السؤال عن أفضل لاعب ناشئ في الدوري اللبناني لكرة القدم لا يعطي جواباً صريحاً أو واقعياً. فهذه المسألة تتطلب معايير معيّنة ترتبط بمكانٍ بمدى مشاركة هذا اللاعب الناشئ مع فريقه، وبمدى تأثيره في نتائجه، ومدى ظهوره بمستوى ثابت يؤكد أنه يستحق أن يسمّى نجم المستقبل.

وهذه المعايير لم تظهر على أي لاعب صغير السن في الدوري هذا الموسم، لا بل كادت تنتفي مسألة إشراك الوجوه الصاعدة في المباريات، وبدت محدودة إلى حدٍّ كبير، وهو ما يعكس قلقاً واضحاً حول مستقبل الكرة اللبنانية. وانطلاقاً من تصريح مدرب النجمة الألماني ثيو بوكير في أول مباراة قاد فيها فريقه أمام الشباب العربي، يمكن استخلاص الكثير من العبر، إذ علّق على هبوط مستوى فريقه في الشوط الثاني بالقول: «أدركت أن ليس كل اللاعبين هم حسن معتوق». كلمات تختصر الكثير بالنسبة إلى مدربٍ لطالما عُرف بمنحه الفرصة للاعبين الشبان منذ قدومه إلى لبنان في مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً في فترة إشرافه على فريق الحكمة الذي كاد يصنع معه معجزة الفوز بلقب الدوري بفريقٍ مطعّمٍ بالوجوه التي لم تكن قد خرجت إلى الأضواء في فترة سابقة.
وكلام بوكير يمكن أن ينعكس في العديد من ملاعب الأندية المشاركة في بطولة الدوري، إذ لا يمكن اختيار فريقٍ كامل من «المبتدئين» في حال أردنا اتخاذ هذه الخطوة، كون الوجوه الشابة التي ظهرت على الساحة لا تتخطى أصابع اليدين، وغالبيتها كان دورها محدوداً في حسابات مدربيها. من هنا، لم يكن مستغرباً أن يصبح الموهوب علي الحاج حديث الجميع منذ تسجيله هدفه الأول بقميص النجمة، وهو الذي سبقته سمعته إلى ملاعب الدرجة الأولى بفعل تألقه في بطولتي الشباب والناشئين، حتى امتلك بوكير الجرأة لإشراكه احتياطياً في مرحلةٍ أولى ثم أساسياً في مبارياتٍ لاحقة، وذلك من باب تقديره لموهبته وإيماناً بها.

لا وقت للصغار
لكن حتى علي الحاج بحاجةٍ إلى أكثر مما حصل عليه، وتحديداً بحاجةٍ إلى دقائق لعب أكثر شأنه شأن العديد من اللاعبين الشبّان الذين لا يجدون مكاناً لهم في فرقهم أو وقتاً كافياً للعب. وهذه المسألة تأخذنا إلى نادي الأنصار، فهذا الفريق الذي عرف ظروفاً صعبة وأحد أسباب معاناته كانت تقدّم غالبية لاعبيه في السنّ، أدار مدربوه المتعاقبون ظهرهم إلى أسماء واعدة ومهمة للمستقبل، فبالعودة إلى أيام المدرب السابق للأخضر جمال طه، تجد أن لاعبين مثل موسى الطويل شاركوا أساسيين في مبارياتٍ مهمة جداً وبعضها كان حاسماً على صعيد الألقاب. لكن فجأة اختفى الطويل وقاسم الشوم وغيرهما من تلك المواهب التي انتظرها الأنصاريون لتعيد الفريق إلى سابق عهده، وهو الذي اشتهر بتقديمه أبرز نجوم اللعبة في لبنان.
وتبدّلت هذه المسألة نسبياً مع قدوم المدرب التشيكي فرانتيتشيك ستراكا صاحب العقلية الأوروبية، والمؤمن بأهمية منح الشبان الوقت لاكتساب الخبرة الضرورية، وهو عامل مهم، إذ إن عدم المشاركة في هذه السن يخرج اللاعب من مرحلة التطوّر ويعيق تقدّمه. وفي حالة ما حصل مع الطويل خلال مباراة العهد كان الدليل الملموس، إذ حُمّل مسؤولية الهدف الذي سجله سمير أياس بعد ارتقائه من فوقه للكرة برأسه مسجلاً أغلى أهداف العهد، والسبب كان طبعاً افتقاد اللاعب الشاب لحساسية المباريات بعد غيابه عنها لسببٍ أو لآخر ولفترة غير قصيرة.
وبالحديث عن العهد، فإن هذا النادي يملك خزاناً كبيراً من الناشئين. لكن مشكلته الأساسية هي في تخمة الأسماء الكبيرة الموجودة في فريقه الأول، بحيث يبدو شبه مستحيل على المدرب باسم مرمر ترفيع أسماء جديدة إلى صفوفه، وهو الخبير في قطاع الفئات العمرية في ناديه وما يحويه من مواهب فذة. لكن على رغم ذلك لا يزال مؤمناً بفكرة منح وقت لعبٍ أكثر للاعب الشاب على حساب المخضرم، وهو الأمر الذي برز في حالة الاعتماد على خليل خميس أساسياً على حساب علي السعدي الذي كلّف النادي مبلغاً كبيراً لقاء انتقاله من الصفاء. أضف أن مرمر لا يتردد في إشراك محمد قدوح أساسياً، ولا يتأخر بمنح دورٍ لحسين منذر وعلي حديد، بينما بقي حسين الزين لا يمسّ في التشكيلة الأساسية.
وفي هذا الإطار أيضاً، علمت «الأخبار» أن مرمر لن يوفّر جهداً لإقناع الإدارة بإطلاق فريق رديف يلعب في دوري الدرجة الثانية أو الثالثة بهدف منح فرصة اللعب للمواهب البارزة لكسب خبرة المباريات، وذلك على طريقة عمل نادي السلام زغرتا الذي أطلق فريق أمل السلام زغرتا، والأخير أصبح رافداً للفريق الأول مقدّماً إليه العديد من اللاعبين المميزين.

دور خجول لمدارس الأندية
السلام زغرتا، بالأصل، هو أحد الأندية التي قدّمت مواهب شابة من قلب أكاديميتها في مواسم سابقة، أمثال جان جاك يمين وأليكس بطرس، وفي الموسم الحالي حيث أطل أنطوني بو ضاهر في مركزٍ أساسي في بعض المباريات. وإذ يعمل هذا النادي بطريقة صحيحة لتخريج النشء والاستفادة منهم مستقبلاً، وذلك عبر استقدام مشرفٍ إسباني على أكاديميته وتعزيزها بمدربين متخصصين في الفئات العمرية، تنقسم الآراء حول دور أندية الدرجة الأولى في تقديم المواهب على الساحة من عدمها.
وهذه المسألة يبدو فيها شيء من الواقع، وذلك في شقّين، إذ مضت عشر سنوات تقريباً على اكتشاف حارس مرمى محلي بمستوى مقبول للمنتخب. وحتى في أيامنا هذه يبدو الحارسان الأبرز بصناعة خارجية أي مهدي خليل وعباس حسن، وقبلهما كان لاري مهنا الذي تأسس في فرنسا أيضاً. وإن كان هذا الأمر يعني شيئاً فهو سوء العمل في الأندية على هذا الصعيد وعدم وجود مدربين للحراس في الفئات العمرية، ما قضى على مسألة تخريج حراس مميزين.
والأمر نفسه ينطبق على هذا الكلام حالياً في ظل البحث عن مهاجم محلي مميز بدلاً من استرضاء المغتربين والتنقيب عنهم للدفاع عن ألوان منتخبنا. وهذه النقطة يعطي مثالاً عنها أحد المدربين الأجانب الذي أشرف على المنتخب اللبناني في فترةٍ سابقة، إذ يحكي عن قدرات لاعب الأنصار محمود كجك، واصفاً إياه بأنه يملك مقومات المهاجم الهداف، لكن أحداً لم يساعده على مواصلة السير في درب التطوّر وهناك أشياء يتعلمها المهاجم في الصغر ولا يمكن تلقينها له في مرحلة ما بعد سن النضوج حيث يفترض أن يكون قد وصل إلى ذروة العطاء الكروي.

تفوّق الأكاديميات الخاصة
ثمة رأي شائع يقول إن الأكاديميات الخاصة تقوم حالياً بعملٍ أفضل لتقديم المواهب إلى الكرة اللبنانية، ضاربين المثل ببعض اللاعبين الذين ظهروا بمستوى جيّد على رغم خبرتهم القليلة في دوري الدرجة الأولى، أمثال لاعب النجمة أندرو صوايا (أكاديمية أتلتيكو التي سبق أن قدّمت إلى النجمة لاعب السلام الحالي جوزف لحود)، وثنائي الراسينغ مارك مهنا وإيلي براضعي (بيروت فوتبول أكاديمي)، والذين وجد فيهم المدربون الأسس الصحيحة التي تخوّلهم الحصول على فرصة اللعب على رغم صغر سنهم.
إذاً المواهب شبه مفقودة، وهي مسألة حساسة ومهمة جداً بعكس ما كان عليه الأمر في الماضي البعيد عندما كانت مباريات الشباب والناشئين على قدرٍ عالٍ من الأهمية، وتستقطب الجمهور بحيث كانت تقام مباشرة قبل مباراة أي طرفين من الدرجة الأولى حيث التقى فريقاهما للشباب على الملعب ذاته. ربما يفترض سؤال مدربي منتخبات الفئات العمرية عمّا ينقص لاعبيهم وما ينقصهم من خيارات لمواهب مفقودة، والدليل نتائج هذه المنتخبات الخارجية والتي لم تكن على قدر الآمال اخيراً.