بعد ثلاثين عاماً من العُزلة، عادَت بِلاد الرافدين لاستِضَافة المباريات الرياضيّة الدوليّة على أراضيها. رَفَعَ الاتّحاد الدولي لكرة القدم الحَظر عن العراق، وسَمح له باستِضَافة البطولات القاريّة والدوليّة. الحَظر فُرِض على العراق في تسعينيّيات القرن الماضي، حيث مُنِع من استضافَةِ المباريات الدوليّة بحجّة الظروف الأمنيّة، منذ اجتياح الكويت في ظلّ حكم صدّام حسين عام 1990، وصولاً إلى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما تبعه من تمدّد للجماعات الإرهابيّة على الأراضي العراقيّة وفي مقدّمتها تنظيم داعش الإرهابي.

تحسّنت الظّروف الأمنيّة منذ نهاية عام 2016، وفي تلك الفترة قام "الفيفا" بتخفيف الحَظر تدريجيّاً والسماح بإقامة مباريات وديّة في محافظات البصرة وكربلاء جنوب البلاد، إضافة إلى إقليم كردستان العراق شمال البلاد، وجاء الانفراج الكبير قبل أسابيع قليلة من العاصمة الكولومبيّة بوغوتا، حين أعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني أنفانتينو خلال اجتماع مجلس الاتحاد الدولي، السماح لبلاد الرافدين باستِضَافة البطولات والمباريات الرسميّة في المناطق المحدّدة وليس في كلّ العراق، وتأتي باكورتها "بطولة الصداقة الدوليّة" الوديّة التي تمتد من 21 من آذار الجاري وحتى الـ27 منه، على أن تقام المباريات الرسميّة ضمن كأس الاتحاد الآسيوي الشهر المقبل، حين يلتقي الزوراء والقوّة الجويّة العراقيان مع المنامة والمالكيّة البحرينيين. ورَفَضَ الاتّحاد الدولي لكرة القدم السّماح بإجراء مباريات وديّة في العاصمة بغداد، معتبراً أن السّماح بإِقامة مباريات في العاصمة بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

اجتماع «الأضداد»!
كان لافتاً منذ بدء فترة رفع الحظر جزئياً عن العراق العام الماضي، أسماء المنتخبات التي استضَافها الاتّحاد العراقي لكرة القدم. فرغم الخِلاف السياسي مع السعوديّة، وتحميل الرياض المسؤوليّة عن العديد من التفجيرات والأحداث الأمنيّة التي ضربت العراق منذ عام 2011، حلّ المنتخب السعودي الأوّل في 28 شباط الماضي ضيفاً على المنتخب العراقي، وكانت هذه الزيارة الأولى للسعوديين إلى بلاد الرافدين منذ عام 1979، عندما شاركوا في النسخة الخامِسة من بطولة كأس الخليج.
بعد وديّة السعوديّة (والود السعودي تجاه العراق أخيراً) تأتي بطولة الصداقة الدوليّة الجارية هذه الأيّام، لتجمع "الأضداد" على ملعب مدينة البصرة، فيلعب المنتخب القطري الأوّل لكرة القدم مع المنتخب السوري وصاحب الأرض المنتخب العراقي. وللمفارقة فإنّ زيارة المنتخب القطري لبلاد الرافدين هي الأولى له أيضاً منذ مشاركته في بطولة كأس الخليج الخامسة عام 1979.

(أ ف ب )

وتطرح مشاركة سوريا وقطر معاً في البطولة الوديّة على الأراضي العراقيّة، وبالتشكيلتين الأساسيّتين تساؤلات جديّة حول طبيعة هذه المشاركة، وكيف سيلعب المنتخبان مباريات وديّة، بعد كلّ ما حَصل خلال الأعوام الثمانِيَة الماضِية في السياسة والعسكر على الأرض السوريّة، وتدخّل قطر في الأزمة بشكل مباشر وعلنيّ، وهو ما تتحدّث عنه دمشق باستمرار. جَمَعت "بطولة الصداقة" أضداد السياسة، وهنا أيضاً لا يجب نسيان كيف وقف المنتخب السوري لفترة حائراً خلال تصفيات كأس العالم المقررة في روسيا الصيف المقبل، حين لم يجد أرضاً يخوض عليها مبارياته في التصفيات، فلجأ أخيراً إلى ماليزيا، ولعب مبارياته في التصفيات النهائيّة "المرحلة الرابعة"، إضافة إلى مباراة الملحق المؤهّل لكأس العالم عندما واجه المنتخب الأسترالي ذهاباً في ماليزياً وإياباً في سيدني.
تطرح مشاركة سوريا وقطر معاً تساؤلات جديّة حول طبيعة العلاقة بين البلدين

لعبت سوريا وقطر في تصفيات كأس العالم 2018 ونجح "نسور قاسيون" بتجاوز القطريين على أرض الدوحة، ولكن حينها كان الهدف كأس العالم ولم تكن المباريّات وديّة على الإطلاق، أمّا الآن فالظروف مختلفة، والأهداف كذلك.
وفي وقت يستعد المنتخب السوري لمواجهة نظيره القطري اليوم السبت، قال مدرب "النسور" الألماني بيرد ستينج، في حديث صحافي إن المباراة تؤكّد "عمق علاقة المنتخبات المشاركة" –ربّما المدرب الألماني لا يعرف ماذا حصل ويحصل-.

الخلاف السعودي القطري!
وفي هذا الإطار أيضاً تساؤلات مشروعة يمكن أن تُطرح عن أسباب التقارب السوري القطري رياضيّاً. فلا يخفى على أحد حجم الخلافات السعوديّة القطريّة، إن كان على المستوى السياسي حاليّاً نتيجة الأزمة الخليجيّة وفرض حصار اقتصادي وسياسي ضدّ قطر بقيادةٍ سعوديّة، أو على المستوى الرياضي وهو ما يُتَرجَم عند كلِّ مباراةٍ تَجمَع المنتخبين القطري والسعودي في البطولات الخليجيّة. ومن هنا ربما يكون التقارب القطري السوري من بوابة تَصفِيَة الحِسابات الخليجيّة، أو يمكن أن يرتبط بمكان ما بالانفتاح القطري على الحوار حول الملفات في سوريا على اختلافها، مقابل التعنّت السعودي في جميع المِلفات، والجميع يعرف أنّ المنتخب السوري لن يشارك في دورة وديّة إلى جانب المنتخب القطري إذا لم تكن القيادة السوريّة راضِية عن هذا الأمر. وربّما لو كانت الأمور على ما يرام بين أبناء الخليج، لكانت المشاركة أوسع في "بطولة الصداقة" من دول مجلس التعاون، ولكن يبدو أن البطولة لا تَحمِل الكثير من اسمها، فالصداقة غائبة هذه الأيّام عن بلدان الخليج، وما يفرّق أكثر مما يَجمع.

(أ ف ب )

نجحت دورة التنشيط الوديّة كما يُطلق عليها رياضيّاً بفرض شكلٍ من أشكالِ "التَطبيع الرياضيّ" بين الدول العربيّة، لا شكّ أنّه "تطبيع حَميد" إذا خفّت معه حدّة الخلافات بين الدول العربية تدريجيّاً في زمن الحروب المستعرة، وابتعد بعضها عن محاور خارجيّة، وبعضها الآخر عن تطبيع رياضي أو سياسي مع الكيان الصهيوني.
وتظهر خلافات السعودية وقطر أيضاً في الملف العراقي، حيث تسعى كلّ دولة إلى التقرّب من الاتحاد العراقي للعبة، بهدف استمالته في معركة الرياضة الخليجيّة، والتي غالباً ما يكون هدفها انتخابي في الاتّحادات الآسيويّة، وخاصّة في رئاسة الاتحاد الآسيوي في كرة القدم. وهنأ رئيس الهيئة العامّة للرياضة السعوديّة تركي آل شيخ قطر بعودة استضافة العراق للمباريات الدولية، فيما أعرب رئيس وفد منتخب قطر في العراق طلال الكعبي عن سعادته بأن منتخب بلاده هو أوّل الواصلين إلى العراق بعد قرار الفيفا الأخير. ومن جهته دخل رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم البحريني سلمان بن إبراهيم آل خليفة على الخط، معتبراً أنّ ما حصل هو "انتصار للإرادة العراقيّة الصلبة"، وعادة ما تكون البحرين في صفّ السعوديّة.

اعتذار كويتي
في وقت يشارك المنتخبان السوري والقطري في بطولة الصداقة، اعتذر المنتخب الكويتي عن المشاركة في البطولة "التي كانت مقرّرة رباعيّة" من دون تحديد أسباب رسميّة لهذا الرفض. ورجّحت مصادر كرويّة أن يكون التراجع عن المشاركة سببه تزامن موعد البطولة الوديّة مع مبارتين وديّتين للكويت، الأولى أمام المنتخب الأردني "خسرها بهدف نظيف في 21 آذار الجاري"، والثانية ضد المنتخب الكاميروني في 25 من هذا الشهر أيضاً.
وتستكمل مباريات البطولة اليوم حين يلتقي المنتخب القطري مع سوريا، فيما يعلب نسور قاسيون وأسود الرافدين الثلاثاء المقبل في آخر مباريات الدورة التنشيطيّة.


بطولة الصداقة السعوديّة

منذ تسعينيّات القرن الماضي تقام بطولة الصداقة الدوليّة لكرة القدم في مدينة أبها السعودية بمحافظة عسير، وينظّمها الاتحاد السعودي لكرة القدم على ملعب مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية، وتقام على هامش مهرجان عسير السياحي. البطولة حصلت في عام 2000 على اعتراف الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الآسيوي والاتحاد العربي. ويشارك في البطولة أندية ومنتخبات، فحققت البرازيل تحت 23 سنة لقب البطولة عام 1996، وذهبت للمنتخب العراقي عام 2003 ولنادي الرجاء البيضاوي عام 2004. وتوقفت هذه البطولة منذ فترة، كما أنّ الحرب الدائرة في اليمن بقيادة السعودية تؤثر على المنطقة على اعتبار أن عسير اليوم هي منطقة عمليات للحرب.