مجرد أن فتحت وسائل الإعلام الأميركية ووكالة «أسوشييتد برس» النار على ملف ترشيح المغرب لاستضافة كأس العالم 2026، تحولت المعركة الرياضية إلى سياسية. انطلقت على أعلى مستوى. وكالة الأنباء العالمية المعروفة، وفي موازاة وصول وفدٍ من الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى المغرب، نشرت تقريراً يشرح بإسهاب «تجاهل المغرب لحقوق الإنسان وتجريم المثليين». بل أضاءت الوكالة على كلام رئيس جمعية حقوق الإنسان في المغرب أحمد الحاج الذي قال بحسب ما ذكرت إن «المثليين سيواجهون العقوبات نفسها التي تُطبّق على المواطنين في حال إشهار ميولهم الجنسية علناً في البلاد، وذلك في حال حصلت المملكة المغربية على شرف استضافة المونديال». إذاً، وكالة الأنباء، تشير إلى قضية إنسانية محقة، لأهداف سياسية. وهذه المسألة تعيد إلى الأذهان الهجمة التي تعرّضت لها قطر عقب فوزها باستضافة مونديال 2022، وتحديداً من خلال فتح ملف انتهاك حقوق العمال العاملين في بناء البنى التحتية الخاصة بمونديال الإمارة الخليجية. وهي مسألة (محقة) أيضاً، لكنها متصلة بالملف السياسي الكبير الخاص بالمنطقة بمكانٍ ما، وبذاك الذي يمكن تسميته بانكسار الأميركيين والبريطانيين أمام الملفين الروسي والقطري للمونديالين المقبلين، لتُفتح أبواب جهنم بعدها وتحرق الفاسدين في «الفيفا» والاتحادات القارية والوطنية. وما يلفت النظر أن وكالة الاستخبارات الأميركية لعبت دوراً في فضح المتورطين، لتجرى محاكمة الأكثرية منهم في الولايات المتحدة لا في أي مكانٍ آخر في العالم، ما يوضح شكل العملية وأهدافها وما ورائياتها.

اليوم تطل السياسة برأسها من الملف المغربي والملف الأميركي المشترك على حدٍّ سواء. والضغط السياسي الذي يشعر به المغاربة يدفعهم إلى العمل في كل الاتجاهات حالياً، فها هي المملكة تحشد دعم مجلس جامعة الدول العربية، على مستوى القمة التي انعقدت الأحد الماضي في السعودية، والتي دعت إلى تقديم الدعم اللازم والمساندة الكاملة لترشح المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم. وفي وقتٍ يصوّب فيه البعض على أن الملف المغربي الذي رُصدت له ميزانية تصل إلى 16 مليار دولار، هو سياسي بامتياز ويهدف إلى تحويل أنظار الشعب نحو إنجازٍ نوعيّ إثر خروج أصوات معارضة من هنا وهناك تم إسكاتها في الأعوام القريبة الماضية، فإن السياسة نفسها قد تعطي المغرب الحق في استضافة المونديال وتعطيه النجاح الذي فشل في إصابته في أربع محاولات سابقة لاستضافة أكبر حدث كروي في العالم. علينا أن ننتبه هنا، إلى أن «الإنجاز» المغربي، في حال نجح ملفه، ليس إنجازاً مغربياً، ولن يكون إنجازاً للشعب، بل هو إنجاز للنظام المغربي الحاكم. وهو نظام ألغى مادة الفلسفة من المناهج، واستبدلها بالتربية الدينية، كما أنه، وكما أشارت «أسوشييتد برس»، نظام يضطهد المثليين ولا يحترم حقوق الإنسان.
لكن، في ظل تأثير دول العالم العربي في عملية التصويت أكثر من أي وقتٍ مضى، قد تصبّ الأمور في المصلحة المغربية، لا بسبب دعوة جامعة الدول العربية بل من خلال تعاطفٍ عربي ظهر في وسائل إعلام إقليمية وعالمية عدة تجاه ما تعرضت له قطر حيث شمل التوصيف كل العرب وسط تقارير وصفتهم بمحبي الاستعباد وانتهاك حقوق الإنسان، لا بل ذهب البعض إلى وصفهم بعديمي الرحمة. وإن كان الأمر محقاً في كثير من الجوانب، حيث لاقى العمال مصائر غير إنسانية إطلاقاً. وهذه النقطة تحديداً وما أُثير في الإعلام الغربي قد تجد ردّة فعل تجاهها في عملية التصويت المرتقبة في موسكو عشية انطلاق مونديال 2018. أضف إلى نقطةٍ مهمة تناولها الإعلام الأميركي نفسه وهي التأثير السلبي الكبير لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تناول بلداناً عربية عدة، ما سيُخرج هذه البلدان للنيل من الملف الأميركي عبر تصويتها ضده، رغم أن هناك قناعة بأن العرب كما الغرب سينقسمون خلال عملية التصويت، والدليل على هذه المقولة هو إعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون دعمه للملف المغربي، في خطوةٍ لم تخرج من إطار دائرة الحسابات الشخصية والمصالح بين الدول. يجب لا ننسى أن ماكرون، بدعمه الملف المغربي، يذكر بالحقبة «الساركوزية» أي حقبة «العسل» الفرنسي ــ القطري، الذي توج بالمونديال القطري وبنمو باريس سان جرمان.
في المقابل، السياسة حاضرة أيضاً في الملف الأميركي الذي تجد فيه جهات سياسية أميركية فرصة لإعادة التقارب مع بلدانٍ مجاورة تبدو الولايات المتحدة بحاجةٍ إليها لاستضافة مونديال كبير مع رفع عدد الدول المشاركة في البطولة. والخطوة هذه تندرج في إطار الدبلوماسية السياسية التي تصبو نحو تبريد الأوضاع مع المكسيكيين الذين يرون في ترامب مضطهداً لأبناء جلدتهم من المهاجرين وصاحب أسوأ كوابيسهم المعروف بحائط الفصل بين حدود الدولتين، إضافة إلى خطوة دبلوماسية أخرى تزيل أفكار بعض الكنديين الذين يرون في الأميركيين عجرفة وسعياً دائماً لإظهار تفوقهم عليهم. ولكن المكسيك، التي لها إرث في استضافة المونديال، وفي المشاركة به، من الناحية الرياضية والثقافية، ليست بحاجة إلى شهادة من ترامب ولا من أحد، بل يكفيها التصويب على نزعاته العنصرية ضدّ المكسيكيين.
في الرياضة أيضاً، للأميركيين ما لغيرهم، من «عقدة تفوّق» موجودة لدى كل هذه البلدان المتنافسة التي لن توفّر جهداً دون أن ترمي بكل ثقلها السياسي لتحقيق أهدافها في ملاعب الكرة التي لطالما تداخلت مع السياسة، وما العودة بالذاكرة إلى قصة فوز الولايات المتحدة باستضافة مونديال 1994 على حساب المغرب تحديداً إلا الدليل الكافي على مدى نشاط السياسيين حول المستطيل الأخضر.



السياسة لمصلحة المغرب!
تحتاج المملكة المغربية إلى 104 أصوات من أصل 207 أصوات للاتحادات الأعضاء المنضوية إلى «الفيفا» لكي تفوز بحق استضافة نهائيات كأس العالم 2026، إذ بعكس المرات السابقة حيث اقتصر التصويت على الأعضاء الـ 22 في اللجنة التنفيذية في الاتحاد الدولي للعبة، سيحدد العالم أجمع البلد الذي يريد أن يخوض فيه المونديال من خلال صوت لكل اتحاد وطني.
وهذه الأصوات الـ 207 تتضمن 55 صوتاً أفريقياً، ويتوقّع أن تصبّ غالبيتها الساحقة في مصلحة المملكة، إضافةً إلى تأييدٍ آسيوي واسع من قبل مجموعة من البلدان الآسيوية البالغ عددها 47 بلداً. ويأمل المغرب بالتأكيد الحصول على أصوات بلدانٍ اوروبية يرتبط معها بعلاقات قوية، أمثال إسبانيا وفرنسا وبلجيكا حيث يلعب المغاربة دوراً أساسياً في مجتمعاتها، لا بل إن أسماء لاعبين ذوي أصول مغربية تدافع أو دافعت عن ألوان منتخباتها. كما لا يمكن إغفال أن روسيا وحلفاءها سيتجهون إلى دعم المغرب على حساب الغريمة اللدود الولايات المتحدة وجارتيها. من هنا، فإن اتخاذ المعركة طابعاً سياسياً يصبّ بحسب النقاد في مصلحة المملكة المغربية التي شرعت أصلاً في تمتين علاقاتها الدولية في اتجاهات محددة لهذه الغاية.


نقاط القوة ونقاط الضعف
من نقاط القوة في الملف المغربي هو حصر الاستضافة في بلدٍ واحد وضمن مساحة مقبولة تسهّل حياة المنتخبات والمشجعين على حدٍّ سواء في ظل قرب المسافات بين المدن المضيفة للمباريات، حيث أن الأكثر بعداً ستكون على مسافة ساعة و15 دقيقة من الأخرى. أضف أن هناك توقيتاً زمنياً واحداً في المغرب القريبة من أوروبا حيث سيأتي معظم المشجعين ويتابع المباريات كمّ كبير من محبي اللعبة، وهو أمر مطلوب لدى الجهات التسويقية والتلفزيونية الساعية إلى الحصول على مكاسب قياسية خلال الفترة المونديالية. أما نقاط الضعف في الملف المغربي فتظهر في البنى التحتية، إذ يمكن للولايات المتحدة استضافة كأس العالم حالاً في حال طلب منها، بعكس المغرب الذي لا تزال أكبر مشاريعه على الخرائط، وهو أمر يقلق «الفيفا» منه عادة مخافة عدم ملاقاة البلد المضيف لموعد انطلاق البطولة وسط جهوزية تامة، وهو أمر حصل قبل مونديال البرازيل 2014 وأثار موجة إرباك كبيرة لدى السلطة الكروية الأعلى. كذلك، يبدو الهاجس الأمني
حاضراً.