بدأ أرسين فينغر توضيب حقائبه لمغادرة لندن. هذا بات أكيداً منذ أن أعلن الفرنسي قراره بالتنحّي عن تدريب أرسنال في نهاية الموسم الحالي. لكن فينغر لا يزال يترك متَسعاً لشيء ما في تلك الحقائب. الموسم لم ينته بعد. في الحقيقة، موسم أرسنال انتهى في الدوري الإنكليزي الممتاز، إذ إن «الغانرز» سيكتفي، على ما يبدو، بالمركز السادس، وكذا فإنه خرج خالي الوفاض من مسابقتَي الكأس وكأس الرابطة المحليتين. يبقى إذاً كأس «يوروبا ليغ». الفريق الآن في نصف النهائي يواجه أتلتيكو مدريد. لا يزال بإمكان فينغر تحقيق لقب كبير وأخير يحمله في حقيبته. سيكون، بطبيعة الحال، نهاية مثالية لرحلته مع الفريق. هدية له ولأرسنال. الطرفان يسعيان لتقديمها كل للآخر.

فمن جهة الفرنسي، فإنه يطمح لإنهاء مشواره الذي امتد 22 عاماً في لندن بأفضل طريقة. بذكرى طيّبة تحفظها له جماهير الفريق. الرجل عانى ما عاناه في السنوات الأخيرة. تراجع أرسنال وابتعد عن الألقاب الكبرى حتى أنه غاب هذا الموسم للمرة الأولى تحت قيادته عن دوري الأبطال. اكتفى فينغر بذكريات ألقابه الثلاثة في «البريميير ليغ» وآخرها في 2004. لكن رصيد النوم على أمجاد الماضي نفذ، ومعه نفذ صبر الجماهير عليه. راحت تشن الهجوم عليه تلو الآخر. تنتقده بقسوة. ترفع اللافتات وتردّد العبارات على المدرجات المطالبة برحيله. هذا كان المشهد على نحو كبير في الموسمين الماضيين. لكن فينغر قرر مواصلة التحدي على رغم أنه بدا واضحاً أنه لم يعد ذلك المدرب نفسه الذي عرفه المشجعون، وقاد أجيالاً رائعة من اللاعبين مكتشفاً المواهب وصانعاً النجوم الذين صنعوا الفرح الكثير للجماهير. لم تنفع كل تلك الحملات، حتى اختار الفرنسي بنفسه إعلان تنحّيه. كان إعلاناً مفاجئاً على رغم أن الجميع يعلم أن ظروف أرسنال وتقدّم فينغر في السن والتراجع الواضح في فكره التدريبي وخططه في مواجهة المدربين النجوم الحاليين على الصعيدين المحلي والأوروبي والذين كان بعضهم لا يزالون لاعبين عندما كان الفرنسي في قمة نجاحاته مع أرسنال، فإن كل ذلك كان يقود إلى أن فينغر سيرحل عن «الغانرز» في الموسم المقبل على أبعد تقدير بعد انتهاء عقده الذي جدّده لعامين، أو حتى فلنقل إن وقع المفاجأة جاء نتيجة إعلان الفرنسي قراره قُبيل انتهاء الموسم، لا في ختامه، خصوصاً أن الفريق لا يزال ينافس أوروبياً.

قرار فينغر أعطى دافعاً وحافزاً للاعبين وسيشكّل إضافة معنوية مهمة للفريق


بالحديث عن «يوروبا ليغ» فإن، ربما، القدر ابتسم لفينغر بخوضه هذه البطولة في هذا الموسم لا دوري الأبطال ذلك أن حظوظه تبدو كبيرة الآن في حصد لقبها وقد وصل إلى الخطوة ما قبل الأخيرة من التتويج، على عكس ما ستكون عليه الحال لو أن الفريق نافس ريال مدريد وبايرن ميونيخ وليفربول وغيرها من الفرق الكبرى في الأدوار الإقصائية في «التشامبيونز ليغ» في حال تأهل إليها «الغانرز».
من جهة لاعبي أرسنال، لا شك بأن مفعول قرار فينغر سينعكس عليهم إيجابياً في «يوروبا ليغ». إذ فضلاً عن أن اللاعبين، وتحديداً النجوم منهم كالألماني مسعود أوزيل، توّاقون إلى حصد لقب كبير أول مع الفريق يشكّل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، والأهم أن اللقب سيضمن لهم العودة إلى دوري أبطال أوروبا في الموسم المقبل مع انعدام فرصة التأهل للبطولة عبر الدوري الإنكليزي، فإن هؤلاء سيُقاتلون بكل ما أوتوا من قوة لتقديم هدية لفينغر قبل مغادرته، وبطبيعة الحال فإن تخطي عقبة أتلتيكو أولاً وتحقيق نتيجة جيدة ذهاباً اليوم في ملعبهم، سيمهّد أمامهم الطريق لتحقيق النجاح في هذه المهمة. هذا واضح، وقد عبّر عنه قائد أرسنال الألماني بير مرتيساكر الذي قال: «تعامَل الفريق مع إعلانه (فينغر) بسرعة واضحة. لدينا أجواء رائعة هنا ونحن نريد أن نفعل ذلك (إحراز اللقب) من أجل وداعه بأفضل طريقة ممكنة».
بتعبير آخر، فإن قرار فينغر أعطى دافعاً وحافزاً للاعبين سيشكّل إضافة معنوية مهمة للفريق الذي لطالما افتقد في الفترة الأخيرة روحية الفوز والقتالية في الأداء، وبدا في كثير من الأحيان فريقاً بلا حافز ولا طموح ولا أفق. في الحقيقة، يريد اللاعبون إنصاف مدربهم. إنصافه على الأقل لتاريخه القديم مع النادي، إذ إن فينغر دخل لفترة طويلة امتدت حتى إيصاله «الغانرز» إلى نهائي دوري الأبطال الذي خسره أمام برشلونة في 2006 نادي المدربين العظماء لأرسنال وقد طبع حقبة طويلة باسمه، إلا أنه تعرّض في النهاية إلى الهجوم والانتقادات القاسية والمطالبة برحيله، على رغم أن هذا لا يمنع طبعاً من أن الانتقادات في جانب كبير كانت محقّة وبأن فينغر كان عليه التنحّي منذ الموسم الماضي على الأقل.
هذا عن فينغر وأرسنال، لكن ماذا عن أتلتيكو مدريد الطرف الآخر في المواجهة، وتحديداً مدربه الأرجنتيني دييغو سيميوني؟ بطبيعة الحال، فإن الحافز يبدو أقلّ لدى «الروخيبلانكوس» ومدربه، خصوصاً أن الفريق ضَمِن مشاركته في الموسم المقبل في «التشامبيونز ليغ» وسبق لسيميوني أن قاده إلى لقب «يوروبا ليغ» عام 2012، لكن هذا لا يمنع من أن الفريق لن يتهاون باللقب، خصوصاً لتعويض خيباته المريرة في دوري الأبطال في السنوات الأخيرة وتحديداً خسارَتيه نهائيين أمام جاره الريال في 2014 و2016.
إذاً، كل الأنظار ستكون على فينغر الليلة. عاد الفرنسي ليحظى بالأضواء التي سرقها منه المدربون الشبان في الفترة الماضية. سيكون الفرنسي هادئاً هذه المرة، إذ في المدرجات لن تُرفع بوجهه لافتات مثل «ارحل». ستُستَبدل بعواطف وأحاسيس متبادَلة بين المدرب والمشجعين، وبينهما حلم بكأس تقترب.