العهد بطلاً للدوري اللبناني لكرة القدم. عبارة ليست بغريبة عن كل من تابع هذا الفريق منذ ما قبل بداية الموسم الحالي وخلاله، أو بالأحرى منذ الموسم الماضي حيث شرع في عملية تمتين حضوره الفني القوي، ليقف بشخصية الفريق البطل الأكثر كمالاً واستحقاقاً للقب.

رغم كل شيء لم يكن خافياً على كل متابع لكرة القدم اللبنانية بأنه سيكون من الصعب جداً على أي فريق انتزاع اللقب من العهد. هي قناعة كانت حاضرة عند كثيرين منذ ظهور العهد بصورة مميزة في بطولة الأندية العربية، حيث وجّه رسالة من خلال أدائه في مصر بأنه سيكون الفريق الذي سيصعب على أيٍّ كان منافسته على اللقب المحلي أو هزيمته، وهو أمر رُسّخ واقعاً مع عدم تلقي الفريق الأصفر أي هزيمة هذا الموسم.
لكن ما هو الفارق الذي ميّز العهد عن بقية الفرق وتحديداً عن أولئك الذين طمحوا إلى إنزاله عن عرشه، ولماذا بقي لقب الدوري في خزائنه؟
هي عوامل عدة اجتمعت وأفرزت نجاحاً فنياً على أرض الملعب، فما بدأت الفرق الأخرى بالعمل عليه هذا الموسم، وتحديداً النجمة والأنصار، كان العهد قد بدأه منذ مواسم عدة. وهنا الحديث عن حالة الاستقرار الإدارية والمالية، والتي سمحت لبطل لبنان بالتخطيط الطويل الأمدّ والتنفيذ السريع لبلوغه الأهداف المنشودة، في ظل طموحات لا محدودة للحصول على كل الألقاب الممكنة.

بدا العهد وكأنه يملك فريقين جاهزين لإسقاط أي خصم


وهذه المسألة تعيدنا إلى نهاية الموسم الماضي عندما أحرز العهد لقب الدوري بفارقٍ مريح عن أقرب ملاحقيه السلام زغرتا، وبفارقٍ كبير عن خصميه المفترضين وقتذاك أي النجمة والأنصار. لكن رغم ذلك لم تضرب نشوة الإنجاز عقول العهداويين، فكانت أولى مفاتيح الموسم الحالي هي في تعزيز التشكيلة والسعي إلى استقطاب أسماء محلية لها ثقلها، أمثال المدافع علي السعدي (رغم مشاركته المحدودة) وصاحب الهدف الأغلى هذا الموسم لاعب الوسط سمير أياس، لتصبح التشكيلة كاملة ومكتملة، بحيث بدا العهد وكأنه يملك فريقين جاهزين لإسقاط لأي خصم.
وفي هذه النقطة تحديداً كانت الأفضلية الفنية للعهد على الفرق الأخرى، ففي مقارنةٍ بسيطة مع الفرق التي نافسته على اللقب، أمثال الصفاء بدايةً، ثم النجمة تالياً، تجد أن العهد حسم العديد من المباريات بفضل الأوراق الرابحة الكثيرة التي وُجدت بين يدي المدرب باسم مرمر، الذي تُحسب له كيفية التعامل معها. وفي هذا الإطار، لا يمكن القول إن مهمة مرمر كانت سهلة بل أصعب من غيره من المدربين بمكانٍ ما، إذ ليس من السهل أن تجد التوازن في تشكيلة مليئة باللاعبين أصحاب المستوى المتقارب، وليس من السهل أن تقنع "لاعباً لبنانياً" بقبوله بدور الاحتياطي بعد أن يكون أساسياً، كحالة الظهير الأيسر حسين دقيق الذي أخذ مكانه علي حديد. علماً أنه تُحسب لمرمر جرأته في اتخاذ قرارات من هذا النوع، ومنها أيضاً إعادة قلب الدفاع خليل خميس أساسياً على حساب السعدي، في خطوةٍ يعكس من خلالها رغبته الدائمة بإعطاء الفرصة للاعبين الأصغر سنّاً الذين سيفيدون الفريق مستقبلاً، وذلك على حساب أسماء تقدّمت بالسن.


لكن اللاعبين نفسهم هم الذين ميّزوا العهد عن غيره من الفرق، وهو أمر يمكن لمسه من خلال ميزةٍ لم تتمتع بها الفرق الأخرى، وهي "النفس الطويل" الذي كان وراء حصد العهداويين لأكثر من انتصار في أوقاتٍ صعبة ومراحل حساسة من البطولة. وهذه الميزة برزت في مباريات عدة، كان آخرها اللقاءان أمام الصفاء والأنصار، إذ صبر لاعبو العهد للوصول إلى الشباك ولم يستسلموا أبداً في سعيهم للحصول على مبتغاهم، ولم يركضوا خلف الهدف أو يستعجلوه على غرار ما تفعله بعض الفرق التي سقطت في فخ الارتباك جراء هذا الأمر. وتأتي هذه المسألة من خلال النضج الذي أصاب العهداويين الذين بنوا على خبرة ما حصدوه في الملاعب خلال مسيرتهم، فتعاملوا بهدوء مع كل الضغوط، وهم الذين على ما يبدو أصبحوا يهوون هذه الضغوط التي تُخرج الأفضل منهم على حدّ اعتبار أحدهم، والذي أصرّ مراراً (وهي تصريحات جاءت على لسان إداريين عهداويين أيضاً)، على أنه يتمنى مباراة حاسمة بين العهد والنجمة لأن ضغط الجمهور الكبير سيصبّ في مصلحة فريقه لا العكس كما يعتقد البعض!
وتأتي الأرقام أيضاً لتُنصف العهد، فهو وقبل مرحلة من ختام الدوري تخطى عدد النقاط التي حصدها في الموسم الماضي (51 مقابل 49 نقطة)، ومرشح طبعاً لتخطي عدد الانتصارات التي حصدها في الموسم الماضي بوصوله إلى الانتصار الرقم 15، مقابل 6 تعادلات ومن دون أي هزيمة (خسر 3 مباريات وتعادل في 4 في الموسم الماضي). أضف أنه سجل 47 هدفاً أي أكثر بـ 6 أهداف منه في الموسم الماضي، ودخل مرماه 8 أهداف فقط مقابل 14 مع ختام الموسم الماضي.
لا يمكن القول إن مهمة مرمر كانت سهلة بل أصعب من غيره من المدربين


وهذه الأرقام إذا ما كانت تعني شيئاً، فهي تعني بأن الفريق سار في تطوّر رهيب على مختلف الصعد وفي كل الخطوط، بفضل ثبات مستوى لاعبين معيّنين في مراكز حساسة، أمثال الحارس مهدي خليل وحسين زين ونور منصور وهيثم فاعور وأحمد زريق، وعودة آخرين إلى مستواهم المميز، أمثال خليل خميس ومحمد حيدر وحسن شعيتو "موني"، ليكون هؤلاء المحليون مركز الثقل في الفريق بعكس فرقٍ أخرى. وهذه النقطة أيضاً تعدّ ميزة استثنائية وتحسب للنادي البطل في عملية بناء فريقه، إذ إن عدد اللاعبين المحليين أكبر من عدد الأجانب، وبالتالي من الطبيعي أن يكون الحضور القوي لهم مسألة أساسية في أي نجاحٍ حاصل، وهي وصلت في العهد لدرجة بات فيها أحد ابرز لاعبيه في البطولة العربية السنغالي ابراهيما ديوب احتياطياً، وبات فيها المهاجم العاجي إدريسا كوياتيه مجرد لاعبٍ لا يتفوّق على نجوم العهد المحليين بأيّ شيء، ليكون المميز فوق العادة الغاني عيسى يعقوبو، الذي كان ضربة معلّم للمدرب السابق للفريق موسى حجيج، وأفضل لاعبي الدوري أجنبياً على صعيد ثبات المستوى والإفادة العامة.
إذاً حسمها العهد، لكن مع استعراض كلّ هذه الميزات لا شك في أن النادي الأصفر وجمهوره الذي كَبُر مع كل انتصار، وكل المراقبين والمتابعين، ينتظرون منه أكثر، لكن ليس في الملاعب اللبنانية بعد الآن، بل أبعد منها، وتحديداً على الساحة القارية حيث تدغدغ أحلامه كأس الاتحاد الآسيوي.