«دييغو، لم أُشاهد زوجي يبكي في حياته إلّا ثلاث مرّات. الأولى عندما أنجبت ابني ناتشو. الثانية عندما سجَّلتَ الهدف الثاني على إنكلترا. والثالثة عندما استُبعدتَ من كأس العالم 1994 بسبب المخدرات. الآن، أنا متأكّدة بأن دماء زوجي ما زالت تَتَدفّق بسببك، كلّ الانفعالات التي تهُزّه أنت وراءها. لم يبك من أجلي، لكنه بكى من أجلك، ولأنّه يصلي من أجلك، قرّر إشعال شمعتين، وأنا سأفعل الشيء نفسَه وسأجعل ذلك السكون العظيم الذي يصيبه كلما فكَّر بمرضك بأن يدخل إليَّ. سأتأمّل مثله على الرغم من أنّك لست قديساً أحترمه. أعترف بأنّك أثرت غضبي عدة مرّات بغرورك و قذارةِ لسانك، وأعتَرِف بأنني لا أفهمُ الكثير من كرةِ القدم و لا أريد أن أفهم، لكنْ هنالك أمور تجعلني أصلّي لك في كل مساء، ولها علاقة مباشرة بشخصيّتك. فهل تعرف لماذا أصلّي؟ الأمر واضحٌ جِدّاً. فعندما مرت علينا تلك الأيّام التي لم نجد فيها شيئاً نقتات به، أدخلت الفرحة إلى قلوبِنا. كانت تلك أيّام الرئيس راوول حيث عَمّت الفوضى في البلاد في عهده، وكنّا نجوع أكثر من أيّ وقتٍ مضى. كان الشتاء قاسياً، وكان طعامنا القليل هو نفسه الذي نَفطر ونتعشى به. لكن الفوز بكأس العالم كان هدية من السماء خفّفت عنّا المعاناة، وكنت أنت السبب في إدخال الفرحة إلى عائلتي. عندما أسأل زوجي وابني عن ذكرياتِهِما في ذلك العام، لا يذكران إلا اسمك ويتحدثان عنك بسعادة غامرة وعينين دامعتين، فهما نسيا الجوع والألم الذي عانيناه ذلك العام. يجرحني أحياناً بأنّ باقي دول العالم تظن أنّنا بسطاء وسذّج، لكنني أشرح لهم بأننا لا نصلي لذلك الثرثار الذي يملأه الغرور، بل نصلّي لأجل لحظات الفرح القليلة التي عاشتها البلاد في العشرين عاماً الماضية. عندما منعوك من اللعب في كأس العالم بسبب المخدرات، مشيت في الشوارع وأقسم لك بحياة أبنائي الثلاثة، لم أر يوماً العالم يبكي من حولي كما فعل في ذلك اليوم، لقد كان الناس يجرّون أقدامهم الثقيلة خَلفهم في الشوارع والدموع تتساقط في صمت رهيب، بلادنا التي نُحب أصيبت بالشلل، وقلت في نفسي أي شعب نحن، ويومها شعرت بالفخر لأنّ دماء كهذه تجري في عروقي أيضاً. لقد منحت بوجودك في الحياة شعباً حزيناً بعض السعادة، فلماذا لا أبكي وأصلّي لأجلك».

جاء من مدينة لانوس جنوبي بيونس آيرس في الأرجنتين ليسيطر على أوروبا

هذه الرسالة أرسلتها سيّدة أرجنتينيّة إلى دييغو آرماندو مارادونا بعد مونديال 1994، وهو العام الذي تَمّ خلاله إبعاد الأسطورة الأرجنتينيّة عن نهائيات كأس العالم التي استضافَتها الولايات المتحدة الأميركيّة بسبب تعاطيه المخدرات. ربما توضح هذه الرسالة قليلاً من هو مارادونا، وماذا يعني لشعب الأرجنتين. دييغو هو دييغو. لا يشبه أحداً. جاء من مدينة لانوس جنوبي بيونس آيرس في الأرجنتين ليسيطر على أوروبا. لم يتقبّل الأوروبيّون في عام 1982 كيف أنّ أرجنتينيّاً من جنوب الكرة الأرضيّة يتفوّق على أهل الشمال. حرّك الفتى الأرجنتيني النّزعة الاستعماريّة الكامنة داخل الأوروبيين، فكان دائماً يتعرّض للمخاشنة في مبارياته في الدوري الإسباني، حتى إنّه في إحدى المباريات ضد أتلتيك بيلباو «نادي إقليم الباسك» تعرّض لكسر في الكاحل بعد عرقلة من قبل الإسباني أندوني غويكيوتكسيا. كادت تلك الحادثة أن تضع حدّاً لمسيرته الكرويّة. وفي إحدى المرّات، بقي على رصيف برشلونة مدّة ربع ساعة وهو متعرّض لإصابة في قدمه، حيث لم يتم السماح لسيارة الإسعاف بأن تقلّه إلى المستشفى. تعرّض دييغو للكثير من «الاضطهاد» في إسبانيا. حصلت مع مارادونا خلافات متكررة مع إدارة برشلونة، وخاصّة مع رئيس النادي حينها خوسيه لويس نونيز، ليصير في عام 1984 خارج النادي الكاتالوني. يقول الأرجنتيني عن تجربته في برشلونة، «كانت فترة صعبة، مظلمة، ومعقدة. قبل برشلونة، كنت ألعب كرة القدم باستمتاع، لكن ما عشته هناك لم يكن كرة قدم أو رياضة، وصل الأمر إلى توجيه الضربات إلى فمي ووجهي».
من خارج التوقعات، اختار الأرجنتيني نادي الجنوب الإيطالي ليكون وجهته الثانية في 1984 وبقي هناك حتى عام 1991. اختار مارادونا مدينة الجنوب وهي اختارته، فهو يشبه أهلها وهم يشبهونه. جميعهم تعرّضوا للاضطهاد ومحاولات الكسر من أبناء الشمال مدّعي التفوّق. وصل دييغو إلى نابولي وفي فكره ريشة، رسم أحلام الفقراء من خلال كرة القدم، وهم رسموا صوره على جدران منازلهم، وفي الأزقة الضيقة في مدينة الشمس. جلب دييغو بطولة الدوري لأبناء الجنوب في موسمي 1986-1987، و1989-1990، وكأس إيطاليا عام 1987، وكانت أم الإنجازات الفوز بكأس الاتحاد الأوروبي في عام 1989 وكأس السوبر الإيطالي عام 1990. قبل انتقاله من برشلونة إلى نابولي، قال جيامبيرو بونيبيرتي رئيس نادي يوفنتوس السابق إنّ «مارادونا لديه جسد هزيل، لا يصلح للعب ليوفنتوس، ولا يمكنه أن يصل الى مكانة مرموقة في اللعبة». وبعد سنوات عاقبه ابن الأرجنتين على كلماته. ردّ اعتبار أبناء الجنوب الإيطالي ضدّ الشمال المتغطرس. حقّق الأرجنتيني أحلام نابولي، فبعد تتويجهم بالدوري الإيطالي، توجّهوا إلى المقابر وهم يحملون لافتات لمن هم في القبور وكتبوا عليها «لو تعلمون ما الذي فاتكم»، في إشارة إلى تحقيق اللقب وعودة الأمجاد. إنّها نابولي مدينة مارادونا التي تشبهه، هما متشابهان في كل شيء حتى في الأحلام. المدن أوطان ومساحات فرح، ونابولي كانت وطن مارادونا، ومساحة الفرح التي حقّق فيها الإنجازات.

ستة مواسم مع نابولي، كان خلالها مارادونا يصنع المجد أيضاً مع المنتخب الأرجنتيني، فقاده إلى إحراز لقب كأس العالم في عام 1986 في المكسيك على حساب ألمانيا الغربيّة، وفي تلك الكأس صنع مارادونا المستحيل، وسجّل هدفيه الأسطوريين في مباراة إنكلترا في ربع النهائي، وكان أحد هؤلاء الهدفين بيده اليسرى، وقال حينها إنها يده ويد الله التي سجّلت الهدف. كان ذلك الفوز على إنكلترا بمثابة الثأر للأرجنتينيين من الإنكليز بعد سنوات على جرائم البريطانيين في جزر الفوكلاند إبّان الاستعمار. انتصر مارادونا لوطنه، أعاد الاعتبار للأرجنتين بيد الله وليس بيده. بطولات نابولي وكأس العالم 1986 ووصافة مونديال 1990 كانت كفيلة بولادة الكنيسة المارادونيّة. الكنسية التي أسّستها مجموعة من عشاق مارادونا في عام 1998 بمدينة روزاريو هي لعبادة مارادونا، الذي وهب السعادة لشعب بكامله، فبات نحو 200 ألف شخص ينتسبون للكنيسة المارادونيّة ويعبدون ابن مدينة لانوس القريبة من بيونس آيرس، صانع المجد للشعب الأرجنيتي. للكنيسة المارادونيّة صلاة خاصّة بها، كصلاة المسلمين والمسيحيين «دييغو الذي في الملاعب.. لتتقدس يدك اليسرى، لتجلب لنا سحرك. لتكن أهدافك مخلدة كما في السماء كذلك على الأرض، أعطنا بعض السحر كل يوم، اغفر للإنكليز كما غفرنا لمافيا نابولي، لا تَسقط في التسلل ولتحررنا من هافيلانج وبيليه... دييغو». وكما في المسيحيّة كذلك في الكنيسة المارادونيّة، هناك وصايا عشر وهي «لا تدنس الكرة ــ أحب كرة القدم أكثر من أي شيء ــ أعلن حبّك غير المشروط لدييغو ولجمال كرة القدم ــ دافع عن ألوان قميص الأرجنتين ــ بشّر بمعجزات دييغو في جميع أنحاء الأرض ــ كرّم الأماكن التي لعب بها وقمصانه المقدسة ــ لا تشهر اسم دييغو كعضو في فريق فقط ــ اتبع وانشر تعاليم الكنيسة المارادونية ــ اجعل دييغو هو اسمك الأوسط ــ أطلق اسم دييغو على مولودك الأول».
ما تقرأونه ليس جنوناً. إنّها الشعوب الباحثة عن مخلّص، عن ملهم، يخرجهم من المآسي التي تعرّضوا لها والخيبات والهزائم، إلى الانتصارات والفرح. إنّها كنيسة مارادونا، كنيسة المخلّص بالنسبة الى الأرجنتينيين. ما حصل مع مارادونا لا يحصل مع أي لاعب آخر. بيليه ليس معبود البرازيليين، ولا حتى رونالدو لويس نازاريو دي ليما، كما أن ميسي لم يرتق بعد ليصل إلى مصاف مارادونا، ولم ينشئ الأرجنتينيون له كنيسة. مارادونا هو مارادونا لا شريك له عند الأرجنتينيين. إله كرة القدم ومعبود الجماهير الحقيقي. محقق الأحلام والمخلّص.


اللعنة على الفيفا


دائماً ما كان مارادونا يهاجم الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، وربما كان الوحيد الذي يملك الجرأة على فعل ذلك. كان مارادونا يعتبر أنّ الفيفا مؤسسة فاسدة، وتنحاز لمصلحة الأندية والمنتخبات الغنيّة على حساب الفقراء. دائما ما كان يهاجم رئيس الاتحاد الدولي جين ماري فاوستن غوديفرويد دي هافيلانج، المعروف بـ«جواو هافيلانج»، والذي ترأس الاتحاد الدولي منذ 1974 حتى 1998. ولا شكّ أن مارادونا تعرّض للكثير من المضايقات من قبل الفيفا، حتى إنّ خسارة كأس العالم أمام ألمانيا في عام 1990 مشكوك في صحتها بعد ركلة جزاء غير صحيحة، وقيل حينها إنّ الفيفا لم تُرد أن يفوز مارادونا بلقب كأس العالم. وما لم يعجب النظام العالمي، كان علاقة مارادونا المميّزة مع كوبا والرئيس كاسترو، الذي قدّم الدعم الكبير للاعب الأرجنتيني، وقدّم له العلاج عندما كان بحاجة إلى ذلك.


الخروج من نابولي
المسيرة المضيئة لمارادونا مع نابولي الإيطالي، نغّصتها المخدرات. فتقول المعلومات التي نُشرت في الصحافة الدوليّة إنه عندما أراد مارادونا الخروج من نابولي، لفقت له المافيا قضايا المخدرات والتي أدّت مع الوقت في بداية التسعينيات إلى نهاية مسيرته باكراً. حتى إنه تعرّض للكثير من الوعكات الصحيّة بعد عام 1995، وحتى الآن لا يزال يعاني من الوزن الزائد، وغالباً ما يذهب للعلاج في كوبا. لعب مع المنتخب 91 مباراة، سجّل فيها 31 هدفاً.