قبل عام 2015 كان اللاعب الأوروبي يعتبر أجنبياً في تركيا. وكان يحق للفريق أن يضم 8 لاعبين أجانب فقط، مع إمكانية مشاركة خمسة منهم في أرض الملعب. طالبت الأندية التركية باعتبار اللاعبين الأوروبيين لاعبين غير أجانب على غرار معاملة الأندية الأوروبية للاعبين الأتراك. لكن الاتحاد التركي رفض قبول هذا الاقتراح بحجة أن تركيا ليست عضواً رسمياً في الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن تطبيق هذا التعديل بخصوص المحترفين. وبعد أخذ ورد، ورحلة طويلة من النقاشات، أخذ الاتحاد التركي قراراً كان بمثابة «الثورة» في كرة القدم التركية. ألغى القيود المفروضة على الأندية في ما يخص عدد اللاعبين الأجانب، من خلال السماح للفريق بالتوقيع مع 14 لاعباً أجنبياً، من دون تحديد عدد اللاعبين الموجودين فوق المستطيل الأخضر. كان الهدف من القرار هو الحد من تضخم أسعار اللاعبين الأتراك المنتقلين من الأندية التركية الصغيرة، وذلك بعد الملاحظة أن قيمة اللاعب المالية المرتفعة لا تتناسب مع أدائه، كما لبى هذا القرار رغبة الاتحاد برفع مستوى المنافسة محلياً، وتطوير مستوى الأندية واستعادة الأمجاد الأوروبية. وبعيداً عما يخص كرة القدم، فإن القرار جاء أيضاً في الوقت الذي بدأت فيه أسعار بطاقات السفر إلى تركيا تنخفض. هناك ما هو أبعد من الكرة: استقطاب السياح لمتابعة مباريات الدوري التركي.

هذا القرار كان الشرارة الأولى، في عملية صيد مدراء أعمال اللاعبين. معظم اللاعبين الذين يأتون إلى تركيا كانوا يأتون في سنٍّ تتخطى الـ 29 عاماً، أمثال العاجي دروغبا والهولنديين فان بيرسي وشنايدر. تركيا بالنسبة لهؤلاء فرصة مثالية لتحصيل الأموال قبل الاعتزال. وهناك عوامل عدة تعتبر سبباً لتوجُههم للعب في «السوبر ليغ». الضريبة العالية التي تفرضها حكومات الدول الأوروبية، زرعت الخوف في نفوس اللاعبين والأندية، فالنِسبة المقتطعة من رواتب اللاعبين أحياناً تكون كبيرة جداً. هذا ما دفع بعض اللاعبين في دوريات «غرب أوروبا» للإصرار على الحصول على رواتب «صافية» من الضرائب تجنباً لهذه الخسارة. أما في تركيا، فلا تتجاوز نسبة الضريبة المفروضة على رواتب اللاعبين حاجز الـ 15%. تعد هذه النسبة من بين الأفضل في أوروبا. وهناك سبب آخر: مشاركة الفرق التركية باستمرار في البطولات الأوروبية. فرقٌ مثل «غالاتا ساراي» (فريق الطبقة الوسطى في اسطنبول) وفنربخشه (فريق الشعب وضواحي اسطنبول) وبشكتاش (الفريق الذي يعد جمهوره الأكثر شغفاً في اسطنبول)، تتمكن دائماً من الوصول إلى الأدوار الثانية في البطولات الأوروبية، وتالياً فرصة الوجود «أوروبياً» تبقى قائمة لنجوم «قيد الأفول». مع هذا التوافد الضخم نحو الدوري التركي، فإن التطور في أداء المسابقة والفرق واللاعبين لا بد منه. مكّن الأمر اللاعبين من اكتساب خبرة أكبر نتيجة احتكاكهم بزملائهم الأوروبيين، اضافةً إلى ازدياد الاهتمام الإعلامي في الدوري التركي، مما يسمح للاعبين البقاء تحت الأضواء.

«سوبر ليغ»: مختبر سياسي ــ اقتصادي
يمتاز الجمهور التركي بانتمائه الشديد إلى فرقه وتشجيعها بشغف. أمر دفع البعض لوصف الجماهير التركية بأنها الأكثر ولاءً لأنديَتها في أوروبا. رغم شهرة «غالاتا ساراي» على المستوى الأوروبي إلا أنه ليس الوحيد هناك، ففرق مثل «فنربخشه» و«بشكتاش» تخلق منافسةً مستمرة. ويظهر من بعيد فريق «أنطاليا سبورت» الذي ضم الكاميروني الشهير صموئيل ايتو إلى صفوفه. إذاً فهي فرصة للفرق لكسب جمهور جديد، والعكس صحيح أيضاً. اجتماع هذه الظروف والعوامل، دفع الدوري التركي للتفوق على نظيره الروسي مثلاً، الذي حاولت بعض فرقه بدعم من رجال الأعمال (زينيت ــ آنزي ــ روبن كازان وغيرهم) استقطاب النجوم، لكنها سرعان ما أعلنت استسلامها، بعد أن أحجم الكثير من اللاعبين عن الاستمرار، نظراً لِغياب المقومات التي تملكها تركيا. الضرائِب مرتفعة في روسيا والحرارة منخفضة، والمدرجات فارغة.
في 2016، جاءت محاولة الانقلاب على نظام رجب طيب أردوغان ولكنها باءت بالفشل. كرة القدم لم تسلم من تداعيات هذه المحاولة، بغض النظر من أن الملاعب لم يمسها أي ضرر. لكن التأثير جاء على نحوٍ غير مادي، فقد تسببت محاولة الانقلاب الفاشلة في إلغاء المباراة الودّية بين «أصدقاء إيتو» ومنتخب «أساطير العالم»، والتي كان من المقرّر أن تستضيفها مدينة اسطنبول في اليوم التالي. الحدث الذي كان سيمثّل دعاية عالميّة ممتازة للكرة التّركيّة، وخاصّةً مع مشاركة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان خلاله، وهو الذي يُعرف عنه «ولعه» بكرة القدم. إضافة إلى ذلك، ألغى حينها نادي أتليتكو مدريد زيارته إلى تركيا، كما رفض نادي موناكو لعب تصفيات دوري أبطال أوروبا أمام بشكتاش تخوفاً من الأوضاع. أما في ما يخص اللاعبين فقد قرر بعضهم الرحيل بعد هذه الأحداث، مثل الألمانيين ماريو غوميز ولوكاس بودولسكي والأرجنتيني خوسيه سوزا.

سمح الاتحاد بالتوقيع مع 14 لاعباً أجنبياً لكي يأتي السياح لمشاهدة الدوري التركي


تحت راية السياسة، شهد فريق نادي «باشاك شهير» سرعة هائلة في التطور. الفريق الذي تأسس في عام 2014، بات ينافس اليوم أعرق الفرق التركية، بشكتاش، غالاتا ساراي، وفنربخشه. وهو يحتل اليوم المركز الثاني في الدور التركي. هذا النمو المتسارع سلط الأضواء على نادي «ضاحية إسطنبول»، وأخذ يشغل بال المتابعين. وإذا تتبعنا الخيوط نحو «غليون الزعيم»، فسنصل إلى رجب طيب أردوغان. افتتح في نفس عام تأسيس النادي (عندما كان رئيساً للوزراء) ملعباً عصرياً في ضاحية «باشاك شهير»، أطلق عليه اسم «فاتح تريم». في حفل الافتتاح هذا، لعب وسجل هاتريك (3 أهداف متتالية)، وكان يرتدي قميص الفريق الجديد. إنشاء هذا الفريق له غايات سياسية واقتصادية. الغاية الأولى: سحب البساط من «ألتراس» بشكتاش، لأن معظمهم من أصحاب الوجهة «الليبرالية». علاوة على أنهم كانوا من أوائل الحركات، التي شاركت في احتجاجات ضد خطط أردوغان بخصوص «منتزه جيزي» في عام 2013. تأثير أردوغان المباشر يمكن ملاحظته من رعاة النادي، بداية بمؤسسة البناء «ماكرو انسات» الراعية لقميص النادي، والتي يقال عنها في تركيا إنها قريبة من حزب العدالة والتنمية. ذلك لا يلغي «حنكة» أردوغان، حين قرر الذهاب بنفسه، لتشجيع بشكتاش، في دوري أبطال أوروبا، ضدّ الفريق الروسي. فتركيا هي تركيا.



تجربة نصري
الجميع يذكرون «الأمير الصغير»، كما لقب في لندن، عندما لمع اسمه في أرسنال. مِثل جيل طويل من لاعبي الفريق اللندني، غادر إلى مانشستر سيتي. تراجع هناك، واليوم، ابن الثلاثين عاماً، تحول إلى لاعب دون فريق بعد انفصاله عن النادي التركي أنطاليا سبور. صدر في حقه أيضاً حكم من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يمنعه من مزاولة كرة القدم حتى العام المقبل بسبب خرقه قوانين حظر المنشطات.
■ ■ ■
ذكريات فاتح تيريم
في عام 2000 استطاع «عميد» الفرق التركية غالاتا ساراي تحقيق لقب الدوري الأوروبي. هو النادي الأكبر في تركيا ويعد النادي «رقم واحد» من حيث الشعبية هناك، وهو النادي الأكثر حصولاً على بطولات محلية. ولد النادي في 1905 باسطنبول، أيام الإمبراطورية العثمانية. ويعد النادي من أوائل الأندية التي مارست لعبة كرة القدم داخل تركيا، كما أنه أول فريق تركي شارك في البطولات الأوروبية. أحرز لقب كأس الاتحاد الأوروبي في 2000 مع فاتح تيريم. انسحب هذا التألق على المنتخب الوطني الذي توج ثالثاً في مونديال كوريا الجنوبية واليابان (2002)، ثم حصد الميدالية البرونزية في كأس القارات 2003 بنسختها الفرنسية. آخر إنجازات المنتخب التركي كان في يورو 2008 بوصولِه للمربع الذهبي. بعدها بدأ الدوري التركي يتطور، وأصبح قبلةً للعديد من النجوم، وبدأت سوق الانتقالات تجذب مدراء أعمال أبرز اللاعبين المحترفين، كما صارت الأندية التركية تنشط في سوق الانتقالات.
■ ■ ■
فغلوي وبلهندة
تقوم الأندية التركية بنشاط كبير في سوق الانتقالات. اللافت هو أن الأندية تركيا تغير في كل موسم أكثر من 10 لاعبين، معظمهم من الأتراك إما بصفقات مجانية أو على سبيل الإعارة. أغلى انتقال هذا الموسم كان انتقال سينك توسان التركي إلى إيفرتون الإنكليزي وبلغت قيمته 30.4 مليون يورو. يوجد لاعبون عرب بارزون في تركيا، أبرزهم الجناح الجزائري المعار من ويستهام الإنكليزي، سفيان فغولي، والمغربي يونس بلهندة الذي لعب في شالكه الألماني، ويملك نيس الفرنسي بطاقته. كلاهما يلعب مع غالاتا ساراي.