بعد الحربين العالميتين وتحديداً في عام 1949 ظهرت أوروبا جديدة. وإذا صحّ التعبير يمكن القول بدأ ظهور عالم جديد. انقسم العالم إلى معسكرين «شرق وغرب»، فكان الشرق روسياً، يتبع الاتحاد السوفياتي، بينما التحق الغرب بالمعسكر الأميركي. انقسمت ألمانيا إلى شرقيّة وغربيّة، والتحق الغربيّون بواشنطن ولندن، فيما ذهب الشرق إلى الشرق. بلدان على أرض واحدة، يفصل بينهما جدار من الإسمنت عُرِف بجدار برلين، لم يبق من الجدار إلا بعض الآثار، ولكن الفوارق التي اتسعت خلال نحو 50 عاماً لا يزال البعض منها عالقاً في العادات وأسلوب العيش، وعقول أهل السياسة والاقتصاد في بلد الاقصاد الأوروبي الأوّل.

خلال فترة انقسام ألمانيا إلى شرقيّة وغربيّة، كان التفوّق الغربي على مستوى كرة القدم واضحاً، خصوصاً أنّ معسكر الغرب كان يمتلك الدعاية والدعم الماديّ. تطورت كرة القدم في ألمانيا الغربية، بينما بقيت في جارتها الشرقيّة ضعيفة نتيجة ضعف الإمكانات ولكن ليس المواهب. ومن يتابع الرياضات الأوروبيّة على تنوّعها، يدرك تماماً أن شرق القارّة هو اليوم خزّان المواهب في مختلف الرياضات الفرديّة والجماعيّة. لم تحصد أندية ألمانيا الشرقية جوائز كبيرة على المستوى الأوروبي إبّان فترة الانقسام، فاكتفت بلقب أوروبي وبدور الوصافة في أكثر من مرّة، فيما فشل المنتخب الألماني الشرقي في الوصول أبعد من الدور الثاني في مونديال عام 1974 الذي استضافته الجارة الغربيّة، بينما حاز على الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الأولمبية عام 1976 بمونتريال الكندية، وفضية الألعاب الأولمبيّة أيضاً في موسكو عام 1980، وبرونزية المسابقة نفسها في مناسبتين عام 1964 في العاصمة اليابانيّة طوكيو، و1972 في الجارة الغربيّة.


طوال فترة الانقسام، كان الغربيون ينظرون إلى الشرقيين بنظرة استعلاء وتفوّق، وربما هذه النظرة لا تزال مستمرة بين الأوروبيين الغربيين والشرقيين، على الأقل همساً. وبعد سقوط جدار برلين وتوحّد الألمانيتين، تضرّرت الأندية الشرقيّة على نحوٍ كبير، بعدما رفض الاتحاد الألماني لكرة القدم استقبال الأندية الشرقيّة في دوري الدرجة الأولى. بالأرقام كان هناك 4400 نادٍ في ألمانيا الشرقية في مختلف الدرجات والهواة، وبعد مفاوضات كبيرة تم في موسم 1991 ــ 1992 ضم ناديين فقط من أندية الشرق إلى الدرجة الأولى في البوندسليغا هما هانزا روستك ودينامو دريسدن واللذان كانا يحتلّان المركزين الأوّل والثاني في دوري الدرجة الأولى الشرقي، ولكن لم يتمكن هذان الفريقان من الصمود طويلاً بسبب عدم قدرتهما على السير جنباً إلى جنب أندية الغرب في الموازنات والنفوذ الاتحادي. وفي السنوات ذاتها لعبت ست فرق من ألمانيا الشرقية في دوري الدرجة الثانية الألماني، ولكنّها أيضاً عادت وسقطت إلى الدورين الثالث والرابع.
بلغت ألمانيا كأس العالم بتحقيقها 10 انتصارات في 10 مباريات في التصفيات


وتتمثل معاناة الأندية الشرقية بالوضع المالي السيء، خصوصاً أنّ ظروف العمل ومعدلات الدخل في الغرب أعلى بكثير من الشرق، وهذا الأمر لا يزال مستمراً حتى اليوم، ويعتبر الشرقيّون أن الساسة في ألمانيا أطلقوا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية وعوداً كاذبة للشرق حول تحسين الوضع المعيشي وزيادة فرص العمل ولكن كل هذا لم يتحقق. وبحسب النسب فإنّه من المرجح أن يفقد الشرق الألماني أربعين في المئة من عدد ساكنيه ممن هم تحت الخمسين سنة بحلول عام 2030، نتيجة السياسات المتّبعة في الشرق الألماني. ولا يزال الغرب الألماني ينظر للشرق وأنديته على أنها تابعة للحقبة السوفياتية، ولا تمتلك الحق بالدخول إلى ساحة كرة القدم، وبالتالي فإن الموازنات الماليّة لأندية الشرق لا يمكن مقارنتها بتلك الموجودة في الغرب، حتى أنّ الشركات الراعية الكبرى في ألمانيا لا تتوجّه لأندية الشرق فشركات السيارات كمرسيديس تدعم شتوتغارت، وشركة باير للأدوية تدعم باير ليفركوزن، ودعم شركات التأمين الكبرى وأديداس الرياضية خلال السنوات الماضية كان يصب لمصلحة العملاق بايرن ميونيخ.
وما يُظهر الفوارق حقيقة بين اندية الشرق والغرب هو نظرة الألمان، خصوصاً الغربيين لنادي لايبزيغ الشرقي الذي تأسس عام 2009 ووصل بعد 7 مواسم إلى الدور الأول وبدأ ينافس بايرن ميونيخ وجميع أندية الغرب الثري. حتى أن مهاجم المنتخب الألماني تيمو فيرنير الذي تألّق على ملعب مرسيدس بنز في شتوتغارت، وانتقل عام 2016 إلى نادي ريد بول لايبزيغ، وهو ما لم يعجب الجماهير، على قاعدة أنّه من غير المنطقي أن ينتقل لاعب من ناد غربي إلى ناد شرقي.
وعلى رغم كلّ الفوارق والظروف الصعبة التي تعيشها أندية الشرق الألماني، فإنها تعتبر اليوم من أبرز مدارس إنتاج اللاعبين في ألمانيا، ولكن النقطة السلبية تبقى أن أندية الغرب الغنية تقوم بشراء اللاعبين بعمر صغيرة من أندية ومدارس الشرق مقابل مبالغ ماليّة ليست كبيرة، مستغلّة بذلك عدم قدرة الأندية الشرقية على الإبقاء على لاعبيها الناشئين ودفع الأموال لهم.
صراع طبقي، وحرب غربية على الشرق من بوابة الرياضة، وفي ألمانيا تحديداً لا يمكن فصلها عن السياسة الغربيّة العامّة ضد شرق أوروبا، حيث تسعى أوروبا الغربية إلى الإبقاء على ما تعتبره تفّوق دور أوروبا الشرقيّة في مختلف المجالات ومنها الرياضة. الصراع مستمر ولن يتوقّف وستواصل أندية الشرق العمل للوصول إلى ما وصل اليه نادي لايبزيغ على الأقّل، وكسر هيمنة الأندية الغربيّة.



هدّاف ميكانيكي
كان لاعبو ألمانيا الشرقية في معظمهم غير محترفين بسبب ظروف العيش والتضييق الغربي على الشرق. أجبرتهم الظروف على ممارسة اللعبة كهواة، فكان يورغن سبارفاسر ميكانيكيّاً يهتم بإصلاح السيارات، وفي الوقت معد بدني بعد أن تخرّج من كليّة التربية البدنيّة. وهو كان أيضاً صانع ألعاب نادي ماغديبورغ ومنتخب ألمانيا الشرقيّة. وفي عام 1974 سجّل سبارفاسر هدفاً في مرمى حارس ألمانيا الغربية ماكس ماير، بعد أن تجاوز بيكينباور.

بالاك من الشرق
بالاك شرقي ولد في مدينة غرليتز شرق ألمانيا. لعب بالاك لأندية كيمنيتس في بداياته، وفي عام 1995 انتقل إلى كايزرسلاوترن، وبعدها لعب مع باير ليفركوزن عام 1999، وسطع نجمه بعدها مع بايرن ميونيخ ثم انتقل إلى تشيلسي الإنكليزي عام 2006 وعام 2010 إلى ليفركوزن. ومع المنتخب الألماني لعب نجم خط الوسط 98 مباراة، وسجّل 42 هدفاً.


الأندية الشرقيّة بين الأمس واليوم
إحدى أبرز الإنجازات التي حقّقتها أندية ألمانيا الشرقيّة كانت فوز نادي أف سي ماغدبورغ بكأس الكؤوس الأوروبيّة عام 1974 على حساب نادي ميلان الإيطالي. ولكن بعد الوحدة وعدم قدرة أندية الشرق على مجاراة أندية الغرب ماديّاً وفنيّاً بات نادي ماغدبورغ قابِعاً في دوري الدرجة الرابعة الألمانيّة. ومنذ سقوط جدار برلين يعتبر النادي الأبرز من الشرق هو نادي لايبزيغ الذي تمّ تأسيسه عام 2009، وبعد 7 سنوات وصل إلى الدرجة الأولى وأحرج أندية الصف الأول، خصوصاً بايرن ميونيخ وبروسيا دورتموند. ولكن الجماهير لا تعتبر لايبزيغ نادياً شرقياً كونه مدعوماً من شركة ريد بول لمشروبات الطاقة.

كروس الشرقي: صنع في الغرب
قد لا يلتفت الكثير من المراقبين والمشجعين إلى أنّ لاعب وسط نادي ريال مدريد الحالي وبايرن ميونيخ السابق، ونجم المنتخب الألماني تونس كروس هو من أصول ألمانيّة شرقيّة. ولد كروس في مدينة غرايفسفالت الواقعة في شمال شرقي ألمانيا وتحديداً على بحر البلطيق، وتبعد نحو 250 كلم عن أكبر مدينتين في ألمانيا وهما برلين وهامبورغ. بدأ اللعب مع نادي مدينته. لعب عام 2007 مع نادي بايرن ميونيخ ومنتخب ألمانيا للشباب وبعدها المنتخب الأول. ومنذ ذلك الحين ظهرت موهبته، وبات اليوم من أبرز اللاعبين الألمان وحتى العالميين في مركزه في وسط الملعب. وبالنسبة إلى أصوله الشرقيّة، فهو لم يتحدّث بهذا الموضوع إطلاقاً.