المشكلة بدأت قبل نحو 13 عاماً، فكانت كرة القدم إحدى الضحايا الأساسيين للخضة السياسية - الأمنية الكبرى التي عرفتها البلاد عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقتذاك انطلقت الشرارة في مباراة بين منتخبي لبنان والكويت في بيروت ودخلت الحالة الجماهيرية بعدها في دوامة السياسة والطائفية، فهجر المشجعون الحقيقيون الملاعب التي بدت أشبه بمدينة أشباح حيث كانت في بعض الأحيان تُسمع أصوات وكلمات اللاعبين خلال خوضهم لمباريات دوري الدرجة الأولى!

حملاتٌ كثيرة حاولت إعادة الوضع إلى طبيعته، خصوصاً في تلك الفترة التي أصاب فيها منتخبنا الوطني نتائج لافتة في التصفيات المونديالية قبل الماضية. لكن عبثاً كانت النتيجة، إذ بقي قسمٌ كبير من الجمهور بعيداً من الملاعب، وتحديداً ما يمكن تسميته بـ «جمهور التسعينات» حيث كانت الملاعب تمتلئ حتى بكرة أبيها في غالبية المباريات وأيّاً كان طرفيها.
لكن ما الذي تغيّر ــ رياضياً ــ هذا الموسم وشكّل منعطفاً في العودة التدريجية للجمهور إلى الملاعب ولو أنها عودة غير مكتملة، شكلاً ومضموناً، إذا صحّ التعبير؟

المنافسة القوية
عشية انطلاق الموسم الحالي كان جليّاً أن دائرة المنافسة ستتسع، وذلك من خلال ما أفرزته كأس النخبة من إثارة، إضافة إلى النشاط اللافت لفرقٍ عدة في سوق العرض والطلب. وزادت الحدّة والنديّة التي استفزت القاعدة الجماهيرية إيجاباً بعد تلك النتيجة الكبيرة التي حققها الأنصار بفوزه على النجمة 5-1. نتيجة استنفرت النجماويين في كل مباراة بعد تلك المرحلة، وأعطت الروح للأنصاريين الذين آمنوا بفريقهم وساروا وراءه إلى كل المناطق وملاعبها.

بقيت ثقافة التشجيع الأصيلة ناقصة من المشهد العام بسبب بعض المشجعين الذين خرجوا عن أطر الأخلاق العامة


العهداويون دخلوا على الخط أيضاً بعدما بدا فريقهم قادراً على الاحتفاظ بلقب الدوري، بينما سجّلت فرق أخرى حضوراً لافتاً في ملاعبها بفعل الانتماء الموجود لدى أبناء مناطقها، أمثال السلام زغرتا والأخاء الأهلي عاليه والتضامن صور والنبي شيت وطرابلس. ومما لا شك فيه أن حدّة المنافسة في المراحل الأولى لعمر البطولة تركت أثرها الإيجابي على الحضور الجماهيري الذي اتخذ منحاً تصاعدياً. ولا شك أيضاً في أن استفزاز الجمهور الأكبر في لبنان أي جمهور النجمة لغيره من الجماهير عبر حضوره الكبير في الملاعب، أعاد مشجعي الفرق الأخرى إليها أو زاد من أعدادهم، ما انعكس إيجاباً على اللعبة عامةً، وأعطى رونقاً افتقدته الملاعب على رغم بعض الأحداث الطارئة التي شوّهت بعض المباريات. لكن على رغم ذلك لا يمكن تشبيه ما حصل من أحداثٍ سلبية بأمورٍ مشابهة حصلت في مواسم خلت، إذ إن الاحتقان الذي عرفه الشارع بسبب الخلفيات السياسية والتي قسّمت الجمهور الواحد أحياناً، انخفض مؤشره، وبات همّ الجمهور الأول والأخير فوز فريقه والظهور في شكلٍ متفوّق على خصومه.

الجمهور الجديد
هذه النقطة بدت واضحة من خلال خطوات عدة اتخذتها روابط الجماهير، وتحديداً في الفترة الأخيرة جمهوري النجمة والعهد. جمهور «النبيذي» الذي يعدّ من نقاط القوة والنجاح في البطولة نقل حضوره إلى مستوى آخر من خلال تنظيمة الميداني الذي جاء عفوياً في بعض الأحيان ومدروساً في أحيانٍ أخرى. لوحات بلونٍ واحد وطرق تشجيعية جديدة ومجموعة «Ultras Supernova» التي عكست صورة مغايرة عن الأداء الجماهيري الذي عهدناه في الملاعب. كما عكس الجمهور النجماوي صورة أوروبية في يوم لقائه مع التضامن صور ضمن مسابقة كأس لبنان حين رسم شعار «Fight For Us» في مدرجات ملعب صيدا، وذلك في مشهدٍ غير مسبوق محلياً. وفي الإطار التنظيمي أيضاً عمل جمهور العهد، الذي زادت أعداده مرحلة بعد أخرى، وكان حاضراً في محطات مفصلية لفريقه، مانحاً لاعبيه فرصة الاحتفال ضمن مشهد جماهيري ملوّن بالأصفر أيضاً. وهذا المشهد أكد ثابتة أساسية في الحالة الجماهيرية وهي أن النجاح الفني يحمل معه نجاحات جماهيرية بحيث أن مزاج المشجعين يتحوّل عادةً لمؤازرة الفرق الناجحة والرابحة، وهو ما عمل عليه العهد، محققاً مكسباً آخر هذا الموسم بعيداً من احتفاظ باللقب.

السلبيات باقية
على رغم كل الإيجابيات في الحديث عن الجمهور وحضوره اللافت هذا الموسم، والذي انسحب أيضاً على موسم بطولة الدرجة الثانية في ظل وجود فرقٍ عرفت دوري الأضواء سابقاً، أمثال شباب الساحل والبرج والشباب الغازية التي سجّلت حضوراً جماهيرياً لافتاً أيضاً، فإن الوجه النقي لـ«ثقافة التشجيع» بقي مشوهاً. وهنا، الحديث عن الشوائب التي عرفتها البطولات المختلفة في لبنان من أحداثٍ يُسأل عنها الجمهور من دون سواه، وهي أحداث كلّفت خزائن الأندية أموالاً كثيرة نتيجة العقوبات الاتحادية وأضرّت بصورة اللعبة التي تبدو بغنى عن مشكلة من هنا وتحريض من هناك. وهذا العرض يرتبط مباشرة بثقافة التشجيع المفقودة لدى قسمٍ كبير من جمهور الكرة في لبنان، والذي يحوّل مباراة إلى ساحة قتال في المدرجات وأرض الملعب.
مشاهد عدة مؤسفة، تشوّه صورة كرة القدم اللبنانية، من نزول مشجعين إلى أرض الملعب وتعطيل المباريات، إلى تعرّضهم للاعبين أو لمشجعين آخرين أرادوا فقط الحضور إلى الملعب للاستمتاع باللعبة. وكذلك، تضاف إلى كل هذه النقاط السلبية كميّة الشتائم التي لا يتوانى بعض المشجعين عن إطلاقها بحق الجميع وكل من تطاوله ألسنتهم، إذ حتى إداراتهم لا تنجو من شرّهم. وهذه الآفة تخطت حدود المعقول والأخلاق في آنٍ معاً، إذ حملت كمّاً من الإهانات والاتهامات والتعرّض للغير بكل الكلمات غير المقبولة، لدرجةٍ بات فيها تحريك الدعاوى القضائية أمراً أساسياً لتنظيف اللعبة من فئة لا تعرف سوى المستوى المتدني في التعاطي مع المنافسين من إداريين ولاعبين ومدربين، إضافةً إلى المشجعين الخصوم والحكام والإعلاميين والاتحاديين وكل من يرتبط باللعبة بشكلٍ أو بآخر.
وإذ يعتبر البعض أن التوتر المتصاعد بين النجمة والعهد والذي أفرزته قوة المنافسة بين الفريقين على اللقبين الأساسيين، قام بتغذية النار الجماهيرية المستعرة، فإن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت الوقود الذي يشعل هذه النار ويضرّ باللعبة وصورة جمهورها، وهو أمر يفرض تحرّكاً من قبل كل من يسيطر على الجمهور أو له دور في تنظيمه لعدم إعادة اللعبة خطوات إلى الوراء كون ما يحصل لا بدّ أن يجرّ معه مشكلات تعيدنا بالذاكرة إلى أيامٍ خلت وتضرب مسألة الحضور الجماهيري من حيث ابتعاد المشجعين المسالمين طوعاً، وإبعاد المشجعين المشاغبين قسراً.
الجمهور عاد؟ ربما ليس بالشكل الذي عرفناه سابقاً في الزمن الجميل، لكن لا شك في أنها عودة يمكن البناء عليها للمستقبل لتثبت مستديرة الملاعب الخضراء مرة جديدة بأنها اللعبة الشعبية الأولى في لبنان.