قد يستغرب البعض كيف يخرج من «خراب» العشوائيات في البرازيل كل هذا السِحر، في الرياضة وفي الجمال. من الفافيلاس خرج مانويل فرانسيسكو دوس سانتوس المعروف بـ«غارينشيا». قاد بلاده إلى مونديال عام 1962 في الجارة تشيلي، لكنه لم يتأثّر بكل المجد الذي وصل إليه. بقي الحنين إلى أحياء الصفيح، حيث توفي هناك بعمر ناهز الخمسين بعد أن أدين بتعاطي المخدرات. عكس غارينشيا كان إدسون أرانتيس دو ناسيمنتو أو جوهرة البرازيل بيليه. وبما أنّ الأخير لم يذق طعم الفقر بالقدر الذي قاساه زملاؤه، فضّل ربطة العنق وعلاقات الفيفا على الأحياء الفقيرة في البرازيل. لم يزرها إلّا لافتتاح الملاعب الصغيرة في الأزقّة. وبين اللاعبين كان سقراطس برازيليرو سامبايو دي سوزا فييرا دي أوليفيرا والمعروف بسقراط البرازيلي. الكبير سقراط الذي درس الطب، وبعدها في سن الرابعة والعشرين تفرّغ لكرة القدم. لكنه رفض ربط كرة القدم بالمال، لذلك ترك نادي فيورنتينا الإيطالي عام 1984 وعاد إلى البرازيل ليلعب كرة القدم باستمتاع. انتمى إلى الجماهير، وبقي وفيّاً لصُحبة الأزقة.

تشتهر العشوائيات بتجارة المخدرات وبالاكتظاظ السكاني الكبير. ولكن الإجرام والمخدرات في هذه الأحياء التي تضم ملايين الأشخاص ليس خياراً، بل هو نتيجة الإهمال الطويل من قبل الحكومات. هكذا يقول أهلها وهم بالتأكيد أصدق من السياسيين وحكوماتهم. وهم أصدق من أميركا ومن مشاريعها. لذلك فكرة القدم هي أهم متنفس خاصة للصغار، وبما أنّ عشرات اللاعبين خرجوا من هذه العشوائيات، وتالياً خرجوا من الفقر إلى الرفاهية، من القاع إلى القمّة، فإنّ حلم كل طفل بات أن يثبت نفسه وموهبته للكشافين المتنقلين بين الأحياء المتلاصقة، بهدف الفوز بفرصة خوض التجربة في أحد أندية ريو أو ساو باولو.
كثيرون هم اللاعبون الذين خرجوا من هذه العشوائيات في البرازيل، وخاصة من عشوائيات ساو باولو التي تزيد عن 600، ومدن الصفيح في ريو دي جينيرو التي تقارب الـ550. آخر الخارجين من مدن الصفيح هو مهاجم المنتخب البرازيلي الحالي ونادي مانشستر سيتي الإنكليزي غابرييل خيسوس. في مونديال عام 2014 الذي استضافته بلاده كان خيسوس يعمل مع رفاقه من هواة كرة القدم في الأحياء الفقيرة على تزيين الأزقة، ورسم نجوم المنتخب على الجدران، إلى أن اكتشفه نادي أنيانغيرا وانتقل من هناك إلى بالميراس ومنه إلى إنكلترا، كما سيحمل أحلام «راقصي السامبا» وآمالهم في مونديال روسيا، بعد الخيبة على أرضهم أمام ألمانيا قبل أربع سنوات. باتت صور غابرييل الصغير هي التي ترسم على جدران المنازل المتهالكة.

تشتهر العشوائيات بتجارة المخدرات وبالاكتظاظ السكاني الكبير(أ ف ب )

روماريو صاحب الألف هدف، واسمه الكامل روماريو دي سوزا فاريا، هو أيضاً خرج من فافيلا ريو دي جينيرو. لعب لنادي فاسكو دا غاما، وهاجر بعدها إلى القارة العجوز، ليلعب مع بي إس فيه آيندهوفن الهولندي، وبرشلونة الإسباني، وكان حنينه في عام 2007 لقميص أوّل مرّة، فأنهى مسيرته مع فاسكو دا غاما. وحقّق مع منتخب بلاده لقب كأس العالم عام 1994 في الولايات المتحدة الأميركيّة. في البرازيل يعتبر نادي فاسكو دا غاما واحداً من أهم الأكاديميات التي تكتشف لاعبين من العشوائيات، كما أنّ شقيق روماريو ويدعى رونالدو فاريا هو أحد أبرز الكشافين في أحياء الصفيح في المدينة البرازيلية الساحليّة. وكان روماريو متأثراً بأفكار مسقط رأسه في الأحياء الفقيرة، فكان يرفض الخضوع أو الاستسلام لإملاءات المدربين، وهذا ما كلّفه الغياب عن عدّة مباريات وعن مونديال عام 1998 في فرنسا نتيجة الخلافات مع المدرب ماريو زاغالو ومساعده زيكو.
كابن منتخب البرازيل لسنوات ماركوس إيفانغيليستا دي مورياس والمعروف بكافو، هو أيضاً من نجوم كرة القدم البرازيليّة التاريخيين. ولد وبدأ ممارسة كرة القدم في العشوائيات وتحديداً في «غارديم إيرني» إحدى مدن الصفيح في ساو باولو، ومن هناك ذاع صيته وانتقل إلى نادي شباب ساو باولو في 1988، ولعب مع منتخب البرازيل في 4 نهائيات كأس عالم منذ 1994 في الولايات المتحدة الأميركيّة، إلى فرنسا 1998 وكرويا الجنوبية واليابان 2002 و2006 في ألمانيا، ورفع الكأس في مناسبتين. ولم يتنكّر كافو للأحياء الفقيرة حيث تعلّم أصول الكرة، فعاد وأنشأ مؤسسسة كافو الخيرية لمساعدة الأطفال على التعليم في حي «غارديم إيرني».
الظاهرة رونالدو لم يختبر هذه الحياة القاسية في الأزقة الضيّقة. كانت ظروفه أفضل ليلعب مع نادي ساو كريستوفاو في ريو دي جينيرو في البدايات، قبل أن يصنع المجد بعدها مع ريال مدريد الإسباني، وإنتر ميلانو الإيطالي، ومنتخب بلاده في مونديال 2002. رونالدينيو أيضاً لم يقاس تلك المعاناة، فهو اللاعب الراقص، راسم البسمة على وجوه المشجعين عندما يداعب الكرة. يشبه رونالدينيو مدينته بورتو أليغري، عاصمة الثقافة والفنون في بلاد السامبا، وكذلك كان، فريداً من نوعه على العشب الأخضر، من برشلونة إلى باريس وميلان، وليس انتهاء بفلومينينزي حيث أنهى مسيرته الاحترافيّة.
كثيرون هم اللاعبون الذين خرجوا من هذه العشوائيات في البرازيل(أرشيف)

من فافيلا «فيلا كروزيرو» خرج أحد أبرز الأسماء في السنوات الأخيرة في كرة القدم البرازيلية وهو أدريانو ليتي ريبيرو، ولكنه سرعان ما عاد إليها بعد أن «قتل» مسيرته بيده. في هذه الفافيلا في ريو دي جينيرو يعيش أكثر من 60 ألف شخص، خرج منهم أرديانو ولعب مع نادي فلامنغو، وانتقل بعدها إلى إيطاليا ــ جنة كرة القدم في التسعينيّات وبداية الألفيّة الجديدة ــ ليلعب مع بارما وفيورنتينا وإنتر ميلانو، ولكن مسيرته لم تستمر طويلاً، فعاد إلى الأحياء الفقيرة ولكن ليس على طريقة كافو، بل عاد وغرق في المخدرات، وأنهى حياته الكرويّة باكراً، بعد أن كان واحداً من أبرز المواهب في جيله. في كأس العالم عام 2014 تذمّر البرازيليّون كثيراً نتيجة تقلّص المساحات للعب كرة القدم، واستمرار هجمة الإسمنت إلى «مساحاتهم المقدّسة». يتوجّه البرازيليّون اليوم نتيجة تقلّص المساحات إلى كرة الصالات والكرة الشاطئية، أي شيء، المهم عدم ترك أوكسجين الحياة في بلاد السامبا وهي كرة القدم. وهناك مارس مارسيلو ودافيد لويز، واوسكار وغيرهم الكثير من اللاعبين كرة الصالات قبل التوجه إلى كرة القدم، وهناك من يقول إن موهبة نيمار سببها كرة الصالات، واللعب في الطرقات قبل أن يكون التدريب في الأكاديميّات.
الـ«فافيلاس» حيث يولد النجوم في البرازيل، حيث تولد المواهب وتُصقل، هي العالم، الذي تخرج منه كرة القدم. وسعيد الحظ من يفوز بفرصة للقيام بتجربة مع أحد أندية المدن الكبرى، أو من يراه كشاف يطوف بين الأزقة ليشاهد الأطفال وهم يركلون كرة مصنوعة من القش، أو أخرى من جلد مهترئ، فيأخذ بيدهم إلى طريق النجوميّة، حيث تصبح أحلامهم حقيقة، وتبقى مدن الصفيح محفورةً في قلوبهم بحبٍ وحزن شديدين.


غارديم غلوريا
خرج نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور «الساحر الجديد» من مدينة باريا غراندي أو الشاطئ الكبير، وتحديداً من «فافيلا» غارديم غلوريا أو حديقة المجد. اكتشف والد نيمار موهبة ابنه باكراً فانتقل به إلى بلدة سان فيسنتي غير البعيدة عن مسقط رأسه بهدف ضمّه إلى نادي البلدة، ومن هناك انتقل النجم البرازيلي إلى نادي سانتوس وهو في عمر الـ13 عاماً، حيث سطع نجمه ووصِف بخليفة الجوهرة بيليه، وبعدها انتقل إلى برشلونة الإسباني، ومن هناك إلى باريس سان جيرمان في أعلى صفقة بتاريخ كرة القدم (222 مليون يورو). ورغم نجوميّته لم ينسَ نيمار المكان الذي ولد فيه وأنشأ مع والده مؤسسة «نيمار جي آر» لمساعدة الأطفال الفقراء في مدينة باريا غراندي.