نتحدث عن جزيرة صغيرة شمال أوروبا. يقطن فيها ما يقارب 320 ألف نسمة فقط، وقبلهم عاش فيها محاربو «الفايكنغ» الذين اشتهروا بقوتهم وصلابتهم. جزيرة منسية لم يكن أحد يقيم لها وزناً. وإذا تردد اسمها على مسامع كثر، كان جوابهم «لم نسمع بها من قبل». قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الجزيرة من بين أفقر الدول في أوروبا، واليوم هي إحدى أكثر الدول المتطورة. يقرع الطبل مرتين كأنها بداية الحرب، ثم يأتي التصفيق بقوة وانسجام، تعرفون هذا المشهد الممتع في مدرجات كرة القدم. لا شك أن عنوان الحديث بات واضحاً. إنها آيسلندا، البلد الذي أحدث المفاجأة حين أصبح أصغر منتخب من حيث المساحة والتعداد السكاني يلعب في بطولة أمم أوروبا في فرنسا 2016. استمرت مسيرة الإنجازات بعد التأهل لبطولة كأس العالم المقبلة، حيث سيكون أيضاً أصغر بلد في تاريخ كأس العالم يشارك في المونديال. ويعتبر التأهل إنجازاً لأن أقصى ما حققه المنتخب «الأزرق» هو الوصول إلى الملحق المؤهل لكأس العالم 2014.

هذا العام لن يجلس الآيسلنديون في منازلهم لمتابعة كأس العالم، بل سيقررون في أي صفٍ من المدرجات سيجلسون في روسيا. يحتل منتخب آيسلندا المركز الـ 22 في ترتيب الفيفا، بينما لم يكن من بين المئة الأوائل في السنوات الأخيرة. تأهل بلد بهذا الحجم ليس مألوفاً لأن دولاً أخرى مثل: جبل طارق، ليشتنشتاين، جزر فاروه، أندورا وسان مارينو لم تسجل سوى 10 أهداف في التصفيات، بينما تلقت شباكها 176 هدفاً. في بطولة أمم أوروبا الأخيرة منذ عامين، تخطى المنتخب الآيسلندي دور المجموعات وأقصى إنكلترا في دور الـ 16، وخرج في الربع النهائي أمام المضيف فرنسا (5-2). ولكي يصل المنتخب الآيسلندي الى كأس العالم، احتاج إلى تخطي أوكرانيا وتركيا اللذين على أقل تقدير حضر واحد منهما في كأس العالم في الـ 20 عاماً الأخيرة. حصد المنتخب الآيسلندي 22 نقطة في التصفيات، ولم يخسر سوى مرتين، فيما سجل 16 هدفاً ليكون بذلك الأقوى هجومياً. وستلعب آيسلندا في المجموعة الرابعة التي تضم: الأرجنتين، نيجيريا وكرواتيا. ولكن قبل الغوص في تفاصيل المجموعة، دعونا نسأل أنفسنا كيف فعلها البلد الذي لم يكن يملك ملعباً «عشبياً» لكرة القدم قبل نصف قرن، وكان ترتيبه قبل عام الـ 133 بحسب «الفيفا».
المناخ الصعب كان يشكل عائقاً في وجه الكرة الآيسلندية، لأن الملاعب العشبية قد تتدهور حالتها بسبب البرد المستمر نتيجة قرب المسافة من القطب الشمالي. وبهدف مواجهة هذا الأمر، قرر الاتحاد الآيسلندي في مطلع الألفية الجديدة إطلاق مشروع جديد وهو العمل على الملاعب المغلقة، مع الحفاظ على المواصفات التقليدية ليصل عددها إلى سبعة. وبالتزامن مع المشروع الجديد، قرر الاتحاد الأوروبي عام 2003 إطلاق مشروع «هاتريك» الذي يعمل على تطوير العشب، فتحول المشروع الآيسلندي من ملاعب مغلقة إلى خليط من الاثنين (المكشوفة منها أيضاً). هذه الخطوة كانت أول الغيث. إن تطوير الملاعب لا يكفي لصناعة لاعبين محترفين (بطبيعة الحال). في عام 2003، لم يكن أي مدرب آيسلندي يحمل رخصة في التدريب (درجة أولى أو ثانية). لذلك عمد الاتحاد الآيسلندي الى إرسال مجموعة من الشبان لتعلّم التدريب في إنكلترا. وفي هذا الخصوص، قال لارس لاغرباك مدرب آيسلندا في وقت سابق «جزء من نجاحنا الذي نحققه هنا هو مجموعة المدربين الذين سافروا وتعلموا جيداً لمدة 6 أو 7 أعوام لينقلوا ثقافة كبيرة إلى دولتنا ساهمت في ما حققناه على المدى البعيد». في نهاية عام 2013، كان 563 مدرباً يمتلكون الرخصة «بي» و165 مدرباً يمتلكون الرخصة «أي» من الاتحاد الأوروبي، بحسب الاتحاد الآيسلندي. يبلغ معدل المدربين بالنسبة إلى التعداد السكاني مدرباً لكل 825 نسمة تقريباً، أما في إنكلترا، مثلاً، مدرب مقابل 11 ألف تقريباً.
صاحب مشروع التدريب هذا، ترافق مع دعم الحكومة للمدارس الكروية والسعي إلى افتتاح أكبر عدد ممكن منها. هكذا يبدأ تدريب الأطفال منذ سن الرابعة، والنظام التدريبي يعتمد على تنمية الشخصية الكروية والثقة لدى اللاعبين والروح القتالية ــ وهذا ما يشتهر به اللاعبون الآيسلنديون ــ إضافة إلى التركيز على القوة البدنية والجسدية. اللافت أيضاً أن الأطفال يحصلون على راتب سنوي بمجرد بدئهم بالتدريب. خمسة وعشرون لاعباً في تشكيلة المنتخب الآيسلندي اليوم، معظمهم تخرجوا في المدارس الآيسلندية وجميعهم محترفون خارج البلد. أبرز الأسماء هو غيلفي سيغوردسون الذي يختصر الكلام الذي ذكر، إذ أصبح أغلى لاعب في تاريخ إيفرتون (45 مليون باوند). إذاً، حصدت آيسلندا ثمار ما قامت به، لكن التحدي الذي سيبقى قائماً هو قدرتها على إنتاج المواهب وتصديرها إلى الخارج، الأمر الذي يمكن اعتباره محتّماً لأن الدوري الآيسلندي لن يكون المكان الأفضل لصقل هذه المواهب، في ظل المنافسة الأشبه بتحدي الأحياء في ما بينها، ومكان الاختبار للاعبين قبل السفر خارج البلاد، ويشارك في الدوري 12 فريقاً. لكن القوة، وعنصر المفاجأة «الجليدي»، في بلاد الجليد، سيتكل على المحترفين خارج الجزيرة.



التكتيك البارد
يحتل المنتخب الآيسلندي المركز الأربعين من حيث الاستحواذ على الكرة من بين 53 منتخباً شاركت في تصفيات كأس العالم. إذ يعتمد أسلوب لعبه على منح الفريق المنافس الكرة والتركيز على الدفاع العالي واللعب البدني، وقليلاً ما نراه يلعب في المساحات. لكن ما يتميز في أدائه أنه يعرف كيف يستغل الفرص القليلة التي يصنعها في المباراة، وبلغت نسبة استحواذه في التصفيات الأخيرة 41.6%، أما معدل الهجمات في المباراة فهو 2.6. إيقاع لعب المنتخب يبدأ بطيئاً لأنه يركز بشكل كبير على الدفاع منذ البداية، لكن الوقت المفضل لديه للهجوم هو ربع الساعة الأخير من الشوط الأول، إذ سجل 7 أهداف في التصفيات ما بين الدقيقة 30 و45. وفي الشوط الثاني، يحاول الحفاظ على دفاعه ويعود بالأسلوب ذاته في الدقائق الأخيرة من الشوط، وسجل ما بين الدقيقة 75 و90 ثلاثة أهداف. حافظ على نظافة شباكه في 5 مباريات، وأكبر انتصار له كان خارج أرضه على حساب تركيا بثلاثة أهداف بلا مقابل.


التاريخ الحديث
◄ المقاطعة الدبلوماسية
أعلنت آيسلندا في آذار/ مارس الماضي مقاطعتها الدبلوماسية لمونديال روسيا 2018، وجاء هذا الإعلان «تضامناً» مع المملكة المتحدة التي لن ترسل مسؤولين رسميين من قبلها إلى العرس الكروي، في خضم قضية تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال. وأوضحت وزارة الخارجية الآيسلندية في بيان «من ضمن الإجراءات المتخذة من قبل آيسلندا هو تعليق جميع المحادثات الثنائية على المستوى الرفيع مع السلطات الروسية. وبالتالي، فإن المسؤولين الآيسلنديين لن يشاركوا في كأس العالم في روسيا خلال هذا الصيف»!

◄ أسطورة الفايكنغ
بدأ إيدور غوديونسون مسيرته في نادي فالور الآيسلندي، وبعد تسجيله 7 أهداف في 17 مباراة، انضم إلى نادي بي أس في آيندهوفن الهولندي وبقي معه موسمين. الخطوة الأبرز التي غيرت حياة غوديونسون كانت انتقاله إلى تشلسي عام 2000 حيث لعب 6 مواسم وسجل 78 هدفاً في 263 مباراة. بعدها، حط رحاله في نادي برشلونة الإسباني وبقي معه ثلاث سنوات، وتوج بلقب دوري أبطال أوروبا. مسيرته مع منتخب آيسلندا بدأت عام 1996 حيث لعب 88 مباراة، مسجلاً 26 هدفاً. وفي عام 2016، شارك في بطولة أمم أوروبا ليعلن بعد ذلك اعتزاله.

◄ صندوق الأطفال
اختير جون داوي بوفارسون (25 عاماً) أفضل رياضي في آيسلندا عندما كان يلعب في النرويج عام 2016، فاستخدم أموال الجائزة للبدء بصندوق للأطفال الذين يرغبون في لعب كرة القدم، لكنهم لا يستطيعون تحمل تكاليفها. أما مدرب المنتخب هيمير هالغريمسون (51 عاماً) فيعمل طبيب أسنان في إحدى الجزر الآيسلندية، وهو بحاجة إلى الطيران أو أخذ قارب للوصول إلى ريكيافيك عاصمة آيسلندا ومركز تدريبات المنتخب. جوهان بيرغ غودموندسون أحد أبرز الأسماء في المنتخب كان بطلاً في ألعاب الفيديو في البلاد ويعمل في فرقة موسيقية قبل أن يصبح لاعباً لكرة القدم. أضف إلى الأمور الثالثة، أنه كلما انضم لاعب جديد الى تشكيلة المنتخب، وجب عليه الوقوف على كرسي والغناء لزملائه.


أبرز اللاعبين
عند الحديث عن المنتخب الآيسلندي، لا بد من الحديث عن بيرغ غودموندسون (بيرنلي)، إيميل هالفردسون (أودينيزي)، ألفريد فينبوغاسون (أوغسبورغ)، آرون غونارسون قائد الفريق (كارديف سيتي)، وسيغردسون غيلفي (إيفرتون). البداية مع آرون غونارسون (29 عاماً) قائد الفريق الذي يلعب في دوري الدرجة الأولى الإنكليزي «شامبيونشيب». يتمتع هذا اللاعب بقدرة عالية على قطع الكرة المشاركة في الهجمة، وهو منظم وملتزم بالأمور التكتيكية التي يضعها المدرب، لكنه يخطئ أحياناً في إمرار الكرات. بيرغ غودموندسون (27 عاماً) يحتل مع فريقه المركز السابع في الدوري الإنكليزي الممتاز «بريمير ليغ»، سجل هدفين وصنع ثمانية أخرى في الدوري، يمكنه اللعب على الجناحين الأيسر والأيمن، ولعب هذا الموسم في كليهما مع فريقه وصنع 3 أهداف في كلا المركزين، يتميز بتوزيعاته ولعب الكرات الثابتة، إضافة إلى التسديد من المسافة البعيدة. ألفريد فينبوغاسون (29 عاماً) هداف فريق أوغسبورغ الألماني هذا الموسم بـ 12 هدفاً وصنع 3 أخرى في 20 مباراة لعبها، يجيد اللعب برأسه، ويعرف كيف ينهي الهجمة بالشكل الأمثل. ومما لا شك فيه أنه سيكون المهاجم الأساسي في المونديال. سيغردسون غيلفي (28 عاماً) اللاعب الأبرز في تشكيلة المنتخب الآيسلندي ليس فقط لأنه الأغلى في تاريخ كرة القدم في البلد الإسكندينافي، بل لأنه يستطيع اللعب في أكثر من مركز، ولعب هذا الموسم في 7 مراكز مختلفة مع إيفرتون، لكن المكان الأفضل له هو وسط الميدان كلاعب محوري ومفتاح في بناء الهجمات، وهو الأفضل على الصعيد الفردي، فيما يتمتع بتسديدات قوية من خارج المنطقة ويشارك بشكل فعال في العملية الدفاعية. وقد خسرت آيسلندا المباراتين الوديّتين أمام المكسيك والبيرو في آذار/ مارس الماضي 3 ــ 0 و3 ــ 1 توالياً.


جدول المباريات

16/6 الأرجنتين x أيسلندا 16:00
22/6 نيجيرياx أيسلندا 18:00
26/6 أيسلنداx كرواتيا 21:00