قد يكون المدرب باسم مرمر، أول من أمس، أخطأ في حسابات تعويض غياب الهداف حسن شعيتو «موني» والمدافع خليل خميس. تعويضهما بسمير اياس وسمير أياس، في رأي المتابعين، ربما لم يكن موفقاً. وربما يكون العهد قد دفع ثمن خطأ مدربه، المشهود له ببراعته. وبالفعل، ما حدث مع العهد يحدث مع كثير من الفرق في العالم. الإصابات تترك أثراً واضحاً. والمدرب، مهما كان بارعاً، سيواجه مشاكل جدية، عندما يتعلق الأمر بالاصابات، وخاصةً عندما يواجه فريقاً قوياً ومنظماً، مثل «القوة الجوية» العراقي، وخاصةً عندما تكون المباراة على ملعب مثل ملعب كربلاء، وفي حضور جمهور شغوف بفريقه وباللعبة. هكذا، انتهت سلسلة العهد الطويلة من دون أي خسارة (47 مباراة في جميع المسابقات) بسقوطه أمس في العراق، بثلاثة أهداف مقابل هدفٍ واحد. أسباب الخسارة كثيرة، ويمكن الحديث عنها. لكن الأمل يبقى قائماً، رغم ضآلته، وهذا هو المهم الآن.

من الناحية التكتيكية، شغل سمير اياس مركز محمد حيدر في الوسط المتقدّم. وهذا مركز «محوري»، يتطلب من شاغله إمكانات عالية، لجهة المراوغة والتمرير. في أي حال، لم يتمكن اياس من صناعة أي فرصةٍ تهديفية، مكتفياً بالتسديد مرة واحدة، ما أظهر العهد كفريق «معطّل»، رغم نجاحه خلال الشوط الأول في الوصول إلى المرمى العراقي أكثر من مرة وتهديده جدياً. لكن ذلك لم يكن يحدث عبر «صانع الألعاب» التقليدي، والذي كان خلال الشوط الأول، سمير اياس. وفعلاً، هذا ما أجبر مرمر على استبداله بحسين منذر، في حين كانت النتيجة تُشير إلى تقدّم الفريق المضيف بهدفٍ وحيد. حتى ذلك الوقت، كان التعويض ممكناً ومتاحاً، والذي شاهد الشوط الأول، كان قادراً على أن يلاحظ بسهولة أن العهد بإمكانه الوصول إلى المرمى العراقي. بيد أن أحمد زريق هو الآخر كان خارج «الفورمة». هو الآخر لم يصنع أي فرصة لزملائه، وتسديداته الثلاث لم تصل إلى مرمى الحارس فهد طالب، الذي تألّق بالتصدي لأربع تصويبات في اللقاء. العاجي إدريسا كوياتي غاب أيضاً، فلم يسدد سوى مرة صانعاً فرصةً واحدة. في المقابل، كان لاعبو الجوية أكثر فعالية، فتصويباتهم الخمس على المرمى دخلت ثلاث منها، مستغلين أخطاء الفريق الضيف. وهذا يحيل إلى استنتاجين. الأول، أن العهد تأثر بضغط الجمهور. لكن هذا الاستنتاج يقوم على أرضية ضعيفة، إذ إن العهد لعب أمام الزمالك ولم يتأثر، كما أنه في بيروت يلعب أمام ضغط معنوي مضاعف، عندما يواجه خصمه التقليدي في السنوات الأخيرة، وهو النجمة. الاستنتاج الثاني، وهو استمرار معاناة العهد آسيوياً، وعدم قدرته على التكيّف مع شخصية آسيوية، خارج هيمنته المحلية. لكن هذا الاستنتاج قابل للنقض أيضاً، إذ إن العهد تصدر مجموعته من دون أي خسارة، وبيّنت المباراة قدرته على الوصول. وهو أمل لا يزال قائماً في أي حال، إذ إنه يجب أن يفوز بمباراة العودة بهدفين من دون أن يتلقى أهدافاً. وفي كرة القدم هذا ممكن جداً، وإن كان الفريق العراقي مرتاحاً للنتيجة.

من الناحية التكتيكية شغل سمير اياس مركز محمد حيدر في الوسط المتقدّم


النتيجة حتى الآن، تقول إن القوة الجوية العراقي وضع قدماً في نهائي منطقة غرب آسيا بكأس الاتحاد، بعدما أسقط ضيفه العهد، بثلاثة أهدافٍ لهدف، على ملعب كربلاء الدولي، ضمن ذهاب الدور نصف النهائي. لكن الإياب سيكون في بيروت. وهذا يطرح سؤالاً آخر، يعرف غالبية المشجعين اللبنانيين الإجابة عنه: هل سيساند اللبنانيون العهد بكثافة؟ الذي يعرف الكرة اللبنانية يعرف الإجابة. سيعاني العهد. ومعاناته جزء من معاناة كرة القدم اللبنانية في الأساس، حيث يحتاج العهد إلى دعم أكبر، كما تحتاج اللعبة إلى دعم أكبر لـ«تقريش» الإنجازات والتطور الحاصل، وهو دعم لن يحدث، ما لم يحدث تغيير في «بنية» اللعبة، التي يهيمن عليها عاملان أساسيان. العامل الأول: عدم اهتمام الدولة بالرياضة عموماً. العامل الثاني والأهم، هو عدم حدوث أي تغيير جدي في اتحاد اللعبة منذ سنوات. وقد يسأل القارئ، ما علاقة هذا كله بخسارة العهد في العراق. لكن الحقيقة، أن العهد، حقق سلسلة طويلة من الإنجازات، لكنها بقيت إنجازات «عهداوية». ولو كان للعهد ملعب كالذي أجريت عليه المباراة في كربلاء، لربما سانده جمهور مشابه. السؤال نفسه يطرح نفسه دائماً: ما الذي يجب فعله لإنقاذ اللعبة؟ من ينقذها؟ لا نعرف الإجابة، لكن المنقذين لن يكونوا الذين خرّبوها. ولكي يفوز ممثل لبنان، فهو بحاجة إلى ملعب وإلى جماهير وإلى بنية تحتية وإلى شفافية في إدارة اللعبة عموماً. الأمر لا يتوقف على بعض التبديلات. والعهد، كممثلٍ للبنان، رغم إنجازاته وتطوره، يحتاج إلى دعم أكبر، يكون في الأصل دعماً للعبة عبر «تنظيفها» من غبار السنوات الطويلة الذي تراكم عليها.
طبعاً، كان ممكناً الاكتفاء بالتحليل الفني. ولا بد من العودة إلى المباراة. خمس دقائق كانت كفيلة للمهاجم أمجد راضي لافتتاح التسجيل، محتفلاً مع الجماهير العراقية، التي رفعت لافتة وُجّهت إلى العهد، تقول: «ننظر إليكم ولا نراكم». خطأٌ من الحارس خليل قبل دقيقتين على انتهاء الشوط الأصلي، وآخر من متوسّط الميدان الغاني عيسى يعقوبو، أهديا الجوية هدفين غاليين. وقبل ثلاث دقائق على صافرة النهاية، حوّل البديل قدوح عرضية حسين الزين بصدره إلى المرمى، مانحاً فريقه هدفاً مهماً قبل اللقاء الثاني. فيما تغاضى الحكم الهندي أروموغان رُوان عن احتساب ركلة جزاء للعهد، بعد هدف الجوية الأول. إذاً، ثلاثة أخطاءٍ من لاعبي بطل لبنان وركلة جزاء غير محتسبة، وغيابات في صفوف الفريق الضيف، وملعبٌ احتشد فيه أكثر من عشرة آلاف مشجّع عراقي، كانت كلها أسباباً مباشرة بالسقوط الأول بعد ست مباريات في البطولة الآسيوية. ويمكن إضافة عوامل «تقنية» أخرى. حتى الأضواء الكاشفة التي انطفأت مع انطلاق الشوط الثاني، لعبت دورها، مع تمديد الوقت الأصلي من المباراة 11 دقيقة، سجل خلالها الفريق المضيف هدفاً ثالثاً، قبل أن يُهدي البديل محمد قدوح الأمل لزملائه بهدف تذليل الفارق. هدفٌ يعني أن العهد سيحتاج إلى هز الشباك العراقية مرتين في لقاء الإياب في 15 الشهر المقبل، على ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، من دون أن يستقبل أي هدف، حتى يتأهل إلى النهائي. لكن التحليل الفني، يبقى ناقصاً، في ظل عدم الحديث عن ضرورة إحداث تغيير جدي في بنية كرة القدم اللبنانية، لكي تستطيع الفرق القوية الوصول إلى ما تستحقه.
في بيروت، سيكون العهد أمام مهمّة صعبة، وهو الذي سقط أمام الفريق عينه على الملعب نفسه قبل سنتين. عودة شعيتو المتوقّعة، ومعه خليل خميس، ستُعطي دفعاً معنوياً للزملاء، ولو أنه في الجهة المقبلة، سيعود همام طارق إلى التشكيلة العراقية بعد انتهاء الإيقاف. فرصةٌ أخيرة لبطل الدوري والكأس للقاء أحد طرفي مباراة الفيصلي الأردني وجاره الجزيرة في المباراة النهائية، اللذين تعادلا بهدف لمثله في مباراة الذهاب. فرصة لتحقيق إنجاز، رغم كل شيء، لمَ لا؟



كربلاء الأوروبية
شيّد الملعب الذي أقيمت عليه المباراة في مدينة كربلاء الجنوبية في عام 2015، بتكلفة بلغت 116 مليار دينار عراقي (98 مليون دولار)، ووفق طراز معماري يحاكي الملاعب الأوروبية، كما يتسع لأكثر من 30 ألف متفرج. وهو أحد ثلاثة ملاعب أتاح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للعراق هذه السنة، باستضافة مباريات دولية رسمية عليها، بعد حظر امتد أعواماً طويلة يعود الى أسباب شتى، أبرزها: الأوضاع الأمنية في البلاد وسوء التنظيم الذي شاب بعض المباريات. رغم ذلك، توقفت المباراة في الشوط الثاني لنحو عشر دقائق، بسبب انطفاء الأنوار في الملعب الذي يعدّ من الأحدث. وأوضح مدير دائرة الأقاليم وشؤون المحافظات في وزارة الشباب والرياضة العراقية طالب الموسوي أن «انطفاء الأنوار في الملعب سببه الغزارة في هطول الأمطار».