يشكّل ألبوم بانيني ذاكرة كأس العالم منذ نسخته المونديالية الأولى عام 1970. الألبوم لا يزال موجوداً وقد صدرت النسخة الخاصة بمونديال روسيا 2018، لكنه فقد الكثير من سحره بسبب ثورة التكنولوجيا و«الإنترنت»


المونديال في جانب كبير منه هو ذكريات لمباريات لا تُنسى وأهداف ونجوم لا تتكرر. لكن ذاكرة المونديال ليست مجرد هذه الأمور. ثمة في المقابل تفاصيل صغيرة وأمور تبدو عادية للبعض، لكنها تحمل الكثير من الرمزية. أشياء تعيد الأذهان إلى مونديالات سابقة. الصورة تشكل جزءاً من الذاكرة. في يومنا هذا، باتت الصورة متداولة بكثرة عبر «الإنترنت» ومواقع التواصل الاجتماعي. باتت الصور تتهافت من كل حدب وصوب وتصل من دون تعب ومجهود وحتى مباشرة من ملاعب كأس العالم عبر الهواتف الذكية ويتم تناقلها عبر العالم. في الماضي المونديالي، ذلك الماضي الجميل تحديداً، كان المتابع للمونديال يبحث بنفسه عن الصورة. صورة لمنتخبه أو نجمه المفضّل ليلصقها على باب غرفته. كان للأمر رمزية.
كان الحصول على صورة مميزة إن كانت «بوستر» أو مقتطعة من مجلة ملوّنة يعدّ انتصاراً شخصياً بحد ذاته.
في ذلك الماضي، كانت ضمن هذا الإطار ملصقات بانيني. جيل التسعينيات على الأقل لا يزال يذكر تلك الملصقات الشهيرة ويحنّ إلى زمنها. ملصقات بانيني تشكّل تقليداً موروثاً في كأس العالم، إذ إنها كانت تنتشر في الأسواق قبل فترة قصيرة من انطلاق المونديال، ومعها تبدأ أجواء البطولة وأحاديثها واستعادة ذكرياتها. كان يكفي أن تشتري ألبوم بانيني لتشعر بأنك امتلكت المونديال. ثم تبدأ عملية شراء رزم الملصقات لتلصقها في المكان المخصص لها، إذ إن الألبوم كان ينقسم على عدد منتخبات المونديال ويتضمن في صفحات كل منتخب ملصقات لجميع لاعبيه. أما في حال تكرر ملصق اللاعب، فتبدأ عملية تبادل الملصقات مع الأصدقاء والمهتمين من أجل إكمال المجموعة. كان معروفاً حينها أن صور نجوم المونديال تكون قليلة. فمثلاً في ألبوم بانيني الشهير في مونديال 1990، كان الحصول على ملصقات أساطير أمثال الأرجنتيني دييغو مارادونا أو الألماني لوثر ماتيوس أو الإيطالي روبرتو باجيو أو الهولندي ماركو فان باستن بمثابة «كنز ثمين». طبعاً، جيل الشباب كان الأكثر ولعاً بملصقات بانيني. لكن بانيني لم تكن مجرد عملية جمع ملصقات، بل هي في مكان آخر مصدر للثقافة المونديالية من خلال المعلومات التي تتضمنها حول المنتخبات. حتى إن المهتمين ببانيني كانوا أشخاصاً متخصصين كالصحافي الفرنسي الشهير تييري رولان الذي كان يعلّق على المباريات، وكان يقوم بجمع ملصقات بانيني ويحتفظ بها ويستفيد منها في عمله، في زمن لم يكن فيه إنترنت، ويقول: «عندما كنت أذهب إلى بطولة كبرى، كنت آخذ معي الألبوم لأعرف لاعبي المنتخبات الذين لا أعرفهم».

بانيني بين الماضي والحاضر
يحمل ألبوم بانيني هذا الاسم نسبة إلى الشقيقين الإيطاليين بينيتو وجيوسيبي بانيني اللذين أسسا شركة بانيني للنشر عام 1961 في مدينة مودينا والتي كانت تهتم بنشر الكتب وتوزيع الصحف والمجلات والملصقات. ومع اكتشاف الشقيقين اهتمام الأطفال في إيطاليا بجمع صور لاعبي الكرة، قررا إطلاق ألبوم لملصقات لاعبي الدوري الإيطالي، ثم توسّعت الفكرة لتصبح عالمية عبر إطلاق ألبوم مونديال 1970. منذ ذلك التاريخ، تحوّل ألبوم بانيني إلى ظاهرة وتقليد يسبق كل بطولة كأس العالم، حيث كانت الشركة تُطلق ألبومها قبيل الحدث العالمي. ويُطلق الإيطاليون على شركة بانيني لقب «العائلة»، إذ انضم لاحقاً إلى بينيتو وجيوسيبي والدتهما وشقيقاهما الآخران فرانكو وأمبروتو، ثم تبعتهما شقيقاتهما: فيرونكا وماريا وونورمان، لإدارة الشركة التي راحت تكبر على مرّ السنوات وتصبح اليوم مؤسسة ضخمة تدرّ الكثير من الأرباح.
في شهر آذار الماضي، أطلقت بانيني في الأسواق ألبوم مونديال روسيا 2018، وذلك في عصر التكنولوجيا والإنترنت الذي بات جمْع الصور فيه يتم عبر الـ"أونلاين". بانيني دخلت هذا العالم، لكنها حافظت على تقليدها واهتمامها الرئيسي بالألبوم الورقي. بيد أن الزمن تغيّر، وهذا ما جعل ألبوم بانيني يفقد الكثير من وهجه. وأكثر من ذلك، فإن الشركة باتت تهتم بالناحية المادية وكسب الأرباح، وهذا ما اشتكى منه المشجعون الذين ظلوا أوفياء لبانيني مع إطلاق ألبوم 2018. فقد ارتفع سعر رزمة الملصقات الواحدة بنسبة 60% عن رزمة ألبوم كأس أوروبا 2016. الشركة باتت تدرّ ربحاً في موسم المونديال يصل إلى حدود مليار يورو.

كان الحصول على صورة مميّزة مقتطعة م ن مجلّة ملوّنة يعدّ انتصاراً


هاربر، وهو أحد المهتمين بألبومات بانيني منذ الصغر والأستاذ حالياً لمادة الرياضيات في جامعة كارديف الويلزية، قام بعملية حسابية ليتبيّن معه أن جمع ألبوم بانيني 2018 يحتاج إلى 967 رزمة تحوي صور اللاعبين والمدربين وملاعب المونديال والأساطير السابقين ويبلغ سعرها 882 يورو. يقول هاربر: «أذكر الفرحة التي اعترتني عندما جمعت ألبومي الأول عندما كنت صغيراً. كان ذلك في عام 1982، خلال مونديال إسبانيا. جمْع الألبوم بات أكثر كلفة مع مرور السنين». هكذا، تبدّل الزمن وتغيّر معه ألبوم بانيني. الشركة حافظت على وجودها، لكن ألبومها فقد الكثير من سحره. عائلة بانيني إيطالية، لكن الحق ليس على الطليان هذه المرة، بل على الثورة التكنولوجية في زمننا هذا.