بعد فترة مضطربة فنياً عاد ثيو بوكير لتدريب فريق النجمة. عودةٌ لم يكن مطالباً خلالها (ضمنياً) بحصد كل الألقاب الممكنة، ولو أن «النبيذي» كان لديه أمل على هذا الصعيد، لكن طبعاً «الثعلب» الألماني كان يحمل أوراق غيره ويعمل بها على مضض.

بوكير نظر إلى أبعد من المرحلة التي تواجد فيها ساعياً إلى منافسة العهد الجاهز في شكلٍ كبير على مختلف الصعد، والذي يملك شخصية البطل وقدراته. هذا في وقتٍ، كان مدرب النجمة في حقبته الثانية مع الفريق يتطلع إلى تأسيس فريقٍ قوي للموسم المقبل من خلال جمعه بين خليطٍ من أصحاب الخبرة، والشبّان المميزين وأجانب جدد.


لكن الرياح لم تكن كما اشتهى الألماني المخضرم فوجد نفسه خارج أسوار النادي الأكثر شعبية في لبنان، لتبدأ التساؤلات وتحاك الحكايات.
ومما لا شك فيه أن بوكير كان يأمل باتمام المشروع الذي قَدِم من أجله، لكن عقبات كثيرة واجهها وأخرى قيل إنه وضعها داخل النادي. أي متابعٍ لمسيرة الألماني منذ وصوله إلى لبنان في مطلع الألفية الجديدة، يدرك تماماً أنه لا يسمح لأحد بالتدخل في عمله، وهو أمر عرفه إداريو النجمة عامةً، لكن على رغم ذلك يقول مصدر مقرّب من المدرب إن رسائل غير مباشرة وصلته وأزعجته كثيراً، إضافةً إلى تدخلٍّ فني مباشر في خياراته أحياناً ومحاولات لفرض لاعبين في تشكيلته، ما أدى إلى توتره في أكثر من مناسبة. كما حاول البعض تحميله مسؤولية بعض «الدعسات الناقصة» التي حصلت في محطات معيّنة، ومنها بعد اللقاء مع التضامن صور في نصف نهائي كأس لبنان وما رافق هذه المباراة من جدلٍ كبير بعد فرض الفريق الجنوبي التمديد في وقتٍ كان النجمة قادراً على حسم الأمور لكنه أهدر ركلة جزاء أحدثت قصتها جلبة كبيرة.
ومسألة التوتر هذه حضرت فعلاً في شخصية بوكير في الفترة الأخيرة، وزادت مع وفاة نجله، فبدا وكأنه يقوم بعمله من دون رغبة، وتحوّل لاعبون إلى «فشّة خلق» له في التمارين والمباريات.
وإذ يمكن لمس أن عدداً آخر من اللاعبين يبدو حزيناً لرحيل بوكير، فإن رئيس نادي النجمة أسعد صقال، الذي كان دائماً المدافع الأول عن مدربه، قال في حديثٍ مع «الأخبار» إنه لم يكن هناك مفرّ من فك الارتباط معه. وشرح: «بوكير بدا في حاجةٍ ماسّة للرحيل إلى ألمانيا حيث سيمكث لفترةٍ غير قصيرة، ونحن في صدد التحضير للمشاركة في الدور التمهيدي للبطولة العربية هذا الشهر، لذا لا يمكننا ترك الفريق بلا مدرب، فهناك مسؤولية كبيرة تجاه جمهورنا والرأي العام كوننا نمثّل لبنان كلّه».
وينفي صقال أن يكون بوكير ضحية صراعٍ بين تيارين في النادي، خصوصاً بعد كلامٍ عن حصول مقايضة معيّنة في داخله لتغيير شامل في مناصب حسّاسة كانت في أساس مشكلات عدة بعضها ظهر إلى العلن والبعض الآخر بقي في الكواليس، فيؤكد أن القرار «اتُخذ بعد التشاور وفي شكلٍ جماعي وبقناعةٍ تامة من الإدارة التي تريد مصلحة الفريق قبل أي شيء آخر».
مسألة أخرى أثارت امتعاض الألماني أخيراً وهي ما تردد إلى مسامعه بأن رئيس النجمة اجتمع بالمدرب موسى حجيج في أحد مقاهي العاصمة، وهو أمر ذكره بوكير أمام مقرّبين منه. لكن صقال ينفي نفياً قاطعاً حصول أي اجتماع مع «رمز النجمة السابق»، ويشدّد على أنه احترم وجود بوكير حتى النهاية، على رغم الأقاويل بأنه لم يتمكن من حمايته هذه المرة «المسألة ليست موضوع حماية أو إدارة الظهر لما فعله بوكير بل إن ظروفاً استثنائية نمرّ بها حالياً وتفرض قرارات سريعة وجريئة».
لكن ماذا في تقييم مرحلة بوكير؟
الواقع أن ما حققه الرجل يعدّ إنجازاً نوعياً، فهو شكا دائماً من الخيارات المحدودة التي تواجدت بين يديه، لكنه على رغم ذلك جارى العهد حتى النهاية تقريباً في الدوري، وحتى آخر نفسٍ في الكأس، حيث قدّم فريقه أداءً رفيع المستوى ولم يكن أحد ليشكك بجدارته لو أن الحظ لم يعانده في ركلات الترجيح. ومستوى النجمة مع بوكير بدا أفضل، وتحديداً على صعيد المقاربة التكتيكية للاعبين الذين بدوا أنضج، لكن الإصابات عصفت بالفريق وخربطت من حسابات مدربه. كذلك، يحسب له الدفع بلاعبين ناشئين ووضعه ثقته بهم، فكانوا على الموعد أمثال علي الحاج وأندرو صوايا ومهدي زين، الذين خاضوا مباريات مهمة مع فرق المقدّمة.
إذاً خرج بوكير من النجمة، ربما هي خسارة للنادي «النبيذي»، لكن الأكيد أنه بحاجةٍ إلى عملٍ غير بسيط للتحضير للحقبة الجديدة حيث تنتظره استحقاقات محلية وإقليمية وقارية تتطلب مدرباً «ثعلباً» لا يقّل شأناً عن المدرب الألماني.


جرايا مدرباً ودينيس أجنبياً
اتفق النجمة مع المدرب التونسي طارق جرايا للإشراف على تحضير فريقه ومشاركته في الدور التمهيدي لبطولة الأندية العربية. خيارٌ جيّد للنجمة بوجود مدربٍ شاب سيعمل مع مجموعة المدربين المحليين الموجودين في النادي وعلى رأسهم حسين حمدان الذي بقي بعد رحيل بوكير، حيث سيشغل منصب المدرب المساعد أيضاً، وهو المقرّب من اللاعبين وتبدو الإدارة راضية عن العمل الذي قام به في الفترة التي عاد فيها إلى النادي.
بدوره، جرايا عمل سريعاً على التقرّب من اللاعبين حيث اتصل بغالبيتهم حتى قبل شروعه في الإشراف على الحصص التدريبية. لكن علامة استفهام توضع حول مواصلة التونسي للمشوار مع «النبيذي» بعد المهمة العربية وسط حديثٍ عن اتفاقٍ أجراه مع السلام زغرتا للعودة إلى تدريبه خلفاً لمواطنه ماهر السديري الذي كان قد حلّ مكانه.
وفي خضم استعارة النجمة حوالى للاعبين محليين، أمثال ظهير أيمن الصفاء زين طحان، ولاعب وسط التضامن صور محمد الفاعور، والمدافع حسين الدرّ، برز كلام عن التمسّك بالمهاجم النيجيري كبيرو موسى أقله للبطولة العربية، من دون استبعاد حتى فكرة بقائه للموسم المقبل إذا لم يجد مهاجماً أفضل منه. لكن اسماً أجنبياً أطلّ على الساحة أخيراً وهو لاعب وسط النبي شيت الأوغندي دينيس إيغوما، الذي ترغب الإدارة النجماوية بضمّه سريعاً. لكن هذه الخطوة دونها عقبات، إذ علمت «الأخبار» أن إدارة النجمة تلقت اتصالاً عهداوياً ينصح بعدم التعاقد مع اللاعب بسبب القضية المرفوعة من قبل بطل لبنان ضده والمتوقّع بحسب مصادره أن يفوز بها في الاتحاد الدولي، ما سيضع دينيس أمام حلّين لا ثالث لهما، فإما دفع مبلغٍ كبير (لا يملكه) كتعويضٍ للعهد أم سيكون الإيقاف بانتظاره.