من بين مشاركاتها الـ 12 السابقة في بطولة كأس العالم، تحنّ بلجيكا إلى فترة الثمانينيات والتسعينيات، تحديداً إلى مونديال 1986. هناك، تحت شمس المكسيك، تألق البلجيكيون في بطولة كانت شاهدة على إبداعات الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا. هناك، في المكسيك، كان نجم بلجيكي اسمه إنزو شيفو يسحر الجميع بعد دييغو وينال جائزة أفضل لاعب شاب. في ذلك الجيل البلجيكي، كان أيضاً حارس كبير اسمه جان ــ ماري بفاف الذي لعب لبايرن ميونيخ الألماني، وغير قليل أن يكون حارس العملاق البافاري من خارج ألمانيا، وهذا إن دلّ على شيء فعلى كفاءة بفاف. هناك، في المكسيك، حقّقت بلجيكا أفضل إنجاز مونديالي لها عندما وصلت إلى نصف النهائي بعد أن تخطّت «الماتادور» الإسباني في ربع النهائي قبل الخسارة أمام الأرجنتين بهدَفي مارادونا. طبعاً لم يكن بالإمكان تحقيق ما هو أفضل في ظل وجود دييغو.

كان متوقّعاً أن يواصل البلجيكيون تألقهم في المونديال التالي بعد 4 سنوات في إيطاليا عام 1990، إلا أن الحظ لم يبتسم لهم بخسارتهم في دور الـ 16 أمام إنكلترا بعد التمديد، بهدف ديفيد بلات في الدقيقة 119. حينها، كان شيفو أحد نجوم المونديال، رغم المشوار القصير، وحلّ وراء الألماني لوثر ماتيوس في جائزة أفضل لاعب في البطولة، وكان اسمه في تشكيلتها المثالية. بعد انتهاء حقبة شيفو، جاءت حقبة مارك فيلموتس، لكن الكرة البلجيكية كانت قد بدأت مرحلة التراجع. هكذا، لم تتمكن حتى مونديال 2002 من تخطى دور الـ 16. هذا أكثر ما استطاع تحقيقه البلجيكيون.

كان متوقّعاً أن يواصل البلجيكيون تألقهم في المونديال التالي بعد 4 سنوات في إيطاليا عام 1990


في مونديالَي 2006 و2010 شهدت الكرة البلجيكية أسوأ مراحلها وعاشت الصدمة مرتين متتالييتن بفشلها في التأهل. كان التراجع كبيراً ولا مثيل له. كانت مرحلة الفراغ الكبير. وفي 2014 ولد الجيل الذي انتظرته بلجيكا منذ أمد بعيد. توقّع كثر أن يذهب منتخب «الشياطين الحمر»، كما يُلقَّب، بعيداً في مونديال البرازيل مع بروز النجوم إيدين هازار وكيفن دي بروين وروميلو لوكاكو وفينسنت كومباني ويان فيرتونغين ومروان فيلايني ورادجا ناينغولان والحارس ثيبو كورتوا وغيرهم، إلا أن بلجيكا بقيادة فيلموتس ــ الذي أصبح مدرباً ــ ودّعت في ربع النهائي بالخسارة أمام الأرجنتين بهدف غونزالو هيغواين. بالطبع، لم تكن المحصلة مرضية للبلجيكيين، رغم أنهم عادوا إلى ربع النهائي للمرة الأولى منذ التأهل إلى نصف نهائي 1986.
ثم جاء الفشل الثاني الذي كان وقعه أقسى في كأس أوروبا 2016 بالخروج من الدور ربع النهائي بالخسارة أمام ويلز 1-3. أُقيل فيلموتس واختار الاتحاد البلجيكي مدرباً أجنبياً بديلاً له هو الإسباني روبرتو مارتينيز الذي كان يحقق نتائج إيجابية في الملاعب الإنكليزية مع إفرتون. أدرك البلجيكيون أن المشكلة في المنتخب هي مشكلة ذهنية تحتّم التعاقد مع مدرب يستطيع تكوين منتخب منافِس وتحمل صفات البطل، خصوصاً في ظل وجود المواهب والنجوم الذين أُضيفَت إليهم لاحقاً مواهب أخرى أمثال درايس ميرتينز وتوماس مونييه وموسى ديمبيلي وغيرهم.


وأمام هذه التشكيلة القوية تحديداً في الجانب الهجومي، ارتأى البلجيكيون أن يكون النجم والهداف الفرنسي السابق تييري هنري مساعداً لمارتينيز لزيادة الفعالية في هذا الخط، نظراً للخبرة والتجربة الكبيرتين للاعب أرسنال السابق، خصوصاً أن أكثر النجوم يلعبون في الدوري الإنكليزي الذي يعرفه هنري جيداً، كما هي الحال مع مارتينيز. النتيجة جاءت مثمرة، إذ تمكّن منتخب بلجيكا من أن يتصدر مجموعته بـ 9 انتصارات مقابل تعادل واحد، مبتعداً بـ 9 نقاط عن نظيره اليوناني الثاني، وقد كان أول منتخب أوروبي يتأهل إلى المونديال من خلال التصفيات بعد روسيا المستضيفة.

مرشّح للقب أو حصان أسود؟
ما لا شك فيه، أن بلجيكا تمتلك الآن أقوى التشكيلات في مونديال روسيا. الصفوف مكتملة، من حراسة المرمى إلى الهجوم. في كل المراكز هناك نجوم. الأهم من ذلك أن المنتخب البلجيكي يمتلك مقعد بدلاء مميزاً يشكّل فريقاً بحد ذاته يمكنه المنافسة في أي بطولة، وهذا الأمر تتشارك فيه بلجيكا مع ألمانيا وفرنسا وإسبانيا في المونديال الروسي. ميزة منتخب بلجيكا هي قوّته الهجومية، حيث يميل مارتينيز إلى الكرة الهجومية، خصوصاً في ظل وجود لاعبي وسط ومهاجمين يتمتّعون بكفاءة عالية في هذا الجانب. للتذكير، فإن البلجيكيين سجّلوا 43 هدفاً في 10 مباريات في التصفيات، ما معدّله 4 أهداف في المباراة الواحدة، وهو رقم ممتاز تشاركوا فيه مع منتخب ألمانيا فقط. الأهم من ذلك، أن التشكيلة البلجيكية الحالية اكتسبت التجربة والخبرة والنضج، وهذا ما عانت منه وشكّل نقطة الضعف في مونديال 2014. هذا التبدّل يمكن رؤيته بوضوح مثلاً على أداء هازار مع تشلسي، وتحديداً دي بروين مع مانشستر سيتي الذي تطوّر مستواه على نحو هائل وبات يتمتّع بصفات القيادة.
تمكّن منتخب بلجيكا من أن يتصدر مجموعته بـ 9 انتصارات مقابل تعادل واحد


بالحديث عن هذين النجمين، سيشكّل المونديال الروسي محطة مهمة لكليهما في مسيرتهما. بعد مونديال أول خطف فيه زميلهما الشاب ديفوك أوريجي الأضواء منهما (قبل أن يتراجع لاحقاً) تبدو الفرصة سانحة بقوّة أمام هازار ودي بروين لقول كلمتهما وإفراغ كل ما في جعبتهما في مونديال روسيا. تقع بلجيكا في المجموعة المونديالية السابعة التي تضم إنكلترا وتونس وبنما. التأهل إلى دور الـ 16 يبدو في المتناول، حتى إن البلجيكيين سيسعون إلى تصدُّر المجموعة في منافستهم المتوقّعة مع الإنكليز، خصوصاً أنهم يعرفون جيداً خصومهم بالنظر إلى احتراف الكثير من اللاعبين البلجيكيين في «البريميير ليغ» فضلاً عن مشوار مارتينيز كمدرب ومساعده هنري كلاعب فيها. ما هو واضح أن بلجيكا تمتلك جيلاً ذهبياً لم يسبق له مثيل في البلاد. الطموحات كبيرة. ثمة من يرى منتخب بلجيكا منافساً على لقب مونديال روسيا، وآخرون يرشّحونه ليكون «الحصان الأسود». البلجيكيون يفضّلون اللقب طبعاً، لكنه في ضوء المعطيات الحالية، ما زال فضفاضاً عليهم.



رولينبرغ في كل الأماكن
بعد تراجع الكرة البلجيكية بعد مونديال 2002 وغيابها لاحقاً عن خمس بطولات كبرى بين كأس العالم وكأس أوروبا تراجعت شعبية المنتخب البلجيكي في بلاده وتقلّص عدد مشجعيه الذين يؤازرونه في الملاعب. لكن مشجعاً واحداً بقي وفياً لمنتخب بلاده على الدوام. هذا المشجع اسمه لودو رولينبرغ، الذي واصل مرافقة المنتخب في كل مبارياته التي استهلها منذ عام 1990 ولم يغب إلا عن بطولة «كيرين» الوديّة في اليابان عام 1999 بالإضافة إلى مباراتين عام 2006. رولينبرغ استمرّ في تشجيع المنتخب رغم تراجعه في عام 2007 إلى المركز 71 في تصنيف «الفيفا»، حتى أنه كان المشجع الوحيد له في المباراة أمام أرمينيا عام 2009 وأمام أذربيجان عام 2011. وفي كأس أوروبا 2016 فاجأ نجم بلجيكا إيدين هازار الجميع عندما توجّه إلى المدرجات لإلقاء التحية على رولينبرغ في الوقت الذي غادر فيه زملاءه الملعب بعد المباراة أمام المجر. وقال رولينبرغ عن ذلك: «في أيلول 2009 في أرمينيا، كنت المشجع البلجيكي الوحيد. الأمر ذاته حصل أمام أذربيجان في 2011، وأعتقد أيضاً أنني كنت الوحيد أمام كازاخستان عام 2010. هل حاول إيدين مكافأتي على وفائي؟». باختصار، لودو رولينبرغ هو المشجع رقم 1 لمنتخب بلجيكا.


منتخب «البريميير ليغ»!
يبدو لافتاً بين كل المنتخبات المشارِكة في مونديال روسيا أن 15 لاعباً ارتدوا قميص منتخب البلجيكي في الآونة الأخيرة يلعبون حالياً في الدوري الإنكليزي الممتاز، والأهم أنهم في الفرق الكبرى. رقم مدهش طبعاً، لأن هؤلاء يلعبون في دوري الأضواء، والقول إنه الأقوى في العالم هو قول مبالغ فيه إلى درجة السذاجة. ويأتي في مقدمة هؤلاء اللاعبين كيفن دي بروين وفينسنت كومباني مع مانشستر سيتي، وإيدين هازار وثيبو كورتوا مع تشلسي، وروميلو لوكاكو ومروان فيلايني مع مانشستر يونايتد. أما العدد الأكبر، ففي توتنهام، بوجود موسى ديمبيلي ويان فيرتونغن وتوبي ألديرفيريلد. وبطبيعة الحال، ستكون كثرة اللاعبين البلجيكيين في «البريميير ليغ» عاملاً مساعداً لهم في المواجهة الأبرز في مجموعتهم في المونديال أمام إنكلترا، إذ إنهم يعرفون كرتها جيداً.