يتفق الجميع على أن اسم بلجيكا ليس كبيراً في عالم كرة القدم، ويتفقون أيضاً على أنه ليس صغيراً، وأن الجيل الأخير يستحق نتائج أفضل. في أية حال، يمثّل المنتخب البلجيكي صورةً عن البلاد، لا لأنه منقسم على نفسه، بل لأنه يتألف من مهاجرين وبلجيكيين فلامونيين وفرنسيين. فنياً، لا يمكن الاستخفاف ببلجيكا، ومن الناحية النظرية، ونظراً إلى إمكانات اللاعبين الموجودين في الفريق، من كيفن دي بروين وادين هازارد ومرتنز وغيرهم، يمكن أن يوضع في خانة المرشحين لإحراز اللقب، أو على الأقل الوصول إلى مرحلة متقدمة. بيد أن التجربة بيّنت تراجع «شخصية» الفريق البلجيكي، عندما يلعب أمام الفرق التاريخية، كذلك فإن مدربه ليس وطنياً، ما يشير إلى أن كرة القدم في بلجيكا حالياً هي «طفرة» لها أسبابها، أكثر من كونها «ثقافة» راسخة وحاضرة. إلا أنه في ظل توافر الإمكانات، كل شيء ممكن.

إحدى عشر مليون نسمة تقريباً تسكن في قطعة جغرافية تغطي مساحة 30,528 كيلومتراً مربعاً غرب أوروبا. الهولندية، الفرنسية والألمانية كل هذه اللغات محكيّة في البلد الذي بات يصدّر لأوروبا أفضل اللّاعبين في كرة القدم. بلجيكا باتت المكان المثالي للأندية للحصول على اللاعبين. وعلى الرغم من بدء هذا الانتشار الكروي في المدن الأوروبية في العقد الأخير، إلّا أن بلجيكا لم تعرف تحقيق نتائج جيدة بعد، ولم تتوج ببطولة أوروبا الأخيرة. ولم تحدِّث الفارق في مونديال البرازيل 2018. وبعيداً عن الأداء السلبي، لا يمكن التشكيك في أن كرة القدم البلجيكية تطورت على نحوٍ لافت. وإذا قارنّا بين ترتيب بلجيكا الحالي وترتيبها منذ 11 سنة، وجدنا أنها ارتفعت وارتقت في سلم الترتيب تصاعدياً. فمن المركز الـ71 عام 2007، وهو الأسوَأ في تاريخها، وصلت إلى المركز الأول في 2015. هذا التطور يجعلنا نغوص في التفاصيل لنبحث عن أسبابه. التحسن لم يكن محض صدفة، بل هو مشروع مخطط له. فمنذ خروج بلجيكا في كأس العالم 2002 على يد الأرجنتين، لم تشارك في أي بطولات دولية حتى أوروبياً لتعود بعد 12 عاماً وتتأهل إلى كأس العالم الأخيرة في البرازيل.
وبعد الخروج من مونديال كوريا واليابان 2002 على يد البرازيل في دور الـ16، واعتزال نجم المنتخب الأول مارك فيلموتس وغيره من اللاعبين، شعر الاتحاد البلجيكي بالخطر لأنه لم يكن يوفّر جيلاً من الشباب للمستقبل، ما جعل العمل على تطوير منتخب شاب أمراً لا مفرّ منه. المدير الفني في ذلك العام ميشيل سابلون، كان المشرف والمخطط الأول. أخذ سابلون يسافر إلى هولندا، فرنسا، ألمانيا وإسبانيا، وذلك بغية التعلم من الآخرين، لا العمل على بناء شيء من العدم. ودخل إلى مدارس الشباب والناشئين فيها، ليعود ويشرح للمسؤولين الفنيين عن كرة القدم والاستراتيجيات المتبعة في هذه الدول، محاولاً مقارنة ما هو حاضر في بلجيكا ووضع يده على الأخطاء بغية إصلاحها. خطة سابلون التي نشرت في كتيّب وُضع في اتحاد كرة القدم البلجيكي، والتي بدأ العمل بها عام 2005، شملت الأندية البلجيكية، المنتخبات البلجيكية على اختلاف فئاتها والمدربين. طلب سابلون توحيد خطة اللّعب في الأندية البلجيكية، خصوصاً الفرق تحت 18 عاماً، وقد ارتكزت الخطة على إلغاء «الليبرو» واعتماد 4 ـ 4 ـ 2 أو 4 ـ 4 ـ 3، أي اللعب بأربعة مدافعين بدلاً من ثلاثة. إقناع الأندية لم يكن بالأمر السهل، فلا يمكنك أن تقنع مدرباً بتغيير خطة يفوز بها إلى خطة غير معتاد لها. وكانت البداية في تطبيق الأربعة مدافعين كارثية، لكن مع الوقت أصبح الجميع يلاحظون تطور اللاعبين هجومياً ودفاعياً مع الأسلوب.
وطلب أيضاً أن تلعب الفئات العمرية الصغيرة على ملاعب الـ«ميني فوتبول» المكونة من 5 لاعبين وحارس مرمى، وبعدها يُزاد اللاعبون إلى سبعة مع تقدمهم في السن، قبل أن ينتقلوا للعب على الملعب الرئيسي بـ11 لاعباً. الهدف من هذا الطلب تطوير إمكانية اللاعب الفنية فردياً والزيادة في سرعة تمريراته وتحسين قدرته في اتخاذ القرارات السريعة. قام سابلون والفريق العامل معه بتسجيل 1500 مباراة للناشئين من مختلف الأندية والسنين العمرية وتحليلها ومشاهدتها أكثر من مرة للحصول على الأخطاء وكيفيّة تحسين اللاعبين وما هي نقاط الضعف. وفي عام 2007 كان الظهور الأول في بطولة أوروبا لمنتخب بلجيكا تحت 17 عاماً، وحاصل المشاركة كان الوصول إلى نصف النهائي، وفي أولمبياد بكين 2008 ظهر مروان فيلايني وفينسنت كومباني حين حلّت بلجيكا في المركز الرابع. عاماً بعد عام، بدأت الأنظار تتوجه إلى الناشئين في المدارس الكروية البلجيكية واللاعبين البلجيكيين الشباب في الأندية الأوروبية.
أرقام بلجيكا تجعلها الثالث في تصنيف الفيفا اليوم، رغم أن منتخبها لم يصعد على منصة التتويج بعد، حتى إنه لم يفز ببرونزية، ما يجعل أداءه مصدراً للشك في ما هو آتٍ. أبرز إنجازات بلجيكا في كأس العالم كان الحلول في المركز الرابع في المكسيك 1986 والربع النهائي مرة واحدة في البرازيل 2014. أما أوروبياً، فكان المركز الثاني في يورو إيطاليا 1980. وسيلعب المنتخب البلجيكي في المجموعة السابعة التي تضّم كلاً من إنكلترا، بنما وتونس. وإذا لم تحدث أي مفاجآت، فإن المنتخب البلجيكي سيعبر إلى الدور الثاني. لكن السؤال: هل سيكون أداؤه مشابهاً لأدائه في البطولتين السابقتين (كأس العالم وأمم أوروبا)؟ المنتخب البلجيكي على صعيد الأسماء من الأفضل في العالم، ومعظم لاعبي المنتخب اليوم يشغلون مراكز أساسية، تحديداً في الدوري الإنكليزي. يعوِّل المنتخب البلجيكي على لاعب تشيلسي إيدين هازارد (27 عاماً) الذي لم يقدّم بعد ما هو مرجوٌّ منه. يتمتع هازارد بالسرعة في انطلاقاته ومراوغاته، إضافة إلى قدرته على التمرير والتسجيل. صنع 4 أهداف وسجل 12 في 27 مباراة خاضها مع تشلسي. كيفين دي بروين (26 عاماً) واحد من أفضل صانعي الألعاب في العالم حالياً، ويشغل مركز خط الوسط، تُوِّج مع فريقه مانشستر سيتي بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز، وصنع أكثر من 10 أهداف، وهو جيد في المراوغة، التمرير، التسديد، الكرات الطويلة والقصيرة. لاعب شبه متكامل. دريس ميرتينز (31 عاماً) قدّم موسماً استثنائياً مع نابولي، وكان قريباً جداً من التتويج بلقب «السكوديتو»، وفي 46 مباراة في مختلف البطولات سجل 21 هدفاً وصنع 9. أسماء أخرى يعوّل عليها المنتخب البلجيكي مثل لوكاكو، ديمبيليه، فيتسل، وفلايني. المونديال المقبل في روسيا سيكون فرصة المنتخب البلجيكي للردّ على كل النقاد، فعنوانه في البطولة كما نشيده الوطني «في الاتحاد قوة». وليس بالبعيد أن يلعب المنتخب البلجيكي دور «الحصان الأسود» ويذهب بعيداً نحو أدوار متقدمة. وهذا ما ينتظره مشجعو البلجيك على الأقل في بطولة قد تكون نهاية «مخيّبة» لجيل «ذهبي».

■ تأهل المنتخب البلجيكي إلى كأس العالم متصدراً مجموعته بـ28 نقطة
■ سجّلت بلجيكا 43 هدفاً، لتكون صاحبة أقوى خط هجوم في التصفيات إلى جانب ألمانيا
■ في التصفيات تلقت بلجيكا ستة أهداف فقط
■ المشاركة في كأس العالم بروسيا، الصيف المقبل، ستكون الثالث عشرة لبلجيكا
■ يبلغ المعدَّل التهديفي لبلجيكا في التصفيات 4,3 أهداف في المباراة.



مارك فيلموتس التاريخي


يعد مارك فيلموتس واحداً من أبرز اللاعبين في تاريخ الكرة البلجيكية، إذ شارك مع منتخب بلاده في أربع بطولات من كأس العالم. كان في دكة اللاعبين البدلاء عام 1990، ولعب في مونديال 1994، ولم يسجل، لكنه سجل هدفين في 1998 (من أصل ثلاثة سجلها منتخبه)، وثلاثة أهداف عام 2002، وهو ما جعله هداف بلاده في كأس العالم برصيد خمسة أهداف. بعد اعتزاله اللعب، دخل غمار السياسة، مترشحاً لمجلس الشيوخ البلجيكي عن حزب الحركة الإصلاحية في الانتخابات الفيدرالية عام 2003، لكنه استقال في 2005. تولى تدريب منتخب بلاده في 15 أيار/مايو 2012 بصفة مؤقتة، حتى تثبيت عقده لعامين، ونجح في إيصال منتخب بلجيكا إلى كأس العالم بعد 12 عاماً من الغياب.

أندرلخت عريس البلجيك


يُعَدّ أندرلخت أنجح أندية بلجيكا في المسابقات الأوروبية، بعد حصوله على خمس بطولات، بالإضافة إلى 33 بطولة دوري محلية. وحصل على أول بطولة كبرى في عام 1947. منذ ذلك الحين حتى الآن لم يكن خارج الأندية الستة الأولى في جميع بطولات الدوري المحلية. لعب النادي في الدوري البلجيكي للمحترفين منذ موسم 1935- 1936. توج مرتين بكأس الكؤوس الأوروبية، مرة بكأس الاتحاد الأوروبي ومرتين بكأس السوبر.


الاستثمار في الاستعمار


استفادت بلجيكا من عدد كبير من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية والعربية المولودين في بلجيكا. فينسينت كومباني (32 عاماً) لاعب مانشستر سيتي وقائد الفريق تعود أصوله إلى الكونغو، إضافة إلى الأخوين لوكاكو جوردان وروميلو، وميتشي باتشواي من الكونغو أيضاً. المفارقة أن الكونغو عانت طويلاً من ويلات الاستعمار البلجيكي، وأن أبناء الكونغو اليوم، هم الذين تعوِّل بلجيكا عليهم. مروان فيلايني وناصر الشاذلي ينحدران من أصول عربية مغربية. كيفين دي بروين، أحد أبرز اللاعبين، من أصول إنكليزية، موسى ديمبلي متوسط ميدان توتنهام من مالي، وأوريجي من كينيا.