منذ بدايتها، كانت كرة القدم في أوروبا تسير جنباً إلى جنب مع تطوّر وتوسّع الاتحاد الأوروبي. ظهر ذلك بشكل جلي في ثقافة المشجعين، حيث برزت بوضوح ملامح أوروبية في السلوك التشجيعي. والسبب، التغطية التلفزيونية الدولية الواسعة للمباريات الأوروبية الكبرى. وقد يكون السبب تفوّق أوروبا الاقتصادي، وهيمنتها في مرحلة ما بعد الاستعمار، إضافةً إلى هيمنة النمط الاستهلاكي على سلوكيات «الجماهير». لكن للدنماركيين تقاليدهم.

في ربيع عام 2007 أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أنه يتوجب على نجوم الكرة الأوروبية، لعب مباراة ودية احتفالاً بالذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة روما التي تعتبر نواة التكتل الاقتصادي الأوروبي. حضر المباراة 70 ألف متفرّج في مانشستر. وكان الهدف «تشجيع الاتحاد الأوروبي على التكامل الاقتصادي والسياسي والرياضي في أوروبا». كان هذا قبل صعود اليمين الأوروبي، وقبل بزوغ النزعات الانفصالية الحالية، وقبل البريكست، وقبل صعود التطرف في المجر وفي بولندا.
إذا نظرنا الى ثقافة التشجيع في كرة القدم الأوروبية، نجد أنّ من الممكن اعتبارها مستوى مصغّراً من العولمة، وعليه تبرز سمات عدّة لسلوك المشجعين في كافة أنحاء أوروبا، مع الإشارة بشكل أساسي إلى المشهد الدنماركي. عندما حصل أنصار المنتخب الدنماركي، المعروفون فيما بعد بالـ«روليغنز»، على كأس اليونسكو للعب النظيف بعد بطولة أوروبا في فرنسا عام 1984، وصفتهم وسائل الإعلام الدنماركية بأنهم «أفضل مشجعين في العالم». هنا، لم نعد نتحدث عن «شعبوية»، وعن يمين ويسار، إنما عن سلوك جماهيري على المدرجات.
منذ ذلك الحين تم تأسيس روابط تشجيع للأندية الدنماركية، أكثر تنظيم وجدّية، انعكس على مشهد الانتماء الوطني، باعتباره قيمة اجتماعية وتاريخية ثابتة مع وجود بعض الانحرافات والتناقضات. ومع ذلك فإن عولمة الرياضة يمكن تفسيرها بشكل أفضل من خلال هذه التناقضات، التي تلعب دوراً في نجاح تفسير النموذج التشجيعي الدنماركي.

( أ ف ب)

وفي هذا السياق، تبدو العودة إلى عام 1985 ضرورية، يوم وقعت كارثة ملعب هيسيل، عندما انهار جدار تحت ضغط الجمهور الهارب في ملعب هيسيل في بروكسل، كنتيجة لأعمال شغب قبل بداية مباراة نهائي كأس الأندية الأوروبية البطلة 1985 بين نادي ليفربول الإنكليزي ونادي يوفنتوس الإيطالي. 39 شخصاً لقوا حتفهم، 32 من مشجعي يوفنتوس. وأصيب 600 شخص، بعد هذه الحادثة وُصفت الجماهير البريطانية «بأسوأ مشجعين في العالم» وهو ما جعل إحدى الصحف اليومية الدنماركية تتباهى بالأسلوب الراقي في التشجيع الذي ظهر به المشجعون الدنماركيون وأطلقت عليهم مصطلح «روليغنز» من «روليغ» وتعني الهدوء في الدنماركية وهو نقيض «الهوليغانز»، أي المشاغبون.

الطبع يغلب التطبّع
بوجوه مطلية بالأحمر والأبيض، قبعة حمراء وبيضاء، البيرة، والمزاج السعيد، يشتهر عناصر الروليغنز، وينتشر زيهم في عدد قليل من البلدان كالسويد وايرلندا وهولندا، خاصة الدول الصغيرة التي لم تلعب حتى الآن أي دور خاص في كرة القدم الأوروبية باستثناء هولندا. استمرت ظاهرة الروليغنز في كرة القدم الدنماركية حوالى سبع سنوات حتى 1990-1991، كان التحول عندما بدأت الأندية الدنماركية بترك بصماتها في كرة القدم الأوروبية، استمد المشجعون إلهامهم من زيارات خصومهم الأوروبيين، في وقت باتت كرة القدم ظاهرة مغطاة تلفزيونياً من قِبل وسائل الإعلام العالمية.
احتفال الدنماركي يقوم على عدد من الأنشطة ويمكن إرجاع بعض منها إلى تراث الإنكليزية


مجموعة واسعة من أنشطة التشجيع يمكن تسجيلها للمشجعين المعاصرين الدنماركيين، لا تشبه أي ملعب كرة قدم أوروبي، يتم إعدادها بطرق جديدة ومستويات متعددة، خصوصاً عندما يقعون في منافسة مع مشجعي الفريق العدو.
الفصل بين مشجعي أصحاب الأرض والزائرين في أرجاء مختلفة من الملعب يجعل الأمور أكثر وضوحاً: «نحن ضدهم». المشهد «مثلث»، مجموعتان منفصلتان من المشجعين كخلفية للملعب والفريقين بلوحة موحّدة في أرض الملعب.
عام 1990 ولدت أول رابطة مشجعين دنماركية، رابطة آلبورغ للتشجيع وفي غضون ثلاث إلى أربع سنوات، جميع كبار النوادي باتوا يملكون روابط للتشجيع.
تضم روابط المشجعين حوالى 40 ألف عضو، معظمهم تابع للفريقين الدوليين «اف سي كوبنهاغن» و«بروندبي» اللذين يتقاسمان أكبر عدد من المشجعين بـ 25 ألفاً ونحو 10 آلاف عضو توالياً. وفي عام 1991 أصبح المشجع الدنماركي شخص أكثر «قيمة» ومعترف به في الأندية المحترفة. في ذلك العام، قامت رابطة الدوري الدنماركي بتغيير جذريّ في أولويات كرة القدم الدنماركية العليا. وفرضت مبادرات جديدة، تقوم على تحسين جو «الاستاد» من أجل جذب مجموعات تشجيعية جديدة وأيضاً رعاة ماليين جدد.
طريقة احتفال المشجع الدنماركي تقوم على عدد من الأنشطة ويمكن إرجاع بعض منها إلى تراث اللغة الإنكليزية وهو تقديم الدعم عبر طقوس مميّزة تتضمن مجموعة من الأغاني، تيفوهات وبعض الحركات الموحّدة (التصفيق، والقفز، الخ).
يعود أصل التيفو إلى إيطاليا، حركات يشتهر بها الإيطاليون خصوصاً براياتهم وأعلامهم الضخمة، على سبيل المثال يقوم مشجعو لاتسيو بحمل علم ضخم من الحرير من ألوان النادي من الجزء العلوي للمدرج حتى الصفوف السفلى.
صنعت روابط التشجيع الدنماركية أول تيفو لها في عام 1996 وهي تتنافس أيضاً على عرض أبرز التيفوهات في مباريات الديربي بين إف سي كوبنهاغن وبروندبي.

لا بديل عن الكراهية
أنشطة الاستاد هي العمل الأبرز للجماهير. تظهر بيانات من دراسة دانماركية حديثة أن حوالى ثلثي المشجعين (68٪) يرون أنفسهم ناشطين في الأحداث في الملعب وفي بعض الأحيان، يقوم بعض المشجعين في مباريات خاصة بخلع قمصانهم والوقوف نصف عراة على أمل أن يصورهم طاقم التلفزيون. الأغاني العادية موجهة إلى الفريق. وهناك مجموعة من أغاني الكراهية لإغضاب المشجعين الزائرين. ليس من المستغرب أن تكون أغاني الكراهية شائعة عندما نعتبر أن انتشار الأغاني التنافسية جزء من تحول الأفراد المشجعين إلى وحدة جماعية ضيقة. على الرغم من سوء قراءة بعض الأغاني، لكنها تمثل كراهية رمزية مع إيحاءات عنيفة. على سبيل المثال، تم توثيق التنافس بين مشجعي ناديي كوبنهاغن وبروندبي، بالأرقام عندما سئلوا عن النادي الذي لا يحبونه في الدوري: 28 84٪ من أنصار بروندبي يشيرون إلى إف سي كوبنهاغن و93 ٪ من مشجعي إف سي كوبنهاغن يشيرون إلى بروندبي.
بالنسبة إلى أنصار النوادي الدنماركية الأخرى، سنجد وجهة نظر أكثر تنوّعاً حول الأمور المحببة وغير المحببة في علاقاتهم مع النوادي. لم يعد يوم المباراة هو النشاط الوحيد الذي يقوم به المشجع، بل يقوم بالعمل طيلة أيام الأسبوع، توفر الرابطة قناة اتصال فعالة ومباشرة بين المشجعين، وطنياً ودولياً، لها وظيفتان أولها تتبّع جميع أخبار النادي، وثانياً البقاء على تواصل مع الأصدقاء المشجعين، وبالنسبة إلى البعض، لتبادل الإساءات بطريقة مجهولة وجديدة. وكان بروندبي في عام 1995 أول من قدم موقعاً إلكترونياً.

التشجيع بوصفه منتجاً رأسمالياً
كانت فرقة الروليغنز معروفة جيداً بمواقفها الفكاهية ونشاطاتها الإبداعية، هذا الجانب لا يزال يمكن التعرف إليه لدى مشجعي الأندية الدنماركية، وليس فقط في الأغاني والنصوص بل أيضاً في بعض الأحداث المحفورة في الذاكرة.
حدث ذلك في أيار/ مايو 2007 عندما كان بروندبي يزور اف سي نوردجويلاند في فاروم، في ذلك الوقت لم يفز بروندبي ولا حتى فوزاً واحداً خلال 17 مباراة لعبها خارج ملعبه. وفي الليلة التي سبقت المباراة، قام بعض المشجعين بوضع أسماء جديدة على بعض الشوارع في مسقط رأس نادي نوردشيلاند. قاموا بنسخ أسماء الشوارع المألوفة من بروندبي ووضعها على الأسماء الأصلية، كل هذا كان يهدف إلى تحفيز لاعبيهم وجعلهم يشعرون أنهم في ملعبهم عندما يلعبون خارجه. وكانت النتيجة التعادل.
لكن في الوقت الذي كان فيه مشجعو الفريق الوطني الدنماركي في منتصف الثمانينيات يشكلون علامة فارقة في سجل التشجيع في أوروبا مقارنة بالإنكليز، فإن أسلوبهم لم ينتشر كثيراً بين الأندية الدنماركية، واليوم باتوا يميلون نحو الأجواء البريطانية بالشغف والعنف أحياناً وسرعان ما ربطوا هويتهم كمشجعين مع جميع المشجعين في أوروبا والعالم.


إذاً من المهم أن تعترف سلطات كرة القدم والأمن بكرة القدم وبطولاتها كجزء من الثقافة الشعبية بمعزل عن الأحداث. هذا ما يميز الثقافة الجماهيرية عن «المنتجات» الثقافية التي يضعها المجتمع الرأسمالي الصناعي.
لذا فإنه من الممكن للناس تحويل السلع الثقافية نحو ما يرونه مناسباً، أو يعتقدون أنه كذلك، إذ إن دوامة الاستغلال العام تبقى أكبر منهم. ما يتبقى لهم هو محاولة إيجاد متعة في استخدامها لإنشاء معانيها الخاصة بهوياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. ومن هذا المنظور، فإن التطور المعاصر المشترك لا بدّ من أن يدمج سلوك المشجعين الأوروبيين في ثقافة الشباب الديناميكية اللامحدودة للحفاظ على ما يسمى بالإرث التشجيعي. للدنماركيين صورة راقية، ومنتخب لم يحقق الكثير، باستثناء فوزه المفاجئ ببطولة أوروبا 1992، بعدما تأهل بالحظ.


أجي هاريدي


نروجي الجنسية، مسيرته كلاعب لا تقارن بما كان عليه كمدرّب. أجي هاريدي، مدرّب المنتخب الدنماركي منذ 2016، مدرب عادي، لكنه يحقق الكثير. بدأ مسيرته التدريبية برفقة فريق «مولدي» النرويجي، وحققّ إنجازاً لم يكن لغيره من المدرّبين القدرة على تحقيقه، وهو الفوز بثلاثة ألقاب للدوري في ثلاث دول إسكندنافية مختلفة، وهي السويد والنرويج بالإضافة إلى الدنمارك. أضف إلى ذلك، فقد استلم هاريدي مهمة تدريب منتخبه الوطني في عام 2003، ليقضي مهمتّه في المنتخب النرويجي التي ظلّت حتى 2008. ما بين عامي 2009 و2014 تنقّل هاريدي ما بين أندية سويدية ونرويجية وهي: أورغريت السويدي، فريق فايكينغ النرويجي، هيلسنغبورغ ومالمو السويديين. في العاشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر ــ 2015 أصبح أجي هاريدي مدرّباً لمنتخب الدنمارك مكان مورتن أولسن، تحديداً بعد نهاية التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأوروبية 2016. الرجل المناسب في المكان المناسب، عبارة تُقال في هاريدي بحيث تحقيقه ومقدرته على الوصول والتأهل إلى نهائيات كأس العالم 2018 والتي ستُقام في روسيا، فقد وصل برفقة إيركسن وزملائه في المنتخب إلى حلم المشاركة في مونديال روسيا 2018 بعد فوزهم بمباراة الملحق الأوروبي على حساب المنتخب الإيرلندي.