بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، غابت الدول الاتحادية عن الواجهة الكروية وخصوصاً روسيا التي كانت تشكل نواة هذا الاتحاد. لكن روسيا تعود هذا العام بذاكرتها الرياضية إلى «أيام العز» الرياضي السوفياتي باستضافتها لكأس العالم. وبعيداً عن أسباب هذه الاستضافة، فإن روسيا لم تعد كما كانت في سابقها أيام كانت اتحادية ترعب المنتخبات وتزن كثيراً في عالم كرة القدم. ستلعب روسيا للمرة الرابعة في المونديال، هذه المرة بصفتها المستضيفة، بعد نسخ 1994، 2002 و2014. ولم تستطع في المرات الثلاث السابقة تجاوز الدور الأول. اليوم، المهمة لا تبدو مستحيلة بوجود فرق متوسطة معها

كان المونديال الأول لروسيا بعد الانهيار في بلاد «العدو» الأول الولايات المتحدة الأميركية. هكذا نسيت موسكو تاريخ الصراع الطويل. كانت تلك الزيارة من ارهاصات «بروسترويكا» غورباتشيف. وبعيداً عن الدول الشيوعية، لعبت روسيا باسم روسيا. لكن معظم لاعبيها كانوا من الأستونيين والأوكرانيين. شهدت روسيا صفعةً من البرازيل في المباراة الأولى حيث كان الحُكم لروماريو، ثم خسرت أمام منتخب السويد. وكانت مباراتهم الأخيرة ضد الكاميرون لا تعني شيئاً مع إقصاء كلا الفريقين، لكنها أنجبت هداف كأس العالم. أوليغ سالينكو سجل خمسة أهداف ليكون الوحيد في تاريخ المونديال الذي يسجل خمسة أهداف في مباراة واحدة. الفريقان أقصيا، لكن الأهداف كانت كفيلة ليتقاسم لقب الهداف مع البلغاري ستويشكوف، الذي كان في «المعسكر الاشتراكي» هو الآخر. اللافت أن سالينكو ينحدر من أصول أوكرانية، ومباراة الكاميرون كانت الأخيرة له على الصعيد الدولي. «افعل شيئاً خاصاً وستُذكر إلى الأبد» هكذا لخص الأوكراني مسيرته مع روسيا بعد تلك المباراة.
على أي حال، فإن سالينكو ليس اللاعب الوحيد الذي يختفي على نحوٍ مفاجئ بعد تألقه. في زينيت سان بطرسبورغ، سطع اسم آندريا آرشافين في كأس الاتحاد الأوروبي 2008. توج باللقب مع فريقه ليعود بعد ذلك ويقود منتخب بلاده إلى نصف نهائي بطولة أمم أوروبا التي ظن بها الجميع أنها بوابة عودة «أيتام السوفيات» إلى واجهة كرة القدم، إلا أن «آرشا» اختفى بشكلٍ مفاجئ بعد انتقاله إلى غرب القارة وبالتحديد انكلترا. ورغم أن موسمه الثاني مع أرسنال كان جيداً حيث خاض 39 مباراة، سجل 12 هدفاً وصنع 7، إلّا أنه أصبح احتياطياً. ليعود عام 2015 من حيث أتى ولم يعد اسمه يظهر في الواجهة بعد ذلك. وإلى اللاعبين الموهوبين، لا بد من الحديث عن عائلة بافيلتشينكو. كانت مشهورة بقناصتها. ليودميلا التي كانت واحدة من أشهر القناصين في تاريخ السوفيات. ومن ذات العائلة في عالم كرة القدم، ظهر الشاب رومان الذي كان من الأسماء البارزة في يورو 2008 حيث انتقل بعده إلى توتنهام ولعب هناك 78 مباراة، مسجلاً 21 هدفاً وصانعاً 8، وفي دوري الأبطال شارك في 12 مباراة سجل فيها 5. كل هذه الأرقام تظهر أنه كان متميزاً واسمٌ سيكون له شأنٌ حيث ارتبط في الكثير من الأحيان بالانتقال إلى ريال مدريد، مانشستر يونايتد، وروما. لكنه سار على خطى زملائه في التاريخ الروسي ــ السوفياتي، لتغيب أخباره في 2012 بعد الرحيل من إنكلترا. يوري جيركوف سافر إلى إنكلترا أيضاً بعد يورو 2008 ليحطّ في تشيلسي، وسيلعب هذا العام مع منتخب روسيا في كأس العالم.

لعب بافيلتشينكو 78 مباراة توتنهام سجل فيها 21 هدفاً (أرشيف)

العقلية الروسية اختلفت عن السوفيات: «نحلة واحدة لا تجني العسل»، هذه حال روسيا كروياً بعد التفكك. المنتخب السوفياتي لم يكن خمولاً يركض خلف السهر و«الفودكا». لم يعد اللاعبون الروس يهتمون بمستواهم ولم يعودوا يتعاملون بطريقة احترافية إلّا قلة منهم فقط. كرة القدم باتت مكاناً للتسويق وتبييض الأموال والتحسين في صورة روسيا. روسيا فقط. وهذا ما ظهر في كأس القارات، فالمنتخب الروسي لم يعد يلعب بشراسة. معظم اللاعبين في المنتخب الروسي اليوم محليون يلعبون في الدوري الروسي. التشخيص القديم لمدرب روسيا في يورو 2008، الهولندي غوس هيدينك يبدو منطقياً: «روسيا يمكن أن تفوز على أي شخص، لكنها قد تخسر أمام أي أحد»، لكنه تصنيف عفا عليه الزمن. المنتخب الروسي هو الوحيد الذي لم يخض التصفيات لأنه مستضيف البطولة، حيث اكتفى بخوض عدد من المباريات الودية التي لا تصبّ في مصلحته لأنه لم يلعب أمام فرق تشبهه. روسيا كان يجب أن تلعب أمام أوكرانيا التي كانت مصدراً للاعبين المميزين في الاتحاد السوفياتي لأنها تشبه روسيا في طريقة اللعب، أو على الأقل أمام بولندا، الجارة اللدودة.
أخيراً، تولى تدريب منتخب روسيا ستانيسلاف تشيرتشيسوف، وقاد ثورة تغيير كبرى في الفريق بعد نتائج المنتخب المخيبة في بطولة أمم أوروبا 2016. اعتمد على توليفة جديدة، ركائزها من المحليين، وتخلى عن عدد من اللاعبين مثل سيرغي إيغناشيفيتش، وفاسيلي بيريزوتسكي. ضخ المدرب الجديد دماءً جديدة باستدعاء فيكتور فاسين (سيسكا موسكو)، فيودور كودريافشوف (روبن كازان) والتوأم الروسي أليكسي وأنتون ميرانتشوك، لاعبا لوكوموتيف موسكو. يتعامل تشيرتشيسوف مع الأمور كما غوس هيدينيك في 2008، باستدعائه للاعبين المحليين. متوسط العمر للمنتخب الروسي بات يتراوح ما بين 21 و22 عاماً، تشيرتشيسوف غيّر طريقة لعب المنتخب لتصبح 3-5-2، وتخلى عن طريقة لعبه المعتادة، التي كانت تتراوح ما بين 4-4-2 و4-3-3. وهذا سيف ذو حدين.
المنتخب المصنف 65 عالمياً بحسب ترتيب «الفيفا» يحمل ذكريات أوليغ بلوخين وليف ياشين وقائمة أخرى من اللاعبين الذين تألقوا أيام الاتحاد السوفياتي. الكل سيترقب ما سيفعله المنتخب المستضيف الذي لم يعبر مستقلاً إلى الدور الثاني. أما الاتحاد السوفياتي فكان «وحشاً».