يستعد المنتخب الإيراني للمشاركة في مونديال روسيا. سيكون الوجود الرابع له في الحدث العالمي في فترة ما بعد الثورة مقابل مرة واحدة قبلها. منذ عام 1998، عرفت الكرة الإيرانية تطوراً رغم عدم التمكّن من تخطي دور المجموعات. المهمّة ليست سهلة الآن في مجموعة تضم إسبانيا والبرتغال، فهل تفعلها إيران؟

ثمة زمنان موندياليان لمنتخب إيران في كرة القدم. زمن ما قبل ثورة الإمام الخميني عام 1979 وما بعدها. ما قبل الثورة، شاركت إيران مرة واحدة في المونديال كانت قبل زوال نظام الشاه بعام في مونديال 1978 في الأرجنتين. أما بعد الثورة، فقد شاركت إيران 3 مرات في الحدث العالمي، وها هي الآن تستعد للمشاركة الرابعة في روسيا.
لكن في بلد مثل إيران، لا بد من أن تتأثر الكرة هناك، وبالتالي المنتخب، بالأحوال السياسية. بطبيعة الحال، كان من غير الممكن بعد الثورة مباشرة رؤية المنتخب الإيراني في كأس العالم، إذ إن الحرب التي اندلعت مع العراق في تلك الفترة واستمرت طويلاً كان لها الأثر السلبي طبعاً على الكرة الإيرانية، حيث توقّف الدوري المحلي ولم يشارك المنتخب الوطني في تصفيات مونديالَي 1982 و1986 ليعود في تصفيات مونديال 1990.
منذ 1990، بدأت مرحلة بناء الكرة الإيرانية وارتقائها، وصولاً إلى عام 1998 حيث جاء الحصاد بالمشاركة في مونديال فرنسا. كل ذلك وإيران تعاني ضغوطاً وحصاراً. في ذلك العام، كانت المشاركة الأولى لإيران الثورة في كأس العالم بعد التخطي الشهير لأوستراليا في الملحق عندما تعادلا في طهران 1-1 و2-2 في سيدني. في ذلك المونديال، قدّم المنتخب الإيراني مجموعة مميزة من النجوم، أمثال: الأسطورة علي دائي وكريم باقري وخوداداد عزيزي وحميد إستيلي ومهدي مهدافيكيا والحارس أحمد رضا عبدزاده، وحقق انتصاراً تاريخياً في دور المجموعات على الولايات المتحدة 2 ــ 1.

لم يشارك منتخب إيران في تصفيات مونديالي 1982و1986

يمكن القول إن ذلك الجيل، الذي علق في الذاكرة، أسّس لمرحلة جديدة في الكرة الإيرانية، إذ إن أبواب الكرة الأوروبية والألمانية على وجه الخصوص فُتحت أمام النجوم الإيرانيين. في مكان ما، يمكن القول إن وصول محمد خاتمي إلى رئاسة إيران واعتماده سياسة الانفتاح في ظل الحصار المفروض قادا دوراً في تسهيل توجُّه اللاعبين نحو الاحتراف الخارجي. هكذا رأينا دائي (الذي دخل في 2004 تاريخ الكرة عندما أصبح أول لاعب يصل إلى 100 هدف مع منتخب بلاده) في أرمينيا بيليفيلد، ومن ثم مع بايرن ميونيخ وهيرتا برلين، وباقري في بيليفيلد أيضاً، ومهدافيكيا في بوخوم وهامبورغ وأينتراخت فرانكفورت، ثم لحق بهم وحيد هاشميان الذي تنقّل بين فرق هامبورغ وبوخوم وبايرن ميونيخ وهانوفر ومن ثم بوخوم مجدداً.
ثم جاءت حقبة الساحر علي كريمي أو «مارادونا إيران» الذي لعب أيضاً في ألمانيا مع الكبير البافاري. مسألة احتراف اللاعبين الإيرانيين في «البوندسليغا» تبدو مهمة، إذ كان لها الأثر الإيجابي على تطور المنتخب الوطني حيث اكتسب اللاعب الإيراني مزيداً من الشخصية المتحفّزة التي تبحث دائماً عن الفوز، فضلاً عن اكتساب الخبرة والتجربة وأساليب المدرسة الكروية الألمانية بما تتميّز به تحديداً من قوّة بدنية وتنظيم وانضباط وجدّية في الأداء جاءت مناسِبة لشخصية اللاعب الإيراني.
في موازاة ذلك، ازداد توافد المدربين الأجانب إلى إيران حيث كان الكرواتي ستانكو بوكليبوفيتش أول مدرب أجنبي في منتخب ما بعد الثورة عام 1994، تلاه البرازيلي فالديير فييرا عام 1997 وبعدهما الكرواتي توميسلاف إيفيتش والبوسني ميروسلاف بلازيفيتش والكرواتي برانكو إيفانكوفيتش، وصولاً إلى الحالي البرتغالي كارلوس كيروش، وهذا كان له، بدوره، انعكاس إيجابي على الكرة الإيرانية لناحية التعرّف إلى مدارس كروية مختلفة واكتساب خبرات إضافية.
بعد مونديال 1998، انتظرت إيران حتى 2006 لتظهر في البطولة مجدداً في ألمانيا ومن ثم كانت المشاركة الأخيرة في مونديال 2014 في البرازيل. في كل تلك المشاركات، لم يتمكن المنتخب الإيراني من تخطي دور المجموعات.
لم يخسر المنتخب الإيراني أي مباراة في التصفيات

الآن إيران حاضرة في مونديال روسيا. التحدي يبدو أكثر صعوبة هذه المرة. في مونديال 1998، لعب الإيرانيون ضد منتخب كبير هو ألمانيا، وفي مونديال 2006 ضد البرتغال وفي مونديال 2014 ضد الأرجنتين، لكن هذه المرة فإن القرعة أوقعتهم مع منتخبين كبيرَين دفعة واحدة، هما: البرتغال مجدداً وإسبانيا، فضلاً عن المغرب. الهدف واضح لدى الإيرانيين: الفوز على المغرب في المباراة الأولى ومحاولة كسب نقطة على الأقل أو نقطتين أمام البرتغال وإسبانيا، ما قد يمكّنهم من العبور للمرة الأولى إلى الدور الثاني. لكن هل هذا ممكن؟
بالنظر إلى رحلة المنتخب الإيراني في تصفيات هذا المونديال، يمكن القول إن لدى الإيرانيين منتخباً قويّاً لم يذق طعم الهزيمة طوال مشواره فيها. منتخب يعتمد بالدرجة الأولى على الروح القتالية والتنظيم والانضباط. منتخب يمتلك دفاعاً فولاذياً سيكون الرهان الأول عليه لإقفال المنافذ أمام المرمى الإيراني والانطلاق بهجمات مرتدّة يجيدها الإيرانيون. في المقدّمة، ثمة لاعب ماهر وموهوب وهداف يمكن التعويل عليه كثيراً. الحديث هنا هو عن سردار أزمون أو "ميسي إيران" كما يُلقّب والذي يلعب في روبن كازان الروسي، بالإضافة إلى وجود رضا غوشانيجاد لاعب هيرنفين الهولندي والذي كان حاضراً في مونديال 2014 وبرز في المباراة التي خسرها الإيرانيون بصعوبة بالغة أمام الأرجنتين بهدف ليونيل ميسي بعد أداء مميز. منتخب يعتمد على الكثير من اللاعبين المحترفين. منتخب يجمع بين الشباب المتمثّل بأزمون وميلاد محمدي ومهدي ترابي وعلي رضا جاهنباخش وغيرهم، والخبرة المتمثّلة بالقائد أشكان ديجاغاه وجلال حسيني وغوشانيجاد وغيرهم. منتخب يقف خلفه المدرب كيروش الذي لا يزال يشرف عليه منذ عام 2011 وقد عرف تحت قيادته ثباتاً طوال كل تلك الفترة تمثّلت بالخسارة في 10 مباريات فقط مقابل 45 فوزاً و20 تعادلاً، والأهم المشاركة مرّتين متتاليتين في كأس العالم، وهذا ما تُرجم أيضاً بتمسُّك الاتحاد الإيراني به بعد الخلافات بينهما قبل تجديد العقد. خبرة كيروش وتجربته ستكون مهمّة طبعاً في المونديال الروسي، وتحديداً في المواجهة أمام منتخب بلاده البرتغال الذي كان قد أشرف على تدريبه قبل وصوله إلى طهران وهو يعرفه جيداً وتحديداً النجم الأول كريستيانو رونالدو.
المونديال بات قريباً. الإيرانيون سيكونون في روسيا. في العيون حلم، وعلى أرض الملعب عمل. جهد كبير مطلوب. في مجموعة يوجد فيها منتخبا إسبانيا والبرتغال، سيكون تمكّن إيران من العبور إلى دور الـ 16 الحدث الأبرز، لا شك، في دور المجموعات.


روحاني مشجّع أوّل للمنتخب
دائماً ما يلقى المنتخب الإيراني الدعم والمساندة من المسؤولين الإيرانيين في استحققاته الخارجية.
هذا ما ظهر مثلاً في مونديال 2014 في البرازيل، من خلال الصورة اللافتة التي نشرها الرئيس حسن روحاني على حسابه في "تويتر" يظهر فيها وهو جالس على الأريكة في منزله، مرتدياً قميص المنتخب ويتابع المباراة أمام نيجيريا على التلفاز.
روحاني واصل مساندته للمنتخب في المونديال الحالي، إذ إنه هنّأه بعد تأهله إلى البطولة ونشر صورة للفريق على "تويتر" مع عبارة: "تأهُّل المنتخب الإيراني إلى نهائيات كأس العالم في روسيا جعل الجميع سعداء". ثم استقبل لاحقاً أعضاء المنتخب وهنّأهم شخصياً.

واجب وطني
يتخطّى وجود منتخب إيران في البطولات، وتحديداً كأس العالم، مجرّد خوض المنافسات ومحاولة تحقيق الفوز إلى واجب وطني بدرجة كبيرة في تمثيل الأمة الإيرانية والتعبير عن قوّة التحدّي لديها.
المنتخب الإيراني هو انعكاس واضح لأمّته التي تعاني الضغوط والحصار، لكنها تواصل المثابرة والتقدّم وتحقيق النجاحات.