أزمة مزمنة يعيشها لبنان على صعيد الملاعب، منها ما تمّ إهماله، ومنها ما بقي من دون أيّ ترميم وأغلقت أبوابه، ومنها قيد العمل لكن بأرضيات أشبه بحقول البطاطا وبمدرجات مهترئة، ومنها حتى مهدّد بالهدم. وفي ظلّ هذه الأزمة تطل «بقعة ضوء» من الجبل، إذ صرف مجلس الوزراء مبلغاً لتأهيل ملعبي بحمدون وعاليه، اللذين يُنتظر أن يصبحا بمواصفات ممتازة ويحلّان جزءاً من المشكلة التي تعاني منها كرة القدم اللبنانية. وإن كان تأهيل الملعب ضرورياً بالنسبة لمحبي اللعبة ومتابعيها، يبقى توقيت «الصرف» موضع تساؤل بالنسبة لكثيرين.

فُتحت أبواب مدينة كميل شمعون الرياضية، وأُغلقت مقابلها أبواب ملعب صيدا البلدي، بينما بقيت أبواب ملعب بيروت البلدي مقفلة حتى أجل غير مسمّى. هذه الملاعب هي جزء من مشكلة مستعصية لا حلّ لها في ظل إهمال البلديات وإدارة الدولة ظهرها للمرافق الرياضية العامة، ما شرّد العديد من الأندية خارج مناطقها، فلعبت الفرق البيروتية في الجنوب والشمال والجبل معتمدة إياها أرضاً لها، وهي مفارقة لا يمكن أن تجدها في أي مكانٍ حول العالم.
في الأساس، لا يمكن أن نتحدث عن ملعب كامل متكامل من كل النواحي، إذ إما تكون الأرضية سيئة أو المدرجات مهترئة أو يفتقد الملعب للإضاءة. نعم في عام 2018 هناك ملاعب غير مضاءة في لبنان، وتغيب عن كثير منها غرف الصحافة أو الأماكن المخصصة للكاميرات وغيرها من الأمور اللوجستية التي يفترض أن تكون مطابقة لمعايير معيّنة.
مرجعٌ دولي علّق على وضع ملعب صيدا خلال مباراة الأنصار والوحدة السوري قائلاً إنه فوجئ في كيفية سماح الاتحاد الآسيوي اللعب على أرضية لا تشبه أبداً أيّ ملعبٍ آخر يستضيف مباريات المسابقة القارية، معقّباً بأنه في بلدانٍ «أفقر من لبنان»، والتي مرّ متابعاً للمباريات فيها، وحيث لا يقترب مستوى فرقها من مستوى الفرق اللبنانية، يبدو وضع الملاعب أفضل بكثير.

القرب من العاصمة

بعد سقوط منصة الصحافة في ملعب طرابلس الأولمبي، الذي تحولّ إلى قلعة أثرية، وبداية فقدان ملعب صيدا لبواباته حتى، والتي يتسلل المشجعون منها على غفلة من مراقبي الأبواب، وتجاهل الوضع المأسوي لملعب بيروت البلدي، وحضور المدينة وغيابها في مناسبات عدة، علت الأصوات في مناسبات عدة.
آخر هذه المناسبات كانت الوقفة الاعتراضية في طريق الجديدة مطالبةً بعدم المسّ بملعب بيروت البلدي بعدما ناقش مجلس بلدية بيروت السابق هدمه وإنشاء مشروع مناطقي مكانه. وهنا كان لافتاً تحرّك الدولة مع صدور بيانٍ من وزارة الداخلية والبلديات ينفي وجود توجّه لهدم الملعب.

سيوزّع المبلغ بين الملعبين بمعدل 2.2 مليار لملعب عاليه و800 مليون لملعب بحمدون


هذا التحرّك سبقه تحرّك رسمي أهم عندما أقرّ مجلس الوزراء بصرف مبلغ كبير لتأهيل ملعبي أمين عبد النور في بحمدون، وعاليه. ونحن على بعد شهرين من الانتخابات، من باب المصادفة. ولكن، إذا أردنا أن نضع «نظرية المؤامرة» جانباً، فالخطوة، إن طبقت بدون «التفاف»، كما يحدث عادةً في لبنان، فبلا شك ستكون لها انعكاساتها الإيجابية على كرة القدم اللبنانية عامةً، وخصوصاً مع قرب المنطقتين من العاصمة. وهذه الانعاكاسات كانت أصلاً حاضرة من خلال الحضور الجيّد لملعب بحمدون الذي تحوّل ملاذاً لفرقٍ بيروتية عدة خلال الموسم الحالي، أمثال الصفاء والشباب العربي والراسينغ التي خاضت مباريات عدة عليه، وهو المعتمد أصلاً كما هو متعارف عليه أرضاً لنادي الاخاء الاهلي عاليه.

السياسة تسجّل هدفاً

القصة بدأت عام 2010 عندما طلب نادي الاخاء الاهلي عاليه مساعدةً من وزارة الشباب والرياضة لتأهيل المنشآت في منطقة عاليه، وتحديداً الملعب البلدي الذي يحمل اسم المدينة، وهو يعود عمره إلى عام استضافة كأس آسيا 2000، وقد اعتمده المنتخب الياباني الفائز باللقب آنذاك للتدرّب عليه. ويجاور ملعب كرة القدم مُنشأة تحوي على ملعب كرة سلة وحوض سباحة، لكنها بقيت على الاسمنت ومن دون إنهاء. وبقي مشروع الطلب نائماً في أدراج الوزارة حتى السنة الحالية حتى قدوم الوزير محمد فنيش إليها، حيث قام وفدٌ من النادي الجبلي بزيارته، طالباً منه المساعدة في الدفع نحو تحريك الملف، وخصوصاً أن المنطقة تضم أربعة أندية أخرى (ولو أنها تلعب في الدرجة الرابعة)، ما يتطلب مساحة أكبر لاستضافة مبارياتها، وطبعاً مباريات الاخاء في الفئات المختلفة من شباب وناشئين وسيدات وشابات.

الوزير فنيش أولى أهمية للملاعب منذ قدومه إلى الوزارة (طلال سلمان)

الوزير فنيش الذي أولى أهمية للملاعب منذ قدومه إلى الوزارة، وزار المدينة الرياضية واعداً بتحسينها وإعادتها إلى سابق عهدها، تجاوب مع الوفد الذي خرج من مكتبه بوعدٍ لم يأخذه على محمل الجدّ كون الوزراء المتعاقبين كانوا قد أدلوا بوعودٍ مشابهة في ملفات عدة من دون أن يبصر أي قرار حاسمٍ النور بشأنها. وقبل أن ندخل في السنة الجديدة كان الوزير قد أخطر القيّمين على الملف «الجبلي» بأن الأمور سلكت نحو التنفيذ، لكن الأزمة الوزارية وقتذاك عطّلت وضعه على طاولة مجلس الوزراء، قبل أن يتحرّك الوزير أكرم شهيّب باتجاه وزير المالية علي حسن خليل ويحصل على توقيعه الذي يخوّل صرف المساعدة وقيمتها 3 مليارات ليرة. في النهاية، هناك طرق للوصول إلى «الأهداف».

مشروعان بمعايير عالية

المبلغ المذكور سيوزّع بين الملعبين بمعدل 2.2 مليار لملعب عاليه، و800 مليون لملعب بحمدون. وبعد توقيع مجلس الوزراء على الملف وتدويره في القنوات المالية لصرفه (ديوان المحاسبة)، وصل المشروعان إلى مجلس الإنماء والإعمار الذي قام بزيارة استكشافية إلى الملعبين متشاوراً مع القيّمين عليهما للاطلاع على رؤيتهم، حيث التوجّه الأساسي لتأهيل أرضية ملعب عاليه بالعشب الطبيعي، وإنجاز كل الجوانب المحيطة به، من مدرجات (تتسع لـ 6 آلاف متفرج كمرحلة أولى قبل أن يتم توسيعها) وغرف ملابس اللاعبين والحكام، ومداخل وغيرها. وقد طرح مجلس الإنماء والإعمار في هذا الإطار تجهيز أرضية الملعب بالعشب الاصطناعي التي تكلّف حوالى 360 ألف دولار. لكن الفكرة هذه لا تلقى ترحيباً كبيراً، إذ بالإمكان طلب تنفيذ مشروع "فيفا غول" تماماً كما حصل في بحمدون حيث ستأتي المساعدة من الاتحاد الدولي. أما الفكرة الأكثر قبولاً فهي زرع أرضية الملعب بالعشب الطبيعي من دون استهلاكها بشكلٍ كبير، فتخصّص للتمارين والمباريات في مناسبات محددة. كما يمكن أن تستفيد منها المنتخبات الوطنية في إقامة معسكراتها بالنظر إلى الطبيعة المناخية المميزة للمنطقة ووجود فنادق يمكنها استقبال البعثات.
وبحسب دراسة المكتب المكلّف من مجلس الإنماء والإعمار، فإن تكلفة الإنارة ستصل إلى 164 دولار وفق الحاجة إلى مولد 450 KVA سعره 85 ألف دولار.
في المقابل، فإن ملعب بحمدون الذي يتمتع بأرضية اصطناعية ممتازة وهو الذي استفاد من مشروع "فيفا غول"، يحتاج إلى تأهيل مدرجاته بشكلٍ كامل وتوسيعها، إضافةً إلى خلق مدخلٍ خاص للاعبين من خلال النفق الموجود تحت المدرجات الوسطى. وهذه المسألة تخلق ورشة حقيقية في الملعب وسط السعي إلى إلغاء المضمار المحيط به وتوسيع المدرجات من جهة المدخل الرئيسي وتشييد مدرجات أخرى بشكلٍ دائري. وكل هذا في موازاة العمل على تأمين إنارة للملعب الذي يفتقد حالياً إلى هذه الناحية، إضافةً إلى مولدات الكهرباء واللوحة الإلكترونية (نفس كلفة ملعب عاليه على صعيد الإنارة).
وهذه التحسينات ستجعل الملعب بأفضل معايير معتمدة، لكنها تحتاج إلى بعض الإجراءات الرسمية أوّلاً كالحصول على موافقة بلدية بحمدون لإلغاء المضمار، علماً أن البلديتين المعنيتين متجاوبتان مع المشروعين، بحسب ما يقول أمين سرّ نادي الاخاء الاهلي عاليه وعضو اللجنة التنفيذية في الاتحاد اللبناني وائل شهيّب، الذي يقدّر وضع المنطقة بالشكل الدقيق، شارحاً بأنه لم يكن هناك طلبات مالية من البلديتين "إذ نعرف بأن الوضع السياحي في بحمدون وعاليه ليس كما كانت عليه الحال في الماضي عندما تحوّلت المنطقتان إلى قبلة للسياح". ويضيف: "لا شك في أننا عندما نبدأ بأي مشروع سنجد من يقف معنا لتعزيز هذا الاستثمار المهم مالياً وكروياً كون المشروع يتعدى أصلاً نطاق المنطقة ليشمل لبنان كلّه ويسدّ حاجات العديد من الأندية".
إذاً مشروعان سيخلقان حركة حيوية في المنطقة، ويؤمّنان مساحةً للناشئين وللأندية للعمل على تحسين أوضاعها الفنية. لكن الأهم أن المشروعين يأتيان وفق دراسات لا بطريقة عشوائية تضرب المعايير الدولية وتخلق منشأتين غير صالحتين ولا يمكن الاستفادة منهما. فلنأمل خيراً.


ملعب لائق بـ«مدينة الاصطياف»؟

كانت «محطة بحمدون» تاريخية (طلال سلمان)

تاريخياً، كانت «محطة بحمدون»، حيث أقيم الملعب، كما يدل اسمها، محطة حقيقة، للسياح المتوافدين إلى لبنان، وخصوصاً إلى الجبل. وهي تمتاز بقربها من السوق التجارية، رغم أن السوق ليست كبيرة، وتتألف من شارع واحد، إلا أنها، ولوقتٍ طويل، شكلت مسرحاً للعابرين في لبنان، وللسياح «المحليين»، الذي يأتون إلى بحمدون أكثر من قدومهم إلى الملعب، أي إن الملعب، بحدِّ ذاته، ليس من معالم المدينة، التي لديها ما يغنيها، وإن كانت الحاجة ضرورية إلى تأهيل الملعب. بسبب الزحمة، أطلقت البلدية العام الفائت مشروعاً لحل الأزمة، على طريقة البلديات اللبنانية للحلول، أي إنشاء «كاراج» للسيارات. ولكن بمعزل عن «الكاراج»، فإن الواقع يقول، إنه لا سيارات، ولا سياح، في الوقت الحالي. وفيما يخص الملعب، فهو ليس مسبباً للزحمة، رغم أن محبي لعبة كرة القدم في لبنان، لا يمانعون أن يصير الملعب سبباً للزحمة، شرط أن يتم تحسين الملعب، يحوي عشباً اصطناعياً. والنقطة الأخيرة، هي نقطة «خلافية» بين كثير من المتابعين، المنقسمين بين جزء يوافق على «حلول» سريعة تقضي باللعب على عشب اصطناعي، وبين جزء آخر، أكثر ميلاً إلى المعايير المطلوبة، والتي تقضي بضرورة أن يكون العشب طبيعياً، مهما كان ذلك مكلفاً. حتى الآن، تقول المعلومات إن التطوير سيكون على مستويات عدة، أولها «أمني» ويشمل إنشاء مداخل جديدة للحكام واللاعبين «تحت الأرض». وهناك حديث عن تأمين إضاءة مناسبة، لإجراء المباريات ليلاً، بالإضافة إلى إجراءات تقنية أخرى، تسمح بأن يصير النقل التلفزيوني ممكناً من هذا الملعب.