تكتظ مدرجات ملاعب الفوتبول حول العالم بالمشجعات. تشقّ الفتيات صفوف الشبّان. يحجزن لأنفسهنّ مقعدًا في الصفوف الأمامية للمدرّجات. يستبدلن مساحيق التجميل على وجوههن بألوان فرقهنّ المفضّلة. يتابعن المباريات بشغف. يفرحن. يصرخن مع كل هدفٍ يهزّ الشباك، ويبكين للخسارة. يبدو ذلك جليًّا لنا من خلف شاشات التلفاز. وتتباين الصورة، بين دول العالم، باختلاف النظرة إلى المرأة، وباختلاف حدود «الهيمنة الذكورية» على اللعبة، وعلى المجتمع. العالم تجاوز الأسئلة التافهة ــ بطابعها التمييزي ــ عن حضور المرأة في المدرجات، أو «الشغوفات» خلف الشاشات. ماذا عن أحوال «مشجعاتنا» في لبنان؟

يعود الجدل حول أحقية تشجيع الفتيات لكرة القدم إلى الواجهة مع كلّ استحقاقٍ رياضيٍّ جديد. ينشأ سجال في غير محله، سجال في «البديهيات». لكنه مجتمعنا، وأسئلته المطروحة بيننا. بضعة أسابيع تفصلنا عن انطلاق العرس الكروي الأضخم في روسيا. الجميع يتحضّر لاستقبال المونديال. الفتيات أيضًا. ينشغل بعضهنّ برفع أعلام المنتخب الذي يشجعن على الشرفات، ويلصقن صور نجوم المنتخب. يتجهّزن لحجز سهراتهنّ الكروية في المقاهي الشّعبية. يبدو الأمر عاديًّا بالنّسبة إليهن، ولا شيء يدعو للاستغراب.
المونديال ليس الحدث الرياضي الوحيد الذي يلقى اهتمام الفتيات اللواتي يتابعن كرة القدم. تغيّر العالم، حتى مجتمعنا، تجاوز «هيمنة» الذكور على اللعبة وعلى الشغف. كأس أوروبا ودوري أبطال أوروبا أيضاً من المناسبات المعنية. تنخرط الفتيات في دوامة الصراع الأزلي بين مشجعي نادي برشلونة ونادي ريال مدريد الإسبانيين. جزء منهن يتعامل مع الأمر بوصفه «موضة». وجزء ليس هيناً، صار شغوفاً باللعبة فعلاً. يملأن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بآرائهنّ وتحليلاتهنّ للمباريات. عادةً ما يُقابل ذلك ببعض الانتقاد من «الذكور»، المتسلحين بثقافة رجعية تؤطر المرأة وتضعها في «برواز»، فيما يثني آخرون على ثقافتهنّ الكروية الجيّدة. براءة الحسن نموذج عن هؤلاء. رئيسة رابطة ريال مدريد الرسمية في لبنان واجهت صعوبات كثيرة كونها فتاة في الدرجة الأولى وترتدي الحجاب أيضاً. أمّا اليوم، فصارت مصدراً موثوقاً للأخبار الرياضيّة العالمية بعدما امتهنت الصحافة الرياضية وقابلت عدداً من اللاعبين العالميين والإداريين الكبار.

ترى عبيد أنّ الفوتبول بات مجالاً قائماً بحدّ ذاته كغيره من الاختصاصات العلمية الذي يحتاج الى دراسة


تتابع الحسن التحضيرات الأخيرة مع زملائها للتجمع الكبير الذي تقيمه الرابطة احتفالًا بنهائي كأس أبطال أوروبا في قريطم في 26 أيار/ مايو الجاري. تتطلع نحو الكأس مرةً جديدة. تحشد الجماهير عبر صفحة الرابطة الرسمية على الفايسبوك، وتولي اهتمامًا خاصًّا للفتيات. «أخذتُ على عاتقي الاتصال بأهالي الفتيات وطمأنتهم أنّهنّ بأمان معنا، فمن حقهن تشجيع الفريق الذي يفضلن كسائر الفتيات في الملاعب الأوروبية»، تقول الحسن، مشيرةً إلى أنّ «أغلب الشّبان يعتقدون أنّ هذه اللعبة لهم، لكنّ الفرص لتغيير هذه الفكرة السّائدة أكبر في المجتمع الغربي من مجتمعنا». كما ترفض ما يشاع عن فقدان المشجعات للأنوثة، مؤكّدةً أن «أنوثتي أظهرها في مكانٍ آخر بعيدٍ عن الملاعب»، وتضيف: «هذه حريّة شخصيّة».
مع تطور الإعلام الرياضي وانتشار مقاطع الفيديو على مختلف المنصات الإلكترونية، بات من البديهي انخراط الجميع في المجال الرياضي. في النهاية، اللعبة صارت من صنوف الاستهلاك. والصبايا بتن قادرات على متابعة الجلسات التحليلية للمباريات والتعمّق أكثر في زواريب اللعبة. في المقابل، تكتفي أخريات بتشجيع فريقهنّ المفضّل من دون الدخول في أي نقاشٍ كروي. بالنّسبة إلى الحسن، «ريال مدريد أصبح أسلوب حياة بعدما صرت أمثل النادي في لبنان والوطن العربي أيضًا، وبعدما تمّ تكريمي العام الفائت في حفل أقامه النادي في أبو ظبي، بحضور كل من رئيس النادي فلورينتينو بيريز ومدير العلاقات المؤسساتية إيميليو بوتراغينيو وعدد من اللاعبين الكبار».

«الكامب نو» يغصّ بالمشجعات
تستعيد مسؤولة الموارد البشريّة في رابطة مشجعي برشلونة الرسمية في بيروت نجلا عبدالله ذكريات الرحلة إلى برشلونة بفرح. لا يغيب ملعب «الكامب نو» الشهير عن ذاكرتها. جزءٌ من قلبها لا يزال يخفق هناك. يتجذّر بأصول النادي. ويهتف للاعبيه بالرغم من الخسارة أمام روما. أكثر من شهرٍ مضى على هذه الرحلة، إلّا أنّ عبدالله لا تزال تروي تفاصيلها كأنّها اليوم. «خططنا للسفر إلى برشلونة بمجهودٍ شخصي داخل الرابطة، حيث ضمت الرحلة مختلف الأعمار والفئات وكنّا 8 فتيات من أصل 20 شخصاً، وهذا أمر يسجّل لنا». تسأل عبدالله باستغراب عن سبب الجدل الذي لا ينتهي حول تشجيع الفتيات لكرة القدم. تحاول مقارنة الوضع في لبنان بملاعب برشلونة، وتقول: «تظهر الفتاة هناك تشجعيها للفريق أكثر من الشّاب، ويبدو الأمر عاديًّا جدًّا للآخرين»، مشيرةً إلى أنّ «الموضوع يختصر بالشغف والحب للرياضة بمعزلٍ عن جنس الإنسان». أمّا في لبنان، فتلفت عبدالله الانتباه إلى أنّ «المشكلة ظهرت بعدما أصبح تشجيع الفوتبول «ترند» ومادة تصلح للجدل على صفحات التواصل الاجتماعي».
في المقابل، ترفض عبدالله الوقوف عند مسألة انتهاك الفتاة لأنوثتها بمتابعتها لكرة القدم. تستغرب السؤال وصيغته من أساسها، وهي محقة في ذلك... «فإذا ما أردنا الحديث عن فكرة الأنوثة، علينا أن نتطلّع أولًا إلى النساء اللّواتي يشاركن في بطولاتٍ عالميةٍ مختلفة للنساء، وعند انتهاء المباريات ينصرفن للاهتمام بأنفسهنّ ويظهرن على راحتهن»، تقول عبدالله، داعيةً الجميع الى الاعتياد على الفكرة. لا يوجد شكل موحد للمرأة، أو «برواز» يجب أن تجلس فيه.

الصحافة الرياضيّة: عملٌ يتعدى الشّغف
تنهمك الصحافية الرياضية ياسمين عبيد بتحضيراتها لاستقبال المونديال. تغوص بين صفحات المنتخبات الرسميّة على المواقع الإلكترونية. تنتقي معلوماتها الكروية بدقّة، وتكتب مواضيعها الصحافية بشغف. عبيد، بالرغم من أنّها تختلف في ميولها الرياضية مع جميع زملائها في العمل، إلّا أنّها استطاعت أن تتفق معهم بأغلب النقاط التي تعدّ حمراء في عالم كرة القدم.
ترى عبيد أنّ الفوتبول بات مجالاً قائماً بحدّ ذاته، كغيره من الاختصاصات العلمية الذي يحتاج الى دراسة ومتابعة وتحليل، والمرأة مثل الرجل، «قادرة على خوض هذا المجال هو وغيره». تستقي من تجربتها الثقة بكلامها، وهي التي لا تتوانى عن وصفها كرة القدم «بالثقافة الأسمى»، رافضةً تصنيفها لجنس واحد. وتضيف: «هناك العديد من الرجال في العالم لا يفقهون كرة القدم، وبالتالي فهي تعدّ من الاهتمامات المتعلقة بمزاج الفرد بغض النظر عن جنسه أو لونه أو أي شكل من أشكال التمييز». ترفض عبيد تحديد ميادين الأنثى في التعبير عن اهتماماتها وهواياتها. كما تبدي استياءها من معاملة الذكور للمشجعات، مشدّدة على رأيها بأنّ «الرفض الذي يظهره بعض الذكور يأتي لعدم تقبلهم أنّ المرأة باتت قادرة على تغيير الصورة النمطية التي تربط كرة القدم بالرجال». اللّعبة هنا تتخطى حاجز الجنس والعنصرية. عبيد التي تعمل في مجال الصحافة الرياضية منذ 4 سنوات، تؤمن بأنّ «كرة القدم على وجه الخصوص رياضة منزّهة عن أي مصلحة يمكن أن يعمل لأجلها الفرد»، كما أنّها «تتميز عن غيرها من الرياضات بالهدف الذي ننتظره بشغف وبإمكانه تغيير مسار بطولة بأكملها أو حتى مصير بلد أيضاً».



ذكور متعصبون


تغصّ صفحة مشجّع منتخب ألمانيا علي فوعاني على الفايسبوك بمنشوراتٍ معارضةٍ للمرأة. الشّاب المتعصّب جدًّا لكرة القدم، يتابع اللعبة منذ طفولته ولا يغفل عن أيّ مباراة للمنتخب الألماني أو نادي ميلان «العريق» كما وصفه. لا يخفي أبدًا رفضه الكامل لما سماها حالة «العيشان» السّائدة على مواقع التواصل الاجتماعي. ينهل من «ذكوريته» دون أن يدري، ويعلّق ببراءة: «أغلب الفتيات يشغلن صفحاتهنّ بآرائهنّ ويصلن إلى حد الشّتم أحيانًا، لكن في الواقع يجهلن الثقافة الرياضية»، يقول فوعاني، مشيرًا إلى أنّه «عندما يفتح موضوع جدي للنقاش معهن حول تحليل مباراة مثلًا أو معلومات كروية عامّة، يبدين جهلهن التام في المحاججة». يعمم فوعاني تجاربه الشخصية على الجميع. وعلى هامش المونديال المرتقب، يروي فوعاني بعض مشاهداته من بطولة عام 2014. ويتهم النساء بأنهن لا يشاهدن كرة القدم، لأنهن لا يشاهدن كرة القدم النسائية. حسب فوعاني، المرأة يجب أن توضع في «فاكيوم». أما الرجل، فيمكن أن يكون أينما يشاء. أما عن المعلومات الرياضية، فهذا نقاش صار من الماضي. اللعبة للجميع، على المدرجات، على الورق وخلف الشاشات.