ملعب جينيف في سويسرا هو الذي احتضن لقاء ودّياً بين المنتخب البرتغالي والهولندي. جاء الجميع لمشاهدة كريستيانو رونالدو. وعلى هذا الأساس، دخل أبطال أوروبا المباراة على نحوٍ متعالٍ، منتشين بلقب اليورو الأخير. الاستخفاف بالخصم مهما كان، دائماً ما يولّد المشاكل. قاعدة ثابتة في كرة القدم مثلها مثل ضربة الجزاء. وبالفعل نالت البرتغال جزاءها. دخل الهولنديون المباراة باندفاع وضغط عاليين لم يكن يتوقّعه البرتغاليون. سجّلوا الهدف الأوّل في الدقيقة 12 عبر نجم ليون الفرنسي ممفيس ديباي. عشرون دقيقة أخرى من عمر الشوط الأوّل كانت كافية لمضاعفة النتيجة بهدف ثانٍ سجّله المخضرم راين بابل نجم بشكتاس التركي. كريستيانو رونالدو كان تائهاً في منطقة الجزاء، بسبب أداء ثلاثي الخط الخلفي: ناثان آكي، وفان دايك (أغلى مدافع في التاريخ) بالإضافة إلى موهبة أياكس الدفاعية المكتشفة هذا الموسم دي ليجت، كان الأخير متميّزاً (على سبيل المزاح يمكن أن نقول إن مورينيو قد يقدّم عرضاً خيالياً لضمه كما درجت العادة). هدف ثالث جاء في الدقيقة الـ45 مع نهاية الشوط الأول عبر فان دايك. ثلاثيّة نظيفة انتهى بها اللقاء في سويسرا. سُحِق رونالدو. رقم مفاجئ سُجّل في المباراة المخيّبة بالنسبة إلى البرتغاليين، فهدّاف دوري الأبطال لم يقدر على تسديد ولو تسديدة يتيمة، في حالة لم يعشها قائد المنتخب البرتغالي في أي من المباريات التي خاضها هذا الموسم.

هداف المنتخبات الأوروبية الجديد؟

بتسجيله ثنائيّة على المنتخب المصري في المباراة الودية السابقة، أصبح في رصيد قائد المنتخب البرتغالي والنجم الأول لريال مدريد كرستيانو رونالدو 81 هدفاً مع منتخب بلاده. هدّاف ريال مدريد والبرتغال التاريخي يضع نصب عينيه رقماً قياسياً جديداً يضيفه إلى سلته «الضخمة» المليئة بأرقامه القياسية مع ناديه ومنتخبه. ثلاثة أهداف هي الفرق بين «الدّون» والنجم الإسباني المجري السابق فرنتس بوشكاش الذي يحمل الرقم القياسي بـ84 هدفاً. «هاتريك» في مباراة ما، لطالما شاهدنا مثلها لرونالدو، قادرة على تنصيبه ملكاً تهديفياً لأوروبا، وليصبح الثاني في العالم بعد الإيراني علي دائي صاحب الـ109 أهداف. (الرقم القياسي العالمي لهدافي المنتخبات في العالم).


لنطوي صفحة هولندا. المباراة مع «الطواحين» كانت بمثابة نتيجة لمباراة البرتغال السابقة مع المصريين. بطل أوروبا ظلّ متأخراً بالنتيجة أمام «الفراعنة» بهدف سجّله محمد صلاح. حتى الآن، لا شيء مستغرباً. لم يعد مفاجئاً أن يسجّل صلاح وأن يتألق. المفاجأة حدثت في الدقيقة الـ92 من عمر اللقاء، حين سجّل كريستيانو رونالدو هدفين من رأسيّتين في الوقت الضائع، فاز من خلالها البرتغال واحتفل رونالدو احتفالاً «هستيرياً» بهدف الفوز على مصر، ما يظهر حجم الضغوطات التي يتعرض لها مع المنتخب. بعد صافرة النهاية ضدّ مصر، كانت «التحليلات» عن ضغوط يعاني منها رونالدو مجرّد تحليلات. بعد الهزيمة القاسية من الطواحين، صارت التحليلات أكثر واقعية.
في أية حال، أداء المنتخب البرتغالي في هاتين المباراتين ليس بجديد على «السيليساو الأوروبي». فمنذ اليورو الفرنسي الأخير، كان واضحاً بأن هذا المنتخب يعاني ولا يجد الحلول اللازمة في عديد المباريات. فكانت مرحلة دور المجموعات في كأس الأمم الأوروبية بمثابة عقبة، استصعب كريستيانو رونالدو تخطّيها برفقة منتخبه. احتلّ البرتغال المركز الثالث في مجموعة تضم كلّاً من آيسلندا والنرويج بالإضافة إلى منتخب النمسا. وهي منتخبات نسبياً متوسطة وغير مخيفة. رغم ذلك، تأهل البرتغال من دون الفوز في أي من المباريات الثلاث. تأهلّ البرتغال «بعون من السّماء». الذريعة كانت أنه أفضل ثالث من بين كل «ثوالث» المجموعات المتبقيّة، ممّا نقل المنتخب إلى الدّور المقبل (دور الـ 16) في مواجهة كرواتيا. خلال مواجهات البرتغال في مسيرته ضمن هذه البطولة، لم تكن في أيٍّ منها كفّةُ الفوز تميل في المباراة لصالح فريق «الدون»، ومع ذلك استطاع المنتخب البرتغالي تخطّي كل من كرواتيا وبولندا، الأولى بهدفٍ في الشوط الإضافي الثاني بهدفٍ عجيب، والثانية بركلات الترجيح. ثم قدّم البرتغال أداء قوياً أمام منتخب «متوسط» آخر، هو منتخب ويلز في نصف النهائي، مستغلّاً غياب آرون رامسي. كان الحظ يمشي مع البرتغاليين، من دون أن يلغي ذلك «شخصية» المنتخب القوية، التي ساعدته أخيراً في مقارعة المستضيف فرنسا في النهائي، في مباراة ايدير الشهيرة. بشخصيته القوية، كفريقٍ كبير، فاز البرتغال باليورو، وهكذا رفع كريستيانو رونالدو كأس الأمم الأوروبية «غير المتوقّعة». وعانقها والتقط الصور معها. وعاد ليفوز بعد ذلك بجائزة أفضل لاعب في العالم، وردّ على المشككين.
اليوم، نلاحظ من خلال مباريات البرتغال الوديّة، بأن هناك تراجعاً ملحوظاً في أداء المنتخب. هل تحضر الشخصية في المباريات الكبيرة وتغيب في الوديات؟ ربما. ولكن توجد أسباب عديدة تدفع بمنتخب كالبرتغال لأن يتعرّض لهبوط مفاجئ في المستوى. ما يمكن افتراضه، هو أن «عرّاب» المنتخب، المدرب سانتوس لا يتناسب ولا يتجانس فكره التدريبي مع البرتغال. صحيح أنه فاز مع المنتخب ذاته بكأس الأمم الأوروبية، إلا أنه لا يمكننا نسيان عامل «الحظ والتوفيق» الذي كان ملازماً للمنتخب خلال البطولة. «ركلات الحظ» في مبارة ربع النهائي أمام البولنديين حسمت الموقف. ماذا لو خرج البرتغاليون من مثل هذا الدّور؟ هل سيعتبر الأمر مفاجئاً؟ ببساطة لا.
الأدوات التي يملكها سانتوس اليوم، لم تعد تُسعفه كما في السابق. «ويا ليت الزمان يعود يوماً»... صحيح بأن رونالدو لا يزال يمارس هوايته المفضّلة ويسجّل العديد من الأهداف، إلا أن أداء «صاروخ ماديرا» لم يعد كالسابق. السرعة تراجعت، المراوغات لم تعد كما كانت. رونالدو الهدّاف، ما زال هدّافاً، ولكن يحتاج إلى من يقف بجانبه لدعمه ولكي يزيل جزءاً ولو صغيراً من العبء المحمّل على كتفي هداف البرتغال التاريخي. ريكاردو كواريزما، أحد الأعمدة الأساسية في المنتخب، يبلغ من العمر 33 عاماً، ناني 33 هو الآخر. وطبعاً رونالدو دخل عامه الـ 33 في شباط الماضي. ما يمكن توضيحه هنا، بأن المنتخب البرتغالي يعاني حاليّاً من مرحلة صعبة يمرّ فيها لاعب ما، إلا أن المنتخب كله يمر في هذه المرحلة. فثنائي الدفاع المتشكل من فونتي وبيبي، تجاوز كلٌّ منهما الرّابعة والثلاثين من عمره، إلا أن الاعتماد عليهما لا يزال قائماً .

رونالدو لا يزال يمارس هوايته ويسجّل الأهداف إلا أن أداء «صاروخ ماديرا» لم يعد كالسابق


البرتغال لم تعد ولّادة كما في السابق، آخر إنجازات الكرة البرتغاليّة يتمثل بكريستيانو «الكبير». بلاد لا تخلو من المواهب كما اعتدنا عليها، الآن تفتقر لهذه المواهب والأسماء ذاتها نراها في كل مباراة يخوضها المنتخب. طبعاً هناك بعض الاستثناءات، كجيلسون مارتينز، أحد أبرز المواهب البرتغالية، صاحب الـ٢٢ عاماً يلعب للشبونة المحلي، ولا يحظى بثقة المدرب سانتوس، دائماً ما نراه مختبئاً على الدكّة برفقة الـ room mate، الذي بدوره يتلقى المصير نفسه: برناردو سليفا.
المنتخب البرتغالي يعاني اليوم من عقم تهديفي، فلولا وجود مهاجم ريال مدريد في المقدمة لما شاهدنا أهدافاً لهذا المنتخب. اعتماد كبير وواضح «يصوّبه» اللاعبون وحتى المدرب على النجم البرتغالي الأول، والذي يعدّ من أكبر وأعظم المشاكل التي يعاني منها المنتخب. البرتغال ليس ريال مدريد، كروس ومودريتش وإيسكو أسنسيو لا يشبهون أبداً كلاً من أندري غوميس (احتياطي البرسا) ولا كارفاليو ولا جواو موتينو. تتحسّر الجماهير البرتغالية اليوم على الماضي، ماضي خط الوسط، ماضي روي كوستا وديكو ومانيتش. هل سيبكي البرتغاليون على هذا الماضي؟ أو يمنّون النفس بأن يصبح سانتوس مدربّاً شجاعاً ويعتمد على شباب منتخبه ويتعلّم الدّرس الأخير من رونالد كومان.



Box To Box

جيلسون مارتينز: السريع والغاضب


صاحب الـ23 عاماً، يعدّ أحد أفضل المواهب الحاليّة والتي تصوّب عليها كبار الأندية الأوروبية كشّافيها. ولد مارتينز في 11 أيار 1995، ينشط الآن مع سبورتينغ لشبونة، جناح يمتاز بالسرعة والخفّة في تحركّاته. نادي مانشستر يونايتد الإنكليزي أبرز المهتمين باللاعب، إلاّ أن مدرّب المنتخب البرتغالي سانتوس لا يزال يعتمد عليه كورقة احتياطية.

برناردو سيلفا: صانع الألعاب


نجم موناكو السّابق الذي حقق معهم الدّوري الفرنسي على حساب فريق الأموال باريس، صانع ألعاب تقليدي، قدم يسرى تحمل معها السّحر والمهارات التي يفتقدها كثير من اللاعبين. نجم مانشستر سيتي الحالي برناردو، بدأ بتثبيت أقدامه مع المدرّب بيب غوارديولا، إلاّ أنه لا يزال خارج مخططّات مدرّب المنتخب الذي يشرك على حسابه لاعبين أقل مستوى مثل أندري غوميس لاعب البرسا.

أندريه سيلفا: النجم الشاب


النجم البرتغالي الشاب صاحب الـ21 عاماً، يلعب في مسيرة متضاربة على صعيد المنتخب والفريق. أندريه لاعب احتياطي مع ناديه ميلان الإيطالي، إلا أن النجم الشاب يعتبر أغلى صفقة أبرمها النادي الإيطالي. لاعب في المباريات الأخيرة للـ«سيليساو» الأوروبي، كان مقعد البدلاء جاهزاً له ولا يأخذ الثقة من مدربيه، إن كان غاتوزو أو سانتوس.

نيلسون سيميدو: الظهير العصري


ظهير نادي بنفيكا السابق صاحب الـ23 عاماً، ولاعب برشلونة الحالي، هو الآخر لا يأخذ ثقة المدرّب سانتوس على حساب سيدريك ظهير ساوثهامبتون الإنكليزي. ظهير سريع يتمتّع بالمهارات اللازمة التي يحتاجها أي ظهير عصري في أوروبا. مشكلته الأساسية عدم الاستمرارية باللعب مع ناديه برشلونة والمنافسة مع سيرجي روبرتو الذي يقدم أداء جيّداً هذا الموسم.