قبل نحو شهرين من انطلاق نهائيات كأس العالم لكرة القدم في روسيا، بدأ الحديث عن المنتخبات المرشحة لإحراز اللقب الغالي. حديثٌ مبكرٌ ربما بالنظر إلى أن متغيّرات كثيرة قد تحدث في الأسابيع التي ستسبق المونديال، وذلك انطلاقاً من الخيارات الأخيرة للمدربين أو إصابات اللاعبين. لكن الواضح أن خمسة منتخبات من دون سواها تدور في فلك الخبراء والمتابعين الذين يعتبرونها الأكثر قوة وقدرة على رفع الكأس الذهبية.

قد تكون كأس العالم 2018 إحدى أقوى النسخات في تاريخ المونديالات، وهو أمر أفرزته المباريات الودية الأخيرة، والتي غلب عليها طابع الجديّة أكثر من أي وقتٍ مضى، وتحديداً في تعامل اللاعبين معها على أرض الملعب حيث رمى كل واحد منهم بما لديه سعياً للحصول على مكانٍ في التشكيلة النهائية لمنتخب بلاده. وكذلك في تعامل غالبية المدربين معها من خلال بدء العمل على تثبيت تشكيلاتهم الأساسية وعدم اللجوء إلى التجارب غير المجدية، وسط سعيهم إلى إحراز انتصارات ودية تعطي دفعة معنوية للاعبيهم قبل العرس الكروي، وما إجراء مدرب البرازيل تيتي سوى تبديل واحد في اللقاء أمام ألمانيا إلا الدليل الملموس على هذه المسألة.

بدأ مدربو المنتخبات الكبرى العمل مبكراً على تثبيت تشكيلاتهم الأساسية في ظل وفرة اللاعبين


لكن وعلى رغم اقتراب الموعد المونديالي، فإنه من المبكر الحديث عن منتخبٍ مرشحٍ أكثر من غيره للفوز باللقب، فغياب لاعبين أساسيين لأسبابٍ قسرية قد يغيّر من المعادلة في اللحظة الأخيرة، لكن على رغم ذلك تفرض الواقعية أسماء خمسة منتخبات على الأقل تملك أفضلية على غيرها للصعود إلى منصة التتويج.

المانشافت هو المانشافت


على رأس هذه المنتخبات يأتي المنتخب الألماني حامل اللقب، إذ على رغم مضي 4 أعوام على وضعه للنجمة الذهبية الرابعة على قميصه، فإن «المانشافت» ازداد قوةً بفعل طفرة المواهب التي تعيشها الكرة الألمانية هذه الأيام، وهو أمر عبّر عنه لاعب الوسط سامي خضيرة عندما قال: «أنا سعيد لأنني لست الشخص المسؤول عن مسألة انتقاء اللاعبين الذين سيذهبون إلى روسيا»، وذلك في إشارةٍ منه إلى حجم صعوبة مهمة المدرب يواكيم لوف الذي يقول بعض النقاد بأنه يملك ثلاثة منتخبات حالياً!
وقد يكون هناك شيء صحيح في هذا الاطار، إذ إن لوف وبتشكيلة رديفة كان قد نجح في «البروفة المونديالية» عندما أحرز كأس القارات في الصيف الماضي، ما يعني أنه بإمكانه البناء على هذا النجاح والخروج من روسيا بكأسٍ اخرى.
ومما لا شك فيه أن الثقة التي يعيشها الألمان تزيد محركاً إضافياً إلى ماكيناتهم، على رغم أن أي منتخب لم يتمكن من حمل كأس العالم مباشرة بعد فوزه بكأس القارات. وهذه الثقة تلتقي مع مجموعة شابة جائعة لإحراز المزيد، ما يعطي لوف خيارات أكبر، خصوصاً في ظل التنافس على المراكز الذي ظهر بين لاعبيه، ما ينعكس إيجاباً على الأداء العام.

إسبانيا دائماً مرشحة


منتخب أوروبي آخر بدا مليئاً بالمواهب ومرعباً في آنٍ معاً، وهو المنتخب الإسباني الذي قدّم أوراق ترشيحه أخيراً باكتساحه الأرجنتين (6-1)، موجّهاً رسالة واضحة إلى الجميع.
إسبانيا تبدو أعلى كعباً من الجميع من ناحية وجود أصحاب الخبرة وأصحاب الفكر الناضج والتقنية العالية في آنٍ معاً، وهو ما قدّم منتخباً سريعاً في نقل الكرة من خلال اللمسة الواحدة والهجمات المرتدة الفتّاكة. منتخبٌ متكامل الصفوف، من حراسة المرمى المؤمّنة بوجود الرائع دافيد دي خيا، ومروراً بخط دفاعٍ فيه سيرجيو راموس وجيرار بيكيه وجوردي ألبا، ووصولاً إلى خط وسطٍ خلاّق بوجود أندريس إينييستا وتياغو ألكانتارا وإيسكو وماركو أسينسيو، ووصولاً إلى هجومٍ كشف عن اسماء تأقلمت بسرعة على الساحة الدولية، أمثال رودريغو وياغو أسباس، لينضموا إلى دييغو كوستا والفارو موراتا وغيرهم...
ببساطة، الكل يعرف مدى الأذى الذي يمكن أن يلحقه الإسبان بهم، إذ حتى قبل تلك النتيجة القاسية على الأرجنتينيين كان ملهم هؤلاء أي النجم ليونيل ميسي يقول: «ما أفضله في المونديال هو عدم مواجهة الإسبان».

فرنسا بالشباب المهاجرين


أيضاً منتخب آخر من أوروبا لا يمكن إسقاطه من المعادلة، وهو المنتخب الفرنسي الذي حلّ مشكلاته سنة بعد أخرى حتى وصل المدرب ديدييه ديشان إلى توليفة شابة يمكن أن تصعّب الأمور على أي خصم، تماماً كما بدا الأمر عليه في كأس أوروبا 2016.
الدماء الشابة التي تجري في عروق «الديوك» تعيدنا بالذاكرة إلى مونديال 1998 حين أحرز الفرنسيون لقبهم الأول والأخير بقيادة ديشان نفسه الذي حمل شارة القيادة وقتذاك. لكن أكثر ما يخشاه هذا المدرب هو وقوع نجومه في فخ المزاجية حيث ليس هناك من وقتٍ كافٍ لإخراجهم منها أو للتعويض. وكذلك في فخ الضغوط التي تحيط بهم من كل حدبٍ وصوب حالياً في فرنسا التي تطالب بتعويض خيبة «يورو 2016»، وكلها أمل بهذا الأمر بوجود نجومٍ رائعين مع أنديتهم، أمثال أنطوان غريزمان وكيليان مبابي وعثمان ديمبيلي وبول بوغبا ونغولو كانتي وصامويل أومتيتي ورافايل فاران وكورونتان توليسو. كل هؤلاء ليسوا إلا جزءاً بسيطاً من مجموعة كبيرة من المواهب التي يمكن لديشان اختيار الأفضل منها بهدف الوصول إلى متبغاه.

إنكلترا من خارج التوقعات


وما يمكن أن يكون من خارج التوقعات هو منتخب إنكلترا، وذلك استناداً إلى تاريخه الدولي، إذ غالباً ما كان يجرّ أذيال الخيبة في كل مرّة رُشّح فيها لإحراز اللقب العتيد أو أقله الذهاب بعيداً في مشوار البطولة. لكن الإنكليز أيضاً وبعد تأهلهم السهل إلى المونديال الروسي يرون إمكانية لقلب الطاولة على من يتوقّع فشلهم، إذ منذ سنوات عدة لم يمرّ على منتخب «الأسود الثلاثة» هدّافاً بحجم هاري كاين، أو موهوباً مثل زميله في توتنهام هوتسبر ديللي آلي. ومع مدربٍ مثل غاريث ساوثغايت وجد التوازن في تشكيلته وخلط بين الخبرة والشباب، يبدو منتخب إنكلترا متمسكاً بأمل أن يكون بطلاً من خارج التوقعات، وهو أمر في حال حصل لن يكون مفاجئاً لأن الإنكليز ليسوا على مسافةٍ بعيدة من المرشحين الأقوى.
وإنكلترا ليست الوحيدة التي تطمح إلى البقاء خارج دائرة المرشحين الأقوياء ثم مفاجأتهم، فهناك منتخبات تشبهها أيضاً ولو أنها تبدو مرشحة بدرجةٍ أقل منها، أمثال الأرجنتين الغنيّة بالأسماء والفقيرة بالأداء، وكذا بلجيكا مع إيدين هازار وكيفن دي بروين، والتي لا تملك روح التفوّق، ما يجعل مسألة فوز منتخبٍ من خارج دائرة المرشحين الخمسة الأبرز مفاجأة كبرى ومدويّة.


البرازيل: عودة قوية


ثاني المنتخبات التي لا تقلّ عن الألمان شأناً فهو المنتخب البرازيلي، الذي كشف عن وجهٍ جديد في التصفيات المونديالية الأميركية الجنوبية، إذ لا شك في أن وصول المدرب تيتي للإشراف عليه غيّر من صورته تماماً، إذ مال أداؤه إلى صورة المنتخبات الأوروبية من حيث الانضباط الدفاعي تحديداً بعيداً من التهوّر الهجومي. وعلى رغم أن العشوائية في بناء الهجمات لا تزال حاضرة في الكثير من الأحيان، فإن جيلاً جديداً يبدو قادراً على محو عار مونديال 2014، في ظل وجود مواهب ارتقت إلى أعلى مستوى لها في المواسم الأخيرة مع أنديتها الأوروبية، أمثال ويليان وكاسيميرو وماركينيوس وفرناندينيو. وطبعاً في ظل ظهور مواهب كبيرة مثل غابريال جيسوس، إضافةً إلى وصول كوتينيو إلى مرحلة النجومية الأعلى، وطبعاً وجود نيمار الذي يجمع بين روح الشباب والخبرة، التي يمثّلها بأفضل صورة ممكنة خط دفاع قوي فيه تياغو سيلفا وميراندا وداني الفيش ومارسيلو.