برشلونة يعاني من شحّ واضح في خط وسطه. إنييستا غادر. راكيتتش سيئ. بوسكيتس ليس بوسكيتس. ميسّي يجد نفسه وحيداً في الخط الأمامي. إلى جانبه سواريز، لاعب «انتهى» في الملعب ولم ينته «بالأرقام». ديمبيلي «غير المحظوظ» لإصابته، ولأدائه الذي لم يرتق لأن يكون لاعباً في القلعة الكاتلونية. كوتينيو صفقة «ممتازة» إلاّ أنه لم يلعب في دوري الأبطال. فالفردي لم يتناسب مع الفريق. كل هذا في كفة، والرأس الأكبر والمسؤول الأوّل عن ما يحدث في كفة: المدير الرياضي روبرت فيرنانديز صاحب الأفكار المنتهية الصلاحية. برشلونة يعاني.

فاز البرسا بالليغا وفاز بالكأس لكنه للمرّة الثالثة توالياً فشل في بلوغ الدّور النصف النهائي لدوري أبطال أوروبا. ليس ضمن الأربعة الكبار. المرّة الأخيرة كانت مختلفة عن سابقاتها. روما الإيطالي غير «الخبير» أوروبياً، الذي يعرف الجميع، أن اسمه أصغر من اسم برشلونة في الآونة الأخيرة، فاجأ الجميع بإقصائه متصدّر الدوري الإسباني وبنتيجة 3-0 على «الأولمبيكو» الذي كان مشتعلاً في الليلة «المشؤومة» بالنسبة إلى جماهير «البلاوغرانا». الجميع بعد اللقاء، تحدّث عن أخطاء مدرّب الفريق إرنستو فالفردي، وعن خياراته غير الصحيحة التي بدأ فيها المباراة. «أتحمّل كامل المسؤوليّة»، هكذا صرّح «الميستر» فالفردي. لم يكن فالفردي موفّقاً في المباراة، لا من حيث التشكيلة التي بدأت المباراة، ولا التبديلات «المتأخرة» التي قام بها، إلّا أن هناك نقطة يجب على المحللّين والنقّاد الرياضيين أن يتطرّقوا لها: عدم توفّر «الأدوات» اللازمة بين يديه.

أدوات معطّلة
من يتابع الدّوري الإيطالي عن كثب، يعلم بأن برشلونة يتفوّق على نادي العاصمة الإيطالية فقط في ثلاثة لاعبين، وهم كل من ليو ميسّي وجوردي ألبا وأومتيتي. وبالفعل ظهر «التفوّق» الروماني على الكتيبة الكتالونية خلال اللقاء تحديداً مع نجاح لاعبي دي فرانشيسكو في الحد من خطورة النجم الأول. هنا «تصبح الكفة متعادلة». إيدين دزيكو، مهاجم روما، البوسني قدّم أداء مبهراً في المباراتين، على عكس «العضاض» و«كثير السقوط» الأورغواياني لويس سواريز. كذلك، لا يمكننا أن نعتبر أن الفرنسي عثمان ديمبيلي، وهو ثاني أغلى صفقة في تاريخ برشلونة، أفضل من مهاجمي روما أوندر التركي وبيروتي الأرجنتيني. نصل إلى خط الوسط «الكارثي» بالنسبة إلى برشلونة. لا يقدم إيفان راكتيتتش، بالإضافة إلى أحد رموز النادي التاريخي، أندريس إنييستا، الأداء المطلوب منهما على الأقل كلاعبي خط وسط. والأخير غادر على أي حال. وإذا قارنّا الثنائي الكاتالوني مع لاعبي وسط روما (ناينغولان، بيلليغريني، ستروتمان)، نجد بأن الثلاثي الرومانيستا أفضل بكثير من ثنائي برشلونة، مع الأخذ بعين الاعتبار تراجع مستوى سيرجيو بوسكيتس، والأداء المذهل لدي روسي الذي استعاد «أيام العز» في تلك المباراة.

عقد فيرنانديز سينتهي هذا الصيف ويدرس الرئيس بارتموميو فكرة عدم التجديد له

من التشكيلة الأساسيّة ننتقل إلى الدكّة. وما أدراك ما هي «دكة» برشلونة. عندما يشعر فالفيردي بأن الأمور قد تخرج عن السيطرة، وليس فالفردي فقط، أي مدرّب في العالم، سيستعين بالتبديلات التي يجب أن تكون «فعّالة»، وتترك أثراً في تغيير مجريات المباراة. دعونا نضع أنفسنا مكان فالفيردي للحظة. يوجّه أنظاره إلى المقاعد التي خلفه، من يرى؟ البرتغالي أندري غوميس، الصفقة التي كلّفت الفريق ما يفوق الـ40 مليون يورو، وهو موهبة فالنسيا التي لم تجد مكاناً لها في الكامب نو. في برشلونة، غوميس له وجه آخر وملامح آأخرى، صار لاعباً يختلف اختلافاً كبيراً عن ما كان عليه في الميستايا. سيرى أيضاً باولينيو. وهو الصفقة الوحيدة «الشبه ناجحة» بالنسبة إلى إدارة النادي. ذلك بسبب عمره وعدم تحليه بالثبات في المستوى. وبطبيعة الحال، سيجد عثمان ديمبيلي، الصفقة «المغشوشة» التي لن يفهم أي أحد لماذا كلّفت خزائن النادي أكثر من مئة مليون يورو. رغم هذا الرّقم «الضخم» لم يقدّم عثمان حتى الآن الإضافة التي كان يبحث عنها النادي الكاتالوني بعد رحيل نيمار غير المتوقع. صديق الأخير، كوتينيو، يعتبر من أفضل الصفقات «على الورق» التي قامت بها الإدارة، نظراً إلى ما كان يقدّمه النجم البرازيلي في الدوري الإنكليزي مع ليفربول، إلّا أن ميسّي ورفاقه افتقدوه خلال مباريات دوري الأبطال بسبب الحظر المفروض من قبل الاتحاد الأوروبي (ممنوع أي لاعب أن يلعب لفريقين مختلفين في ذات المسابقة).

«النتائج تخفي العيوب»
العنوان يشرح لنا لماذا لم يتم الحديث عن التقصير الذي ارتكبه المدير الرياضي حتى اللحظة. فمع الانتصارات والسلسة التاريخية لبرشلونة بعدم خسارته لـ39 مباراة متتالية ضمن «الليغا» (رقم قياسي)، وفوزه على تشيلسي والنتائج الإيجابية التي توالت في الموسم الحالي، كلّها عوامل تسمح بالسكوت وعدم الحديث عن ما يقدمه روبيرت فيرنانديز. جاء الإقصاء وجاءت معه التساؤلات العديدة عن مدى فعالية الأسماء الجديدة في النادي. أشارت «الماركا» إلى أن عقد فيرنانديز كمدير رياضي للنادي الكاتلوني سينتهي هذا الصيف، ويدرس بارتموميو (رئيس النادي) فكرة عدم التجديد له، أضافت الصحيفة بأنه في حال قررّت الإدارة عدم التجديد، سيكون من الصعب الحصول على مدير رياضي جديد وجيّد، مشيرة إلى أن الأسماء المطروحة هي: مونتشي المدير الرياضي لنادي روما، ويا للسخرية هنا (if u cant beat them buy them)، بالإضافة إلى ابن الأسطورة الهولندية يوهان كرويف، جوردي كرويف، واسم آخر ليس ببعيد عن برشلونة، وهو لاعب سابق للنادي الكاتلوني، باتريك كلويفرت. الضغوطات التي تعرّض لها فيرنانديز وإدارة النادي بعد بيع النجم الثاني في الفريق نيمار، كانت كبيرة. والإعلام والسوشال ميديا وحتى الجمهور لا يرحم، بدأوا بالمطالبة بحل سريع وبديل للنجم البرازيلي. من الأمور التي رفعت سعر كل من أغلى صفقتين في تاريخ النادي (ديمبيلي وكوتينيو) هو المبلغ الكبير الذي دفعه الباريسيّون لبرشلونة بكسر قيمة عقد نيمار (222 مليون يورو)، مما دفع الفرق إلى «ابتزاز» لبرشلونة عبر رفع أسعار لاعبيها وهذا ما حدث بالفعل. الخطأ الذي وقع فيه فيرنانديز هو الإصرار على لاعبين فقط، ديمبيلي وكوتينيون كوتينيو وديمبيلي، وكأن بالدوريات الأوروبية الأخرى لم تعد تنجب مواهب ولاعبين غير الفرنسي والبرازيلي. إذا بحثنا عن لاعبين آخرين بقيمة ديبيملي، ستجد الكثير مقارنة بما يقدّمه عثمان في برشلونة حالياً. وهذا يزيد الطين بلّة على الشاب الفرنسي، الذي ربّما يكون لاعباً موهوباً وصاحب مستقبل، إلا أن مجيئه إلى كاتلونيا وفي عمر الـ19 سنة بعد موسم يتيم يمكن وصفه «بالجيد» في دورتموند، يعتبر أمراً خاطئاً ومستعجلاً فيه بالنسبة إلى روبيرت فيرنانديز الذي خضع في النهاية إلى الميديا.



فالفيردي ليس هو المشكلة؟


المشكلة، في صفقات برشلونة، برأي كثيرين، ربما تتخطّى المدرّب، المشكلة غالباً... عند روبرت فيرنانديز، المدير الرياضي، كما هو متداول في أروقة النادي. علامات استفهام عديدة حول الصفقات التي قام بها فيرنانديز بعد تسلمه لمنصبه كمدير رياضي سنة 2015. باستثناء المدافع الفرنسي أومتيتي، تعتبر الصفقات الأخرى «فاشلة». عثمان ديمبيلي، أندري غوميس، باكو ألكاسير، ياري مينا، دينس سواريز، جيرار ديلوفو، فيليب كوتينيو (وعدم مشاركته أوروبياً)، رافينيا، لوكاس دينيه، كلّها صفقات لم تقدّم ما كان متوقعاً منها. والإدارة ليست بعيدة عن هذه الأجواء، إذ ذكرت صحيفة «ماركا» الإسبانية بأن إدارة النادي برئاسة جوسيب بارتوميو غير راضية عن المردود الذي تقدّمه الصفقات الجديدة خلال العامين الأخيرين، حيث فشل معظمهم في إثبات نفسه وتثبيت أقدامه في الكامب نو.


نهاية «لا ماسيا»؟


تغيرت ثقافة النادي الكاتلوني. لم يعد الأمر كما السابق. بات عدم الإعتماد على «لاماسيا» أمراً واضحاً، وهي المدرسة التي أنجبت العديد من اللاعبين المميّزين: ليو ميسّي، تشافي وإنييستا، بيكيه، بوسكيتس، ألبا، روبرتو، فابريغاس، بويول وغيرها من الأسماء الأخرى، من أبناء المدرسة الكاتلانية. توقّف العدّاد اليوم. سيرجي روبرتو، ولو أن تصنيفه مع الأسماء الأخرى التي خرجت من «لاماسيا» ليس عادلاً، إلا أنه يعتبر آخر من تبقى من «العنقود». وفقاً لصحيفة «ماركا» الإسبانية، أنفق النادي الكاتلوني منذ سنة 2013 وحتى الآن 700 مليون يورو من بينها 561 مليون فقط في آخر ثلاثة مواسم، في المقابل أنفق النادي الملكي ريال مدريد 194.9 مليون في نفس الفترة. يدل هذا على التغيّر الواضح في ثقافة «البلاوغرانا». في 2015 بعد تحقيق برشلونة للقب دوري الأبطال، بدأ النادي الكاتلوني بالبحث عن بديل لتشافي، القلب النابض ومحرّك الفريق الأول، الذي كان إلى جانب كل من إنييستا وليو مسّي قد شكل «مثلث برمودا» الأقوى في السنوات الأخيرة الماضية.
الآن، تبدّلت الأسماء والصفقات. إيفان راكيتيتيش وأردا توران في الأمس، أندري غوميس وكوتينيو اليوم، أسماء تنشط في خط الوسط. منهم من رحل عن الفريق (أردا توران) ومنهم لم يقدّم الأداء المطلوب. على أرضية الملعب، لم تلق الإدارة الحل لغياب تشافي، الذي كان دائماً ما يجد الحل من خلال تمريراته الحاسمة، التي افتقدها الفريق. يبدو أن برشلونة قد تخلّى عن «صناعة اللاعبين» التي كان يتميّز بها عن غيره من الفرق الكبرى المنافسة أوروبياً. خير دليل إلى ذلك، استمرار الإدارة في إتمام صفقات قياسية، كان آخرها صفقة انتقال البرازيلي كوتينيو بمبلغ 160 مليون يورو من ليفربول الإنكليزي. لنعود بالذاكرة قليلاً، تحديداً إلى الفترة الذهبية التي عاشها النادي الكاتلوني تحت قيادة مدرّبه الهولندي فرانك ريكارد، حيث كانت رئاسة النادي بحوزة «المحبوب» خوان لابورتا. آنذاك، كان الإعتماد على المواهب وبنائها أمراً أساسياً في النادي، وكما يعلم الجميع كيف بدأ ميسّي وغيره من نجوم الفريق، مثل إنييستا وتشافي ورونالدينيو في سنّ مبكرة مسيرتهم. الشيء الذي يفتقده برشلونة حالياً. كان ريكارد بالإضافة إلى «الفيلسوف» بيب غوارديولا يتحلّيان بالشجاعة في خياراتهما التدريبية. وفي قول شهير لبيب عندما كان مدرّباً داخل القلعة الكتالونية: «حاولت أن أجعل مسّي أفضل لاعب في العالم، فجعلني أفضل مدرب في العالم». ما يمكن استنتاجه من خلال هذا القول، هو أن العمل على تنمية موهبة اللاعب والإيمان بالقدرات الشابة، كان عاملاً أساسيّاً في نجاح برشلونة ونجاح مدرّبيه الذين مرّوا عليه.
من الأسباب الأساسية في تراجع مستوى «لا ماسيا» هو رواتب اللاعبين المتدنية بالإضافة إلى قيمة كسر عقود اللاعبين الشباب القليلة، حيث يصبح من السهل على أي من الفرق الأوروبية الكبرى، التي دائماً ما تترك كشافيها في المدارس، مثل دورتموند وموناكو. الأخير أعلن عن تعاقده وفي فترة الانتقالات الصيفية الماضية، مع لاعب خط وسط النادي الثاني في برشلونة (Barcelona b)، اللاعب الشاب جوردي مبولا، بنفس الطريقة، التي لم تجد لها الإدارة الكتالونية حلاً حتى الآن، فعّل نادي موناكو الشرط الجزائي في عقد اللاعب مقابل ثلاثة ملايين يورو. ومن يعلم؟ ربما «يشتريه» برشلونة في موعد لاحق بمبلغ يتجاوز المئة مليون يورو!