كان «الساموراي» يسكن مصدر الشمس في شرق آسيا. هذا المحارب القوي كما يحكى عنه، حكم اليابان من الإمبراطورية في القرون الوسطى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، تحت شعار واحد: «ليستمر عهدك إلى الأبد». وفي بلد المحاربين والتكنولوجيا لم تكن كرة القدم المكان المناسب للحرب، على رغم أن المنتخب الياباني لكرة القدم واحد من الأقدم في تاريخ آسيا. تعود مباراته الأولى إلى عامٍ بعد المئة. الثقافة في أعماقها على حالها، لكن تغيرات حدثت في المنتخب الياباني قبل أشهر قليلة من إنطلاقة المونديال، قد تنعكس سلباً على أدائه


تأهلت اليابان متصدرةً المجموعة الثانية في التصفيات الآسيوية والصدارة في التصفيات ليست بالشيء الجديد. وأسفرت قرعة كأس العالم روسيا 2018 عن وقوع المنتخب الياباني في المجموعة الثامنة والتي تضم كل من كولومبيا، بولندا والسنيغال. على الورق تبدو بولندا وكولومبيا المرشحين الأبرز للعبور نحو الدور الثاني، لأنهما يقدمان كرة جماعية بمستوى ثابت. ومن بعدهما السنيغال بنجومها. وقد يحل اليابان في المركز الأخير لأنه الأقل حظوظاً في مجموعته. فرصة منتخب «الساموراي الأزرق» قد تكون أمام السنيغال، علماً أن اليابان ــ تاريخياً ــ يعاني أمام الفرق القادمة أفريقيا. في المونديال الماضي في البرازيل خسر أمام ساحل العاج (2-1). التفوق للمنتخبات الأفريقية أسبابه عديدة، ومنها البنية الجسدية القوية واللياقة البدنية العالية واللعب في الأندية الأوروبية. ما يدعو للتشاؤم، هو أن اليابان لعبت في المونديال السابق أيضاً أمام كولومبيا وخسرت بأربعة أهدافٍ مقابل واحد. المواجهات الثلاثة تعدّ صعبةً على منتخب يعرف كيف يتأهل للمونديال لكن لا يعرف كيف يلعب بعد التأهل. البطولة الآسيوية الأخيرة شهدت خروج اليابان من الدور الربع النهائي، والمعاناة ليست فقط على الصعيد العالمي إنمّا القاري أيضاً.

الإتحاد الياباني حذا حذو المنتخبات الآسيوية بإقالة المدرب قبل 67 يوماً من المونديال


الدقة، الإتقان والإخلاص في العمل والقدرة على العمل ضمن فريق، هي أبرز سمات اليابانيين. في الملعب، كما في خارجه، أو كما نعرف عن الياباني العادي: الحرص الشديد على المصلحة العامة كما المصلحة الخاصة تماماً. هذه الأمور الشائعة بيننا كجزء من الثقافة اليابانية، يمكن أن نلمسها بوضوح في طريقة اللّعب، فالمنتخب الياباني يفضل اللّعب الجماعي ويحبذ الكرة الشاملة من دون الاعتماد المفرط على الفرديات، على رغم وجودها. وتسجيل أكثر من أربعين هدفاً في التصفيات يلخص القدرة الهجومية لليابان بحيث لم يتلقَ المنتخب سوى 7 أهداف فقط. وتشكل الربع ساعة الأخيرة الوقت المفضل للمنتخب الياباني للتسجيل، إذ إن نسبة التسجيل الأعلى لديهم تكون في هذا الوقت (27.3 في المئة 12 هدفاً). اللافت أن اليابانيين يمتلكون القدرة على التسجيل حتى في المباراة التي يخسرونها. على سبيل المثال المباراة الودية أمام أوكرانيا انتهت بالخسارة (2-1) لكنهم استطاعوا التسجيل ونسبة التسجيل لديهم تبلغ 0.7 هدف للمباراة منذ عام 2015. فيما تبلغ نسبة استحواذهم على الكرة 58 في المئة والتمريرات الصحيحة 84.2 في المئة.

تأهلت اليابان متصدرةً المجموعة الثانية في التصفيات الآسيوية(أرشيف)


المشكلة المزمنة التي تلازم اليابانيين هي البنية الجسدية الضعيفة. تعدّ بنيتهم ضعيفة مقارنة بالمنتخبات الأوروبية أو اللاتينية وخصوصاً الأفريقية، مما يصعِّب الأمور في البطولات الدولية. هذه المشكلة تصعّب عملية التكيّف والتحسّن في المباريات مع فرق من خارج قارة آسيا، لأن الفوارق داخل القارة في هذا الإطار ليست كبيرة. المشكلة الثانية هي تراجع أداء الفرق اليابانية في بطولة دوري أبطال آسيا، علماً أن بطل النسخة السابقة العام الماضي، الفريق الياباني أوراوا ريد دايموندز، الذي أعاد التتويج لليابان في هذه البطولة بعد تسع سنوات من آخر لقب، لغامبا أوساكا عام 2008. خمسة فرق يابانية توجت بدوري الأبطال أكثرها أوراوا ريد دايموندز بلقبين (2007، 2017) لكن اللافت أن أوراوا لم يتأهل لبطولة هذا العام، إضافة إلى أنه لم يعبر سوى فريق ياباني واحد لدور الـ16 من البطولة هذا العام وهو كاشيما أنتليرز. تراجع أداء الفرق المحلية يعد مشكلة لأن أكثر من عشرة لاعبين في تشكيلة المنتخب يلعبون في فرق يابانية لأن اليابان لم تعد ذلك البلد الذي يصدّر أسماء بحجم ناكاتا.

كيسوكي هوندا


كارلوس كيروش مدرب منتخب إيران هو المدرب الوحيد لمنتخبٍ آسيوي لم يُقلّ قبل المونديال. أربع منتخبات أخرى أقالت مدربيها بعد التأهل من بينها اليابان. وهذه إشارة هامة إلى «العقلية الآسيوية» غير الصبورة. فالاتحاد الياباني حذا حذو المنتخبات الآسيوية الأخرى بإقالة المدرب وحيد خليلوزيتش قبل 67 يوماً من انطلاقة المونديال. وتعود أسباب قرار الاتحاد الياباني إلى النتائج غير المقنعة في المباراتين الوديتين التي خاضها خليلوزيتش، ضد كل من مالي (1-1) وأوكرانيا. الحكم جاء سريعاً على المدرب الذي قاد الجزائر إلى الدوري الثاني في بطولة كأس العالم الماضية وكاد يقصي ألمانيا البطلة أيضاً. اليابان اتخذت مخاطرة كبيرة للغاية بإقالته قبل كأس العالم، وكان للمدرب البوسني رد قاس: «الجميع في فرنسا يقولون لا يمكن أن يحدث ذلك في اليابان، المجتمع الياباني يحظى بالاحترام لكن لم يتم التعامل معي باحترام»، مضيفاً: «بعد كل هذا الإعداد جاء مدرب جديد لتولي المسؤولية، إنه تحد استثنائي له، أعتقد أني كنت قادراً على تحقيق الهدف، لكن رئيسكم قال لي لا شكراً... من الصعب قبول ذلك»، هذا ما قاله البوسني خليلوزيتش في طوكيو بعد إقالته. هكذا، عيّن أكيرا نيشينو (63 سنة) والذي سبق له أن درب في المنتخب الأولمبي والشباب، وأفضل ما حققه هو الفوز على البرازيل التي كانت تضم في صفوفها حينها روبرتو كارلوس، وبيبيتو، ورونالدو، وريفالدو، بهدف نظيف خلال المباراة الافتتاحية في أولمبياد أتلانتا 1996. إيجابيات تعيين نيشينو الذي قاد فريق غامبا أوساكا للفوز بلقب دوري أبطال آسيا عام 2008 أنه مدرب محلي. وقدرته على التواصل وفهم الأجواء داخل المنتخب ستكون أفضل ولكنه سيكون في سباق من أجل خلق التوليفة الأنسب للعب بها.

شنجي كاغاوا


وبعيداً من الأسماء المحلية فهناك لاعبون يعدّون من الأفضل في اليابان حالياً، خصوصاً أنهم احتكوا بالكرة الأوروبية وبطبيعة الحال فهم الركائز الأساسية في التشكيلة التي ستشارك في المونديال. شينجي كاغاوا (29 سنة) واحد من أفضل اللاعبين في اليابان وحتى في فريقه بوروسيا دورتموند في ألمانيا. سبق له اللعب في مانشستر يونايتد لموسمين وهو لاعب مهم جداً في خط الوسط، خصوصاً في ظل قدرته على التحكم بإيقاع اللعب وصناعة الأهداف. كيوسكي هوندا (31 سنة) أبرز مواسمه كانت مع سيسكا موسكو في روسيا قبل أن ينتقل إلى ميلان الإيطالي. ويمكن توظيف هوندا كجناح أيسر أو من الأفضل أن يلعب كصانع لعب خلف المهاجمين. وأكثر ما يتميز به هوندا هو قدرته على التسديد من المسافات البعيدة. شينجي أوكازاكي (32 سنة) الذي توج مع ليستر سيتي بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز عام 2016 هو الأفضل بين الجميع على الصعيد البدني وحتى التهديفي (وليس الفني) ويشغل مركز رأس الحربة وعلى رغم أنه لم يلعب كأساسي في ليستر إلّا أنه استطاع تسجيل 6 أهداف وصناعة 3، وعلى رغم أنه يلعب في خط الهجوم ألّا أنه يساعد في الدفاع واستعادة الكرة. يوتو ناغاتومو قضى سبعة أعوام في إنترناسيونالي اكتسب فيها خبرة الإيطاليين في تأدية الأدوار الدفاعية وهو حالياً يلعب في غلطة سراي التركي حيث صنع 3 أهدافٍ في 13 مباراة خاضها في اسطنبول.

ماكوتو هسيبي


المونديال المقبل لن يكون سهلاً على المنتخب الياباني، لأنه كما ذكرنا آنفاً تحوي المجموعة الأخيرة فرقاً صعبة المنال وتطلع إلى المضي بعيداً في روسيا. ويكمن التحدي الحقيقي لليابانيين في قدرتهم على العبور نحو الأدوار الإقصائية. وإذا فعلها منتخب «محاربي الساموراي» فسيكون ذلك حدثاً وإنجازاً بالنسبة لهم. وهم على نحوٍ ما، قادرون دائماً على إحداث مفاجأة.



إنييستا «ساموراي»؟



يبدو أن أندرياس إنيستا قائد فريق برشلونة الذي سيرحل في نهاية الموسم، سيغير وجهته من الدوري الصيني إلى الياباني. وكان من المتوقع أن ينضم الإسباني إلى نادي «شونغ كينغ ليفان» الصيني بعد مغادرته لبرشلونة هذا الصيف، ولكن تم إقناعه بالذهاب إلى اليابان وسيتقاضى هناك 22 مليون جنيه إسترليني في الموسم أي ما يقارب 420 ألف باوند أسبوعياً. وأشارت التقارير الإسبانية إلى أن العرض قدم من فريق «فيسيل كوبي» لمدة ثلاثة مواسم. ويلعب ضمن صفوف الفريق الياباني المهاجم الألماني لوكاس بودولسكي، الذي انضم إليه الصيف الماضي. وتوج إنييستا هذا الموسم بثنائية الكأس والدوري مع برشلونة. وكان صاحب هدف الفوز في نهائي كأس العالم 2010 مع منتخب بلاده إسبانيا. مونديال هذا الصيف في روسيا لا شك أنه سيكون الأخير لإنييستا مع إسبانيا التي تعد واحدة من أبرز المرشحين للتويج باللقب.