لم يكن تأهل منتخب ألمانيا إلى نهائيات كأس العالم 2018 عادياً، فبطل العالم أصبح ثاني منتخبٍ في التاريخ يبلغ العرس العالمي بسجلٍ كامل، كونه حقق في التصفيات الأوروبية 10 انتصارات في 10 مباريات. إنجازٌ لم يسبقه إليه سوى المنتخب الإسباني في تصفيات مونديال 2010 الذي أحرز لقبه، فهل يكرر الألمان نفس الامر؟

الواقع يقول أن «المانشافت» غير بعيد من إصابة إنجاز من هذا النوع ولو أنه في العصر الحديث للعبة بات هناك الكثير من المفاجآت، ربما آخرها على صعيد البطولات الكبرى الخاصة بالمنتخبات فوز البرتغال، غير المرشحة، بلقب كأس اوروبا 2016، وقبلها تزعّم تشيلي غير المتأهلة إلى مونديال روسيا، قارة أميركا الجنوبية أمام منتخبات تفوقها تاريخاً، أمثال الأرجنتين والبرازيل والأوروغواي.
العديد من اللاعبين «المذهّبين» بلقب مونديال 2014 اعتزلوا دولياً أو ابتعدوا نهائياً، أمثال الهداف التاريخي ميروسلاف كلوزه، والقائد فيليب لام، والمحارب باستيان شفاينشتايغر، وصخرة الدفاع بير ميرتساكر، والورقة الرابحة لوكاس بودولسكي. لكن ألمانيا تبقى ألمانيا، فهي حالياً لا تعرف مشكلة نقصٍ في المواهب أو في الخيارات، والدليل أن 21 لاعباً سجلوا أهدافها خلال مشوار التصفيات المونديالية، فهزوا الشباك 43 مرة، ولم يسجل أكثرهم تهديفاً أكثر من 5 أهداف (توماس مولر وساندرو فاغنر)، ما يعني أن كلمة الفريق الكامل الأوصاف تنطبق على «المانشافت» وتميّزه عن بقية منتخبات الصف الأول المرشحة إلى جانبه لحصد اللقب الأغلى.

خيارات لا تنتهي
من سيكون على متن الطائرة المتجهة إلى روسيا؟ هذا هو السؤال الذي يطرح يومياً في الفترة الأخيرة في ألمانيا، وحتى أن لاعب الوسط سامي خضيرة أفصح بصراحة قائلاً: «أنا محظوظ لأنني لست الشخص المطلوب منه اختيار التشكيلة».
سؤال وجواب يعاكسان أمراً واحداً، وهو أن المدرب يواكيم لوف في مأزقٍ حقيقي، لا لأنه لا يملك خيارات بل بسبب وجود تخمة من النجوم البارزين على أوراقه التي زادت أصلاً عندما اعتمد منتخباً رديفاً في كأس القارات العام الماضي، حيث فاجأ الألمان العالم أجمع وأحرزوا اللقب، ليوجّهوا رسالة واضحة إلى الكل: نحن عائدون إلى روسيا لحمل كأسٍ أخرى.
مجموعة ألمانيا المونديالية ستضمها إلى المكسيك والسويد وكوريا الجنوبية، لكن الكلام عن مجموعة لوف هو الأهم، فالعمق الموجود في تشكيلته ليس له مثيل، بحيث أنه يمكنه اعتماد أكثر من خيار استراتيجي بفعل نوعية اللاعبين الاستثنائيين الموجودين معه، وغالبيتهم لا يشبهون بعضهم في الشخصية الفردية (وهي نقطة إيجابية) ولو أنهم يذوبون في الجانب الجماعي لتكون النتائج خير دليل على روح المجموعة الطاغية على الأداء الألماني.

الخبرة والشباب في آنٍ معاً
وما يحبه لوف سيجده في تشكيلته، إذ كما هو معلوم يهوى هذا المدرب الجمع بين عناصر الخبرة والشباب، وهي المسألة التي أوعز بها إلى المدير الفني السابق للمنتخب الألماني يورغن كلينسمان في المونديال الذي استضافته ألمانيا عام 2006، لتبدأ مرحلة التأسيس لقطف الثمار في 2014 بقيادة لوف نفسه. فإذا نظرنا إلى التشكيلة الأساسية تجد لاعبين مثل جوشوا كيميتش الذي يمثّل عنصر الشباب، وجوناس هكتور الذي يجمع بين الخبرة والروح الشابة. هما ظهيرا المنتخب الألماني اللذين لا يمسّان: الأول لأنه أثبت مع بايرن ميونيخ أنه الخليفة الشرعي للقائد لام بذكائه الفطري وقدراته البدنية. أما الثاني فهو اللاعب الوحيد في التشكيلة الألمانية الذي لا يدافع عن ألوان فريقٍ كبير (كولن)، لكن لوف لم يرَ فيه يوماً لاعباً سيئاً.

بلغت ألمانيا كأس العالم بتحقيقها 10 انتصارات في 10 مباريات في التصفيات


وبين الاثنين يفترض أن يقف ماتس هاملس وجيروم بواتنغ (حامت الشكوك حول مشاركته في المونديال بعد تعرّضه للأصابة). هذا الثنائي الدفاعي كان في قلب الانتصار الكبير عام 2014، تماماً كما كان خضيرة وطوني كروس في قلب الوسط يقومان بالعمل الشاق ويتركان الإبداع للفنان مسعود أوزيل. هؤلاء الثلاثة سيكونون سويّاً مرة جديدة، ما يعني أن الكيميائية حاضرة أصلاً في الوسط الألماني، وهي ميزة لا يملكها العديد من المنتخبات المتجددة، علماً أن الثلاثي المذكور اعتاد على الظهور معاً منذ استدعائهم إلى منتخبات الفئات العمرية. أما بوجود توماس مولر فالجانب الهجومي مؤمن، بينما جعل تيمو فيرنر الكلّ ينسى حسرة اعتزال كلوزه بفعل فعاليته الكبيرة. كما كان لانتقال فاغنر إلى بايرن ميونيخ وقعه الإيجابي كون اللاعب ينشط الآن مع فريقٍ كبير ويعطي لوف خياراً هجومياً اضافياً.

الخطة «ب» جاهزة
وإذا ما كانت هناك عثرات لاعتماد الخطة «أ» فإن لوف قد يلجأ إلى الخطة «ب» وفيها أسماء رنانة أخرى، أمثال لاعب وسط شالكه الحالي وبايرن المستقبلي الموهوب ليون غوريتسكا الذي أعاد تذكير الجميع بقدراته القيادية الفنية والبدنية بالقائد السابق ميكايل بالاك. كذلك، فإن وجود لاعبٍ موهوب مثل ليروي سانيه الذي وصل إلى ذروة مستواه هذا الموسم مع مانشستر سيتي بطل إنكلترا، يزيد من عدد اللاعبين الخلاّقين في خط الوسط الألماني، حيث يحضر زميله إيلكاي غوندوغان وجوليان دراكسلر أيضاً. وبغض النظر إذا ما عانى الأول من الإصابات أو غاب الثاني عن التشكيلة الأساسية لباريس سان جيرمان الفرنسي، فإنهما كغالبية لاعبي الوسط الالماني يملكون قدرات دفاعية وهجومية في آنٍ معاً، وهو أمر نادراً ما تجده عند لاعبين آخرين يكون دورهم محصوراً غالباً في إحدى الناحيتين التكتيكيتين على أرض الملعب.
خط الوسط أصلاً هو العمود الفقري للتشكيلة الألمانية، وفيه لاعبون يعزّزون من قوة الخطة الرديفة، أمثال لاعب الوسط الدفاعي سيباستيان رودي، تماماً كما نيكلاس شوله في خط الظهر، وهو البديل المثالي حالياً لأي غيابٍ طارئ للثنائي الأساسي، علماً أنه الدور الذي يشغله في بايرن أصلاً. أما خوف الألمان الوحيد لتأمين الشباك فهو غير مبرر، إذ بوجود حارس مرمى مثل مارك - أندريه تير شتيغن لا يفترض أن يقلق أحدٌ من عدم جاهزية الحارس الأصيل مانويل نوير بعد ابتعاد لموسمٍ كامل تقريباً بسبب الإصابة، لكن القلق من بدلاء حارس «البرسا» أي برند لينو وكيفن تراب اللذين لم يثبتا يوماً أنهما بحجم أي حارسٍ أساسي لمنتخب ألمانيا.
وأفكار لوف في تحضير ثلاث تشكيلات مختلفة الأسلوب والهوية للمونديال الروسي، ترتكز في إحداها على اعتماد لاعبين مهاريين، فهو إذ لا يزال يؤمن بصاحب الهدف الأغلى في مونديال 2014 ماريو غوتزه، وبزميله في بوروسيا دورتموند المصاب دائماً ماركو رويس، فإنه يرى في جوليان براندت لاعباً لا يقلّ شأناً عنه. وبدا جليّاً أن لوف يبحث عن لاعبين أقوياء في المواجهات الثنائية، ولهذا السبب كان قد استدعى اللبناني الأصل أمين يونس مرات عدة إلى تشكيلته.
باختصار ألمانيا تدخل المونديال بأسماء معروفة بالنسبة إلى منافسيها، ومقروءة أيضاً إلى حدٍّ كبير، لكن على رغم كل شيء قد تنطبق مجدداً المقولة الشهيرة للنجم الإنكليزي غاري لينيكر: «كرة القدم لعبة بسيطة. 22 رجلاً يطاردون الكرة لمدة 90 دقيقة، وفي النهاية يفوز الألمان دائماً».

أسماء الذهب
لن تحضر العديد من الوجوه التي زيّنت أعناقها بالذهب قبل أربعة أعوام في التشكيلة الألمانية، لكن أين هم هؤلاء الغائبون اليوم؟
اسمٌ بارز لن يحضر مع «المانشافت» في المونديال المقبل وهو «المحارب» باستيان شفاينشتايغر الذي كان قد اعتزل اللعب دولياً بعد «يورو 2016». هو خاض 504 دقائق في مونديال 2014، لكن بعد فترة مضطربة مع مانشستر يونايتد الانكليزي انتهى به الأمر في الولايات المتحدة حيث يلعب مع شيكاغو فاير حالياً. وسار على الدرب نفسه «توأمه» لوكاس بودولسكي صاحب 49 هدفاً في 130 مباراة دولية، وثالث هدافي «المانشافت» تاريخياً، والذي يقول إنه «يتسلى» حالياً في اليابان مع فريق فيسيل كوبيه، وفي مطعم الكباب الذي افتتحه حديثاً في كولن!
أما من يتفوّق عليه وعلى كل هدافي المونديال في التاريخ أي ميروسلاف كلوزه (16 هدفاً مونديالياً من أصل 71 هدفاً سجلها مع ألمانيا)، فسيكون مع المنتخب الألماني في روسيا، لكن ليس كلاعب بل كأحد أعضاء الكادر الفني المساعد للمدرب يواكيم لوف. وإذا كان كلوزه سيجد له دوراً مع ألمانيا في المونديال، فإن القائد فيليب لام سيجلس على أريكته ويتابع المباريات، منتظراً دوراً أكبر مستقبلاً، فهو اليوم سفير الملف الألماني لاستضافة نهائيات كأس أوروبا 2024.
وكان بير ميرتساكر بين المعتزلين أيضاً عقب النجاح المونديالي، وهو قرر الاعتزال النهائي بعدما نشط في صفوف أرسنال الانكليزي لسبعة مواسم، حيث سيأخذ هذا الصيف مهمة جديدة ضمن أكاديمية الناشئين في النادي اللندني. كيفن غروسكرويتس، هو اسمٌ ربما نسيه الألمان، لكنه كان أحد اللاعبين الذين تواجدوا في التشكيلة الذهبية خلال مونديال 2014. هو اللاعب «الجوكر» بالنسبة إلى لوف، وهو بطل للعالم على رغم أنه لم يخض أكثر من 6 مباريات دولية، وعلى رغم أنه لم يخض أي دقيقة في كأس العالم الماضية، التي كانت آخر ظهور كبير له، فهو يلعب اليوم مع دارمشتات في الدرجة الألمانية الثانية.
وتبقى أسماء أخرى لم يكن لها الدور الكبير في النجاح المحقق، لكنها ستبقى موسومة باللقب إلى الأبد، أمثال الحارس رون - روبرت زيلر الذي يلعب احتياطياً مع ليستر الإنكليزي حالياً، وزميله رومان فايدنفلر الذي وصل إلى سن الاعتزال (37 سنة)، والظهير إيريك دورم الذي عانى من الإصابات ولم يلعب هذا الموسم، وكريستوف كرامر الذي شارك في النهائي أمام الأرجنتين قبل أن يخرج «فاقداً الذاكرة» إثر اصطدامه بإيزيكيال غاراي، وليدخل مكانه صاحب التمريرة الذهبية إلى غوتزه أي أندريه شورله الذي يتوقّع ألا يجد مكاناً له على الطائرة المتجهة إلى روسيا بعد تراجع مستواه كثيراً.