كعادته عند انتهاء مباريات ليفربول، لا يترك يورغن كلوب الملعب مباشرة ككثير من المدربين. على العكس، دوماً، يتّجه الألماني إلى أرض الملعب. يكون في قمة فرحته وهو يحتضن لاعبيه بحرارة في حالة الفوز. أما في حالة الخسارة، فيبتسم أيضاً ويساعد بعضاً من لاعبيه المحبطين على النهوض من أرض الملعب ليشدّ أزرهم. منذ تلك اللحظة التي وصل فيها هذا المدرب إلى مدينة ليفربول قبل 3 سنوات، يدأب كلوب على ذلك. الألماني غيّر الكثير في ليفربول. أسلوبه هذا، شكّل إحدى نقاط القوة التي أعادت «الريدز» إلى الواجهة بعد انكفاء طويل.

المعنويات. كلمة سحرية عند كلوب فعلت فعلها مع لاعبي ليفربول. الألماني يعتمد بالدرجة الأولى على العامل الذهني وتحفيز اللاعبين. هو، بالضبط، المدرب المثالي لليفربول. المدرب الذي يُشبه ليفربول. كما حال الصخب في مدرجات «أنفيلد رود»، فإن كلوب لا يهدأ على خط الملعب. لا يستطيع المكوث طويلاً على مقعد البدلاء. يقوم من مكانه مراراً. يصرخ على هذا اللاعب وذاك. يعترض على تلك اللقطة. يركض فرحاً عند تسجيل الهدف. هو، على خط الملعب، مثل المشجعين في المدرجات، لا بل أكثر. هذه الصورة التحفيزية هي ذاتها خارج الملعب، الأمر الذي يحوّل لاعبي ليفربول إلى أشبه بمقاتلين داخله. تلك قوّتهم. كلمة سحريّة ثانية هي قرب كلوب من اللاعبين. هو أكثر من مدرب، هو صديق لهم. يشاركهم في كل شيء، حتى في التفاصيل. يثقون به، ويثق بهم.

الألماني يخوض النهائي الثاني له في 6 سنوات

هذا جانب من كلوب في ليفربول. جانب آخر هو الفكر التدريبي العالي للألماني. معه تغيّر «الريدز»، أو فلنقل إن هذا المدرب قلب الأمور رأساً على عقب. يصعب أن تجد فريقاً يضغط على خصمه بالطريقة التي يقوم بها ليفربول. بصمات كلوب كانت واضحة على الفريق، وتحديداً في خط الهجوم. بات الآن ليفربول يمتلك أقوى خطوط الهجوم في أوروبا. هو الأول هذا الموسم في دوري أبطال أوروبا. لا أحد يضاهيه بـ 38 هدفاً. كلوب تمكن من تكوين ثلاثي مرعب في المقدمة، قوامه المصري محمد صلاح، والبرازيلي روبرتو فيرمينو، والسنغالي ساديو ماني. بات ثلاثياً تاريخياً في «التشامبيونز ليغ» بـ 29 هدفاً (10 لكل من صلاح وفيرمينو و9 لماني)، متخطياً ثلاثي ريال مدريد «بي بي سي» (28 هدفاً موسم 2013-2014)، مع التذكير بأن الفريق خسر أحد أهم لاعبيه، وهو البرازيلي فيليبي كوتينيو في الصيف الماضي، ما حدا البعض إلى القول إن مشروع كلوب في ليفربول سيتأثر كثيراً. لكنه، في الحقيقة، بوجود كلوب، تأثّر إيجابياً.
فضلاً عن ذلك، «اكتشف» كلوب نجم الموسم الأول. معه أصبح صلاح أحد أفضل اللاعبين في العالم. تطوَّر المصري على نحو هائل في عام واحد على المستويين الفني والبدني. صلاح موهبة كبيرة طبعاً، لكنها كانت تحتاج إلى مدرب مثل كلوب لـ«تجوهر» بهذه السرعة. كلوب اكتشف ماني أيضاً، وجعله من أفضل الأجنحة وأخطرها في أوروبا. من اكتشافاته أيضاً مواطنه الحارس لوريس كاريوس. هذا الشاب يعد بالكثير. لكن يبقى الدفاع أبرز مشكلة في الفريق، رغم أنه عرف تحسّناً مع قدوم الهولندي فيرجيل فان دايك في الشتاء، إلا أن كلوب يحتاج إلى مزيد من العمل في هذا الخط بعد تلقي 6 أهداف في مباراتين أمام روما في نصف نهائي «التشامبيونز ليغ». رقم كبير طبعاً لفريق ينافس على اللقب. سيكون الدفاع، لا شك، شغل كلوب الشاغل حتى موعد نهائي كييف، وأساس عمله في الصيف المقبل.
يكفي القول إن كلوب تحوّل هذا الموسم إلى عقدة غوارديولا مدرب مانشستر سيتي فهزمه 3 مرات


يكفي القول إن كلوب تحوّل هذا الموسم إلى عقدة للإسباني جوسيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي. هزمه 3 مرات. لم يفعل أحد غيره ذلك. بات الألماني كابوساً يُطارد الإسباني. كلوب غيّر الكثير في ليفربول. منذ عامه الأول أعطى مؤشراً بأنه سيكون المدرب المثالي لـ «الريدز». أوصل الفريق إلى نهائي «يوروبا ليغ» في 2016. خسر أمام إشبيلية، لكن مجرد الوصول إلى النهائي في أشهر قليلة كان إنجازاً.
ها هو الآن بعد 3 أعوام فقط يقود ليفربول إلى نهائي البطولة الأهم، دوري الأبطال. أعاد الفريق بعد 11 عاماً إلى النهائي. إنجاز ليس بقليل. وأكثر فإن الألماني يخوض النهائي الثاني له في 6 سنوات بعد خسارته مع بوروسيا دورتموند أمام بايرن ميونيخ بصعوبة 1-2 في 2013. لم يرفع كلوب حتى الآن أي كأس مع ليفربول. سيكون رائعاً أن تكون الكأس الأولى هي دوري الأبطال. تاريخ سيكتبه كلوب في كييف في هذه الحال.

زيدان التاريخي
في مدريد، قصة خيالية أكثر روعة لا يزال يكتبها الفرنسي زين الدين زيدان. على غرار كلوب، لا بل أكثر، غيّر زيدان الكثير في مدريد. وصل بعد فترة من انطلاق موسم 2015-2016. كان الريال في أسوأ حالاته تحت قيادة رافايل بينيتيز. الفريق مشرذم والخلافات تتصاعد والنتائج من سيئ إلى أسوأ. بدا الفريق بحاجة لشخص يمنحه أوكسيجين البقاء. كان زيدان. حضر حاملاً تاريخه المليء بالإنجازات وبشخصيته التي تحظى باحترام الجميع كنجم كبير. لم يأت من مكان بعيد، بل من قلب مدريد. سريعاً انعكس وجوده تبدّلاً في الحالة المعنوية للاعبين. كان الموعد بعد أشهر قليلة مع الانتصار الكبير الأول عندما أحرز الريال لقبه الحادي عشر في دوري الأبطال مع مركز ثانٍ في «الليغا». كان هذا الانجاز كفيلاً بأن يكتفي الرئيس فلورنتينو بيريز من رهانه على «زيزو»، وأن يصبح الطموح في العام التالي لقب «الليغا». لكن زيدان أعاد كأس الدوري الإسباني إلى «سانتياغو برنابيو» ومعها الكأس الثانية عشرة في «التشامبيونز ليغ». كان ذلك كثيراً على المدريديين.

للصورة المكبّرة انقر هنا

انطلق الموسم الحالي. بدا واضحاً أن الريال غير الريال في الموسمين الماضيين. تراجع الفريق كثيراً في «الليغا»، وخسر أمام غريمه برشلونة على أرضه 0-3. خرج كثيرون منقلبين على زيدان، رغم إنجازاته، ومطالبين بإقصائه. لكنه صمد، وواصل التحدّي. ها هو الآن في النهائي الثالث للريال على التوالي، وحُلمٌ بلقب ثالث عشر يقترب من مدريد. هذا رهيب. تحوّل المنتقدون للفرنسي بسرعة إلى مصفّقين. صحيح أنه يجدر القول إن بعد تخطي باريس سان جيرمان الفرنسي المستحقّ تماماً في دور الـ 16 فإن أخطاءً تحكيمية والكثير من التوفيق لعبا إلى جانب الريال في رحلته نحو نهائي كييف، لكن هذا لا يقلّل على الإطلاق من إنجاز زيدان. التاريخ سيكتب في النهاية أنه أوصل الريال إلى ثالث نهائي على التوالي، معادلاً الكبيرَين الإيطاليين فابيو كابيلو مع ميلان (1993 و1994 و1995) ومارتشيلو ليبي مع يوفنتوس (1996 و1997 و1998) لكنه، مسبقاً، يتفوّق عليهما، إذ إنه أحرز لقبين، فيما اكتفى كل منهما بلقب واحد. فضلاً عن أن زيدان، في حال تتويجه في كييف، سيُعادل الإيطالي كارلو أنشيلوتي وبوب بايزلي مع ليفربول نفسه بالتتويج باللقب 3 مرات، لكنه سيتفوّق عليهما بـ 3 ألقاب على التوالي، إذ إن الأول أحرزها في 2003 و2007 و2014، والثاني في 1977 و1978 و1981. إذاً التاريخ بانتظار زيدان.
وعلى غرار كلوب، ترك زيدان بصمته في 3 سنوات من الناحية الفنية التي يأتي في مقدّمها تكوين أقوى خط وسط في أوروبا عندما أضاف البرازيلي كاسيميرو إلى الثنائي الألماني طوني كروس والكرواتي لوكا مودريتش ليشكّلوا ثلاثياً مرعباً. أضف إلى أن زيدان أبقى نجمه البرتغالي كريستيانو رونالدو، رغم تقدّمه في السن، في الفورمة أكثر الأوقات، وتحديداً في مسابقة الأخير المفضّلة دوري الأبطال (باستثناء مواجهة الإياب أمام يوفنتوس ومواجهتي بايرن ميونيخ هذا الموسم). كذلك ظل «زيزو» مصرّاً على خيار الكوستاريكي كايلور نافاس في الحراسة، رغم الأحاديث الكثيرة عن قدوم الإسباني ديفيد دي خيا، والكل شاهد ما فعله نافاس أمام بايرن.
الأهم، وما بدا لافتاً، في رحلة «زيزو» الأوروبية مع الريال منذ انطلاقها، أنه حافظ على تشكيلته بأغلبها دون تبديلات وتعاقدات كبرى في السنوات الثلاث. هذا يُحسب طبعاً لزيدان. في كييف، سيقف كلوب وزيدان وجهاً لوجه للمرة الأولى. الاثنان أمام فرصة كتابة تاريخ، كلٌّ على طريقته. في النهاية، سيخرج أحدهما منتصراً رافعاً الكأس، لكن الآخر، وفق ما تقدّم، لا يجدر به أن يحزن.