريزما


في الحقيقة، لم يصب الخليفي في رهاناته على المدربين حتى الآن. عند وصوله أزاح المحلي أنطوان كومبواري باعتبار أن اسمه أصغر من المشروع الجديد للنادي. جيء باسم كبير هو الإيطالي كارلو أنشيلوتي. كانت الكلمة الأولى لرجل الأعمال القطري عند قدوم الإيطالي: "إنها البداية لتاريخ جديد". لكن التاريخ لم يُكتب مع أنشيلوتي. ولنكن منصفين فإن الإيطالي كان في بداية المشروع ولم تتح له الخيارات في التعاقدات كما كان يريد، وقد اصطدم بالإدارة لهذه الغاية. مجدداً، لم يصب الخليفي.
بعد أنشيلوتي جاء الدور على المحلي لوران بلان. مجدداً، سيستحضر الخليفي كلمة "التاريخ" عند استقباله. قال: "يمكنه (بلان) كتابة التاريخ كما فعل في 1998 (أحرز كأس العالم كلاعب)". لكن، أيضاً وأيضاً، فإن الرهان سقط وحُكي عن تدخل الإدارة بعمل بلان ليتمّ اللجوء إلى إيمري في الموسم الماضي، وحصل ما حصل أخيراً.
الآن، وبعد الصدمة الأخيرة يتَجه الخليفي إلى خيار جديد. سيجرّب القطري حظّه مرة أخرى. هكذا فقد بدأ اسم المدرب الذي سيخلف إيمري يتصدّر عناوين الصحف الفرنسية. قبلاً، وخلال الموسم، حُكي عن أسماء قد تشرف على الفريق بينها الإيطالي ماسيميليانو أليغري والأرجنتيني دييغو سيميوني والإسباني لويس إنريكي وأنشيلوتي مجدداً، أما ما بدا جدّياً أكثر بعد الخروج الأوروبي هو ما خرجت به صحيفة "ليكيب" الشهيرة في البلاد على غلافها والذي تصدّره الإيطالي أنطونيو كونتي. خيار يبدو منطقياً في ظلّ التوقعات الكبيرة أن كونتي سيغادر تشلسي في الصيف، خصوصاً أن الصحيفة ذكرت أن محادثات جرت بين الطرفين.
غير أن الصحيفة ذاتها أوردت في مكان آخر أن اسم الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، مدرب توتنهام الإنكليزي واللاعب الباريسي السابق، مطروح أيضاً على طاولة الخليفي، فيما ذكّرت صحيفة "أس" الإسبانية أن البرتغالي جوزيه مورينيو مدرب مانشستر يونايتد الإنكليزي لا يزال "حلماً" للخليفي. في جميع الأحوال، فإن الخيارات كثيرة، لكن ما هو واضح أن الخليفي يبحث عن اسم كبير يمتلك فكراً تدريبياً عالياً وشخصية قوية.
هكذا، فإن العاصفة المدريدية كانت عاتية في تلك الأمسية الباريسية الحزينة، لكن حدثاً مهماً تخللها لم يحظَ بتسليط الأضواء عليه وانفردت به إذاعة "مونتي كارلو". الإذاعة ذكرت صبيحة اليوم التالي لموقعة الريال أن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كان يشاهد المباراة في مكان بعيد عن الأنظار في ملعب "بارك دي برانس" بعد زيارته بلجيكا، مضيفة، نقلاً عن شهود، أنه غادر الملعب قبل نهاية المباراة وتحديداً عند طرد الإيطالي ماركو فيراتي. وشوهد وهو مكفهرّ الوجه. لا شك بأن الخليفي، ذراعه اليمنى في باريس، قارئ جيّد لتعابير وجه أمير قطر. هل تعني هذه التعابير أن الفرصة المقبلة قد تكون الأخيرة وتشمل الخليفي نفسه، أو قل ربما المشروع القطري برمّته في باريس؟ يجب أن لا ننسى أن كأس العالم في 2022 حتى الآن ما زالت مقررة في قطر. ومن غرائب العالم، أن تصير باريس من حسابات الدوحة. يمكن شراء كل شيء. مهلاً، لا يمكن شراء السعادة. حتى الآن، باريس سان جرمان، أصغر من اسم المدينة، وأصغر من فرق كثيرة في أوروبا. ولا جديد تحت الشمس.