إن كرة القدم باتت في حياة الشعوب بحجم الكرة الأرضية ونتائجها قد تمسّ «كبرياء» الأمة. تحولت من مجرّد لعبة إلى ظاهرة سياسية واجتماعية عالمية. ومع تعاظم أهمية كرة القدم ودورها وتأثيرها وسحرها على الشعوب، أصبحت ورقة من أوراق رجال السياسة التي يلعبون بها للوصول إلى الحكم أو تعزيزه أو وسيلة من الوسائل التي تقرّب خطوط الاتصال مع الشعوب التي هي الجماهير. للسياسيين آراء وأهواء

مشاهير كثر ظهروا في مباريات بطولة كأس العالم لدعم منتخبات بلادهم أو مشاهدة «اللّعب الجميل». دعونا نتفق على أن الرياضة ــ غالباً ــ أجمل من السياسة. كثر ذهبوا إلى البلد المضيف ليشاركوا من على المنصات. كرة القدم ازدادت حضوراً في أروقة السياسة وأخذت حيّزها لدى بعض الشخصيّات البارزة التي بدورها تابعت المباريات بشغف. ومما لا شك فيه أن العالم كله يتحفّز لاستقبال منافسات كأس العالم، التي ستبدأ بعد أسابيع. السياسيون والاقتصاديون والرياضيون يؤجلون اجتماعاتهم وأعمالهم وتدريباتهم للاستمتاع بأجواء احتفالية من مباريات المونديال، حيث سيكونون على موعد مع جنون المتعة وهوس التشجيع. ومن المؤكد، أيضاً، أن الجميع سيستغلّ أحداث المونديال. في المونديال البرازيلي عام 2014 برز إعلان غريب في صحيفة لندنية لشركة عقارية يقول: «لو فازت إنكلترا بكأس العالم سنرد 100 ألف جنيه لأول عشرة مستثمرين في مشروعنا الجديد»، وهو إعلان ربما يعتبره البعض ساخراً، فالشركة تدرك أن آمال منتخب «الأسود الثلاثة» كانت شبه معدومة لتحظى باللقب، لكنها دغدغت مشاعر عشاقه للترويج لمشروعها وأغرتهم بالاستثمار مع شركة «عاشقة» للعبة وللمنتخب الوطني، بل ومتفائلة إلى حدّ بعيد.



لم تكن شعبية كرة القدم منذ نشأتها حكراً على عامة الشعب، بل إنها خطفت بقوة حبّ السياسيين وسيطرت على شغف المشاهير. في تقرير نشرته «تايمز» الإنكليزية قبل سنوات، تناولت أكثر الشخصيات شهرة في العالم، وفي الوقت نفسه أكثرهم ولعاً بكرة القدم. نتحدث عن «سيئي الذكر» كالألماني أدولف هتلر زعيم النازية والإيطالي موسوليني زعيم الفاشية. في الواقع، كرة القدم أسرت قلب أدولف هتلر زعيم النازية. المفارقة ــ غير الإيجابية ــ هي أن ولعه بكرة القدم كان يوازي جنونه بالحروب. ومن بين أقواله في كرة القدم جملة من مذكراته قال فيها: «الفوز في مباراة أكثر أهمية للشعب من غزو مدينة في الشرق، لكن الأمر في الواقع لم يبد كذلك».

ميركل وكاميرون خلف التلفزيون
اللافت، أن أبرز الوجوه السياسيّة التي تصدّرت الصفحات الرياضية في الصحف بتشجيعها لمنتخب بلادها، اليوم، هي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي شوهدت في الملعب خلال مباراة ألمانيا والأرجنتين في مونديال جنوب أفريقيا. تبادلت الحديث مع «الفاسد» ميشال بلاتيني، كما جلست إلى جانب الرئيس الجنوب إفريقي جاكوب زوما. كانت تصفّق وتضحك فرحاً عند كل هدف من أهداف ألمانيا في المباراة التي اكتسح فيها فريق بلادها غريمه الأرجنتيني بأربعة أهدافٍ نظيفة. لاحقاً، ميركل أعربت عن فرحها بالفوز الساحق بُعيد المباراة بالقول: «إنه لأمر رائع وبمثابة الحلم، إنه حلم، فالفريق برمّته يتكوّن من العناصر الشابّة لكنهم لعبوا بشكلٍ جيّد»، كما احتفلت بعد التتويج ببطولة كأس العالم 2014 للمرة الرابعة، وانضمت إلى لاعبي المنتخب في غرفة خلع الملابس لتحييهم وتلتقط معهم صور «سيلفي».
يشجع نجل ترامب نادي أرسنال الإنكليزي(أرشيف)

من جهته، أرسل رئيس الوزراء البريطاني السابق دايفيد كاميرون، آنذاك، رسالة تشجيعيّة إلى المنتخب الإنكليزي قبل خوضه مباريات المونديال وأعرب عن انضمامه إلى مشجّعي الفريق على صفحة «الفايسبوك». اليوم، لا رسائل ولا من يرسلون. السيدة تيريزا ماي «حردانة» من روسيا. ميركل وكاميرون اللذان جمعتهما قمّة العشرون الاقتصاديّة في كندا 2010، وبعيداً عن القمّة، أوجدا فسحتهما لمتابعة المباراة التي جمعت بين منتخبي بلديهما للخروج خارج المحادثات لمدّة ساعة، والتسمّر أمام شاشة التلفزيون، لمتابعة مباراة ألمانيا وإنكلترا. لكن الصحافة سمّت ذلك بأنه «قمة ثنائية». أما المباراة الثانية للفريق الإنكليزي التي كانت أمام منتخب الجزائر في 2010 أيضاً، والتي انتهت بالتعادل السلبي، فحضرها كل من الأميرين وليام وهاري اللذين كانا في زيارة الجمعيّات الخيريّة في إفريقيا وعرجا على الملعب للجلوس ضمن الجموع وتشجيع منتخب بلدهما. كانا في إحدى تلك «الحفلات الاستعمارية» المسماة «خيرية».
وقبل كاميرون، هناك رئيس وزراء إنكلترا السابق توني بلير. الكاذب الكبير. تخلى عن اهتماماته السياسية لبعض الوقت من أجل الاشتراك في برنامج تلفزيوني عن كرة القدم، وقال بلير الذي ظهر بملابس غير رسمية في برنامج عن كرة القدم، تقدّمه هيئة الإذاعية البريطانية، إنه يحب «الاسترخاء عن طريق مشاهدة مباريات كرة القدم على التلفزيون»، إلا أنه لم يذهب إلى أي ملعب لمشاهدة مباراة حية منذ سنوات. وكان بلير قد قال خلال البرنامج إنه يعتقد أنه بوسع المنتخب الإنكليزي لكرة القدم الفوز بكأس العالم 2006: «لا شك أنهم يستطيعون الفوز بالكأس، أنهم قادرون على ذلك، أعتقد أننا نملك فريقاً قوياً للغاية ويتعين عليهم الثقة بأنفسهم». كان ذلك بعد 3 سنوات على كذبة العراق الشهيرة. والكأس تكذّب «الغطاس». اعتقاد رئيس وزراء بريطانيا السابق ذهب في مهب الريح، بعدما خرجت إنكلترا من الدور ربع النهائي أمام البرتغال.

أوباما الذي رأى
باراك أوباما سبق وأعرب عن رغبته في متابعة المباريات في الملعب(أرشيف)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المعروف بممارسته لرياضة الجودو، بدوره، يمارس كرة القدم في الكثير من الأحيان، مؤكداً أنه مشجع متحمس جداً لمنتخب روسيا لكرة القدم. خلال لقاء مع أعضاء هيئة تحرير صحيفة «سوفيتسكي سبورت» الرياضية الروسية الشهيرة، قال: «تسألونني عن الفريق الذي أشجعه، لقد قلت أكثر من مرة، أنا أشجع المنتخب الوطني فقط، لا أميل إلى أي فريق». ولرؤساء أميركا حصة كبيرة في متابعة وتشجيع كرة القدم. دونالد ترامب، الرئيس الـ 45 للولايات المتحدة الأميركية، الذي بات حديث العالم كلّه في ليلةٍ وضحاها، بفعل حماقاته المتكررة، يعدّ صاحب خلفية رياضية كبيرة. فهو أحد هواة لعبة الغولف، وكانت له سابقة في ضرب فينس ماكمان، رئيس اتحاد المصارعة WWE، في قلب حلبة المصارعة، وهي اللقطة التي أثارت جدلاً كبيراً حوله. ولكن قليلين هم من يعلمون عن علاقة خليفة أوباما بكرة القدم، فهناك عدة مواقف كروية مسجّلة باسمه، كما أن هناك خطة لدى الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم 2026، يعمل عليها «على طريقته» المثيرة للضحك. يشجع ترامب نادي أرسنال الإنكليزي، وهو أحد عشاقه. وصل الأمر بترامب إلى الطلب من أرسين فينغر، المدير الفني الفرنسي للفريق، أن يرحل، مقابل أن يدفع له راتبه لمدة 50 عاماً. حسب ترامب، أرسين فنغر هو السبب الأساسي في غياب البطولات عن الفريق، الذي حصل على آخر لقب للدوري الإنكليزي عام 2004.
في أية حال، تُعد أميركا المرشح الأوفر حظاً لاستضافة كأس العالم 2026، والتي من المقرر أن تضم بين 40 و48 فريقاً، كما أن هناك مقترحات بشأن تقدم أميركا بطلب تنظيم مشترك مع كندا وربما مع المكسيك أيضاً. وحسب وكالة الأخبار الألمانية «د ب أ»، فتصريحات ترامب بشأن طرد المهاجرين المكسيكيين من بلاده، وبناء حائط حدودي بين الدولتين، قد تأتي بنتائج عكسية، وقد تظهر أول مؤشرات هذه التصريحات، خلال المباراة التي جمعت المنتخبين الأميركي والمكسيكي في كولومبوس، ضمن التصفيات النهائية لأميركا الشمالية المؤهلة لمونديال روسيا 2018. أما الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فسبق وأعرب عن رغبته في متابعة المباريات في الملعب، في حال تأهل المنتخب الأميركي إلى مونديال 2010، وبعد التأهل وفي حادثة طريفة، أذاعت الأنباء عشية مباراة أميركا وإنكلترا، قبل يوم في المونديال، الرهان الذي جرى بين أوباما ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون. ذلك حين اتصل أوباما بكاميرون معلناً أن المنتخب الأميركي سيهزم المنتخب الإنكليزي، فأطلق كاميرون ضحكة عالية، متسائلاً: «وماذا ستفعلون سيدي الرئيس لإيقاف روني؟».
عيّن الرئيس السابق للولايات المتحدة مسؤولاً عن ملف استضافة كأس العالم 2018و2022


ولكن أوباما أصرّ على الرهان بزجاجة «بيرة» يهديها لكاميرون إذا خسرت أميركا، فقبِل السيد كاميرون الرهان، وكاد أن يستمتع ببيرة أوباما لولا خطأ حارس المرمى البريطاني روبرت غرين الذي أفلت الكرة من بين يديه بطريقة لا يمكن أن تصدق. الغريب أن أوباما الذي أفرد وقتاً كبيراً للقاء المنتخب الأميركي قبل مغادرته واشنطن خاطبه بعبارات غريبة قائلاً: «كل العالم سيدعمكم حتى لو نسينا أحياناً في الولايات المتحدة، أن المونديال سيكون أكبر مسرح عالمي تذهبون إليه لتمثيلنا. ولكن لماذا سيدعم العالم المنتخب الأميركي، فهو ليس البرازيل، ولا العالم يحب أميركا بقدر كافٍ ليدعمها في كرة القدم».
ولسيرة الخطابات، تحضر حادثة أخرى في مونديال 2006. وقف الرئيس دا سيلفا مخاطباً منتخب بلاده: «سوف أجلس أمام التلفزيون لمشاهدتكم وتشجيعكم كما يفعل كل الشعب البرازيلي والعالم، وسوف تكون انتصاراتكم بمثابة الدواء الذي سوف يساعد في التغلب على أمراض الفقر والفساد والظلم الاجتماعي الذي يعاني منه الشعب البرازيلي». ولكن البرازيل خسرت وفازت إيطاليا، ولكن العالم كله دعم البرازيل لأنها البرازيل وليست أميركا. كان أوباما على حق إذاً. وقبل ترامب، وقبل أوباما، هناك بيل كلينتون، الذي تابع من الملعب مباراة الولايات المتحدة الأميركية أمام الجزائر 2010 وكان قد توجّه إلى اللاعبين وشجّعهم قبل بدء المباراة كما وكان قد عُيّن كرئيس للبعثة المسؤولة عن ملف أميركا لاستضافة كأس العالم 2018 و2022 الذي ذهب لصالح روسيا 2018 وقطر 2022. أما في فرنسا ففوز منتخب فرنسا بكأس العالم 1998 أرقص رئيس فرنسا الأسبق جاك شيراك الذي لوح طويلاً بقميص «الديوك» من مقصورته الشرفية خلال المباراة النهائية أمام البرازيل. لوح شيراك لمنتخب قاده زين الدين زيدان.

الشغف اللاتيني
وفي أميركا اللاتينية مألوف جداً أن يتابع الزعماء الكرة. كشف الرئيس البوليفي إيفو موراليس وصديق الأسطورة مارادونا عن عشقه الكبير لكرة القدم، بتأكيده أن الساحرة المستديرة لعبت الدور الرئيسي في وصوله إلى مقعد الرئاسة في بلاده، بعد أن منحته الشهرة منذ الصغر. ورغم اهتمام الرئيس بكرة القدم فإن حالها في بوليفيا ليس على ما يرام، مقارنةً بالفرق اللاتينية الأخرى. وهو ما دعاه للأسف على عدم تمكن بلاده من الوصول إلى نهائيات كأس العالم منذ نهائيات 1994 في الولايات المتحدة، أيام الجيل الذهبي الذي قاده ماركو إتشفيري الملقب بـ«الشيطان»، واحتلت بوليفيا مركزاً مخيباً في تصفيات أميركا الجنوبية المؤهلة لكأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا مما حال دون وصولها إلى المونديال، كما قام الاتحاد الدولي لكرة القدم باعتبار منتخبها خاسراً مباراتين ضمن تصفيات أميركا الجنوبية المؤهلة إلى كأس العالم في روسيا 2018، لإشراكها لاعباً غير مؤهل للعب في المباراتين، وبهذا لم تذهب إلى روسيا.