كثيرة هي الإيجابيات التي يمكن استخلاصها من الموسم المنتهي في كرة القدم اللبنانية. فالدوري لم يعد حالة عابرة، بل تحوّل الى حالة عامة في الكثير من المحطات هذا الموسم، وجرّ اليه المزيد من المتابعين، وهو أمر انعكس في صورة وشكل المدرجات التي استعادت روادها وأضافت ضيوفاً جدد إليها.

دليلٌ آخر على أن متابعة كرة القدم في لبنان ليست «موضة قديمة» هو الجيل الشاب الذي يتوافد الى الملاعب، وهو أمر يمكن ان يلاحظه اي متابع للمباريات ومنتبه لأولئك الشبان الذين يقطعون المسافات بين مختلف المحافظات اللبنانية لمؤازرة فرقهم، غير آبهين بالظروف المناخية او تلك الاستثنائية.
اذاً، الدوري حاضر بقوة بين الرياضات الرائدة في لبنان، وهو أكد حضوره من خلال الأندية اللبنانية نفسها، والتي بدت مصرّة على اثبات جدارتها في الاستحقاقات الخارجية. كذلك، أكدت بطولة لبنان أهميتها من خلال افرازها منتخباً قادراً على التأهل الى كأس آسيا وتسطير سلسلة مباريات من دون اي هزيمة.
لكن المحب للكرة اللبنانية وأنديتها ومنتخباتها، لا بدّ ان يكون واقعياً، ويشرع في نقدٍ ذاتي حرصاً على المصلحة العامة، اذ ان سلّة السلبيات تتخطى الإيجابيات، لكن إذا حضرت الحلول فإن الدوري سيصبح اجمل شكلاً ومضموناً.
ومن مشهد مباراة العهد والزوراء العراقي على ملعب كربلاء الرائع، يمكن التأكد كم نبعد عن محيطنا من حيث الاهتمام والتطوّر، وتحديداً في ما خصّ البنى التحتية. فالمشكلة الأولى والأزلية التي تعيق تطوّر كرتنا وتترك الدوري من دون اي جاذبية هي الملاعب، التي لا تصلح غالبيتها، إذا لم نقل كلّها، للعب كرة القدم بمعناها الحقيقي. وهذه المسألة لا تترك صورة بشعة عن الدوري فقط، بل تعيق تطوّر المستوى الفني وتجعل من لاعبينا يتمنون أقل الأمنيات وهي اللعب على أرضية صالحة تبعد عنهم شرّ الإصابات وتعطيهم حقهم لناحية اظهار قدراتهم الفنية الحقيقية.
وتضاف الى هذه المسألة الشائكة، والتي لا يبدو أن حلاً في الأفق يقترب منها، مشكلة العقلية الاحترافية المفقودة إن كان من الناحية الإدارية او من ناحية بعض اللاعبين، اذ ان المستوى الفني تأثر بفعل حالة عدم الاستقرار التي عرفتها بعض الأندية في قراراتها وإداراتها. أضف ان غالبية اللاعبين انفسهم لا يعيشون حالة استقرار في بعض الاندية المتخبطة مالياً او تلك التي تخضع لمزاجية رؤسائها.
الجمهور بدوره عكس في بعض المحطات صورة سلبية، رغم عودته المميزة هذا الموسم وانتشاره في كل ملاعب الدوري، اذ ان المشكلات المفتعلة هنا وهناك لا تشجّع المستثمرين والمعلنين على الدخول في رياضة لا تترك رسالة ايجابية للرأي العام، ما يحمّل الجمهور في هذه الحالة مسؤولية لعب دور في انجاح الدوري من خلال انضباطه وتعاطيه الحضاري مع كل الظروف وحتى لو كان فريقه مظلوماً.
اما اكبر السلبيات فهي استمرار تجاهل الدولة لأهمية هذه اللعبة في البلاد ودورها الجامع وأهميتها لإبعاد الشبان عن الشارع والآفات المحيطة به، اذ لا يزال الدعم الرسمي غائباً عن اللعبة الشعبية، وأي انجاز يبقى مهمّشاً وبعيداً من اهتمامات أصحاب السلطة الذين يهوون أكثر التقاط الصور مع «النجوم التجاريين» القادمين من الخارج لزيادة ثرواتهم. هم أصلاً لو اهتموا لكانوا شرعوا في محاسبة مرتكبي جرائم اهمال الملاعب والمرافق العامة، وكانوا قد حاسبوا المتورطين في اغراق اللعبة في المراهنات الناشطة «على عينك يا تاجر»، لتبقى الإيجابية الوحيدة في هذه الناحية هذا الموسم هي في تحمّلهم مسؤولياتهم الأمنية في تأمين الملاعب وروادها وإيصال المباريات الى برّ الأمان.
ببساطة، هو موسم ناجح بشكلٍ عام وفرصة للبناء عليه في ظل كل ما تحقق وإلا ستبقى كرتنا تعيش في الفوضى والعشوائية ويبقى عنوانها «مكانك راوح».