يتفاخر الشعب البريطاني بأن بلاده هي مهد كرة القدم بشكلها الحديث، ولُعبت أولى المباريات الدوليّة في عام 1872 في مدينة غلاسكو الإسكتلندية بين اسكتلندا وإنكلترا. أكبر فوز للمنتخب الإنكليزي في عام 1882 على منتخب إيرلندا بنتيجة 13 ــ صفر، بينما أكبر خسارة لمنتخب الأسود الثلاثة كان على يد هنغاريا (المجر) بنتيجة سبعة أهداف لواحد في عام 1954. تاريخ طويل ومهد للعبة فعلاً، لكن مشاركات المنتخب الإنكليزي في بطولة العالم ليست مشرّفة لمنتخب الأسود، كونه فشل في إحراز اللقب سوى مرّة واحدة (ملتبسة) كانت على أرضه في عام 1966، فيما كان أفضل إنجازاته هو الوصول إلى الدور ربع النهائي في 6 مناسبات، في سويسرا 1954 ــ تشيلي 1962 ــ المكسيك 1970 ــ المكسيك 1986 ــ كوريا الجنوبيّة واليابان 2002 وفي ألمانيا 2006. لماذا يحدث كل هذا؟

يذهب بعض وجهات النظر في عالم كرة القدم إلى «التطرّف»، والقول إن الإنكليز لا يريدون المشاركة في كأس العالم أو كأس أمم أوروبا، على اعتبار أنّ التركيز لديهم ينصبّ على «دوريهم» التجاري. مليارات الدولارات تصرف هناك في كل موسم، في دورة تتوزع بين عقود اللاعبين ورواتبهم والاعلانات، على اعتبار أن الدوري الممتاز «بريميرليغ» والدوري الأول «شامبيون شيب» يستقطبان الشركات الدعائية الكبرى، ومؤسسات تجارية عملاقة تدفع الأموال مقابل الإعلانات. الأندية الإنكليزية هي من الأكثر كسباً للمال في العالم من خلال الإعلانات وعائدات النقل التلفزيوني. وهذه الأموال ساعدت الأندية الإنكليزيّة على بناء ملاعب على شكل مجمعات رياضيّة ضخمة، تشبه إلى حد كبير المباني التجاريّة أو «المولات التجاريّة» التي تبيع السلع الاستهلاكيّة، ومطاعم الوجبات السريعة. بالنظر إلى تاريخ مشاركات الإنكليز في كأس العالم، فإنّهم لم يشاركوا في أول ثلاث كؤوس للعالم في الأورغواي عام 1930 وفي إيطاليا عندما كانت تُعرف بالجمهورية الإيطاليّة عام 1934، وفي الجمهورية الفرنسية عام 1938، كما أنّ الإنكليز لم يتأهلوا إلى النهائيات في أعوام 1974 في ألمانيا، و1978 في الأرجنتين و1994 في الولايات المتحدة الأميركية. وكما في كأس العالم، لم تكن مشاركات المنتخب الإنكليزي مشرّفة في بطولة أوروبا، حيث ان منتخب الأسود لم يتمكن من إحراز اللقب في أي مناسبة، واكتفى بالوصول إلى نصف النهائي في عام 1996. ولم تشارك بريطانيا في البطولة الأوروبيّة الأولى التي استضافتها فرنسا عام 1960، كما انهم فشلوا في التأهل إلى نهائيات أمم أوروبا في إسبانيا عام 1964.

لم يشاركوا في أول ثلاث كؤوس للعالم في 1930 وفي 1934 وفي فرنسا


واقع كرة القدم الإنكليزيّة وقدرتها القويّة على الاستقطاب يختلفان بين الأندية والمنتخب؛ ففي جميع دول العالم تجد المشجعين يتجمهرون لمشاهدة مباريات ليفربول ومانشستر يونايتد مثلاً، بينما عدد قليل يشجّع منتخب الاسود الثلاثة في كأس العالم أو كأس أوروبا، وهذا مردّه إلى عدم الثقة بالمنتخب الإنكليزي وقدرته على تحقيق الألقاب، كما إلى عدم إحرازه بطولات تذكر في الدورات السابقة. المنتخب الحالي يضم عدداً من النجوم الشباب الذين يعوّل عليهم، ولكن المفارقة في المنتخب هي المدرّب، وهو غاريث ساوثغيت، الذي لا يعتبر من مدربي الصف الأول في أوروبا. كما كان مفاجئاً الإبقاء عليه على رأس الجهاز الفنّي للمنتخب في نهائيات كأس العالم المقررة في روسيا بعد نحو شهر، وذلك مقارنة بمدربين كبار، كمدرب المنتخب الألماني يواكيم لوف، ومدرب الارجنتين الأكثر خبرة خورخي سامباولي، ومدرب البرتغال فرناندو سانتوس، وحتى ديشان مدرب «الديوك» القوية. وبالنسبة إلى المنتخب الإنكليزي الحالي، فقد استدعي ــ في البداية ــ وللمرة الأولى كلّ من اللاعبين هاري ماغوير مدافع نادي ليستر سيتي، وغوردون بيكفورد حارس مرمى إيفرتون، وناثانيال تشالوباه لاعب خط وسط واتفورد، وذلك ضمن قائمة تضم 28 لاعباً اختارها المدير الفني غاريث ساوثغيت. المدرب الإنكليزي استبعد من خياراته الحارس المخضرم جو هارت الذي لم يعد أساسيّاً، وأدخل الثنائي جوردان بيكفورد حارس نادي إيفرتون، وجاك بوتلاند حارس ستوك سيتي الذي من المتوقّع أن يكون هو حارس منتخب الأسود في مونديال روسيا. وعلى المستوى الفنّي يلجأ ساوثغيت إلى اللعب بخطة 3-4-3، أو 3-5-2، في ظلّ الاعتماد على هاري مغواير لاعب ليستر سيتي، وجون ستونز مدافع حامل لقب الدوري الإنكليزي مانشستر سيتي، والذي لم يقدم مستوى جيّداً خلال الموسم في مركزه في قلب الدفاع. ومن المتوقع أن يلجأ ساوثغايت إلى الاعتماد على لاعب ليفربول الصغير السن ترينت الكسندر أرنولد (19 عاماً)، مع الاستمرار على كايل والكر لاعب السيتيزنز كأساسي، وفي الجهة اليسرى يعتمد على رايان برتراند لاعب ساوثهامبتون. ومن نقاط الضعف في وسط الملعب سيكون قائد الأسود «وهذه مفارقة» لاعب ليفربول العادي جداً جوردان هندرسون. ويعاني المنتخب الإنكليزي من صعوبة في إيجاد صانع ألعاب بمستوى كبير ليعوّض لاعب آرسنال جاك ويلشير، العائد من إصابة أبعدته لوقت طويل جداً عن الملاعب، وأصلاً ساوثغيات استبعده. وفي خط الهجوم سيكون هداف نادي العاصمة توتنهام هاري كاين، إلى جانب زميله ديلي آلي، وجناح السيتي رحيم سترلينغ بينما سيكون لينغارد وماركوس راشفورد ثنائي مانشستر يونايتد من الخيارات المتوافرة للمدرب على دكة البدلاء. أسماء «موهوبة»، لكن يبقى السؤال عن الجدية.
منتخب بلاعبين صغار سيكون في مونديال روسيا في مجموعة سهلة نسبيّاً تضم بلجيكا كمنتخب قوي، إضافة إلى بنما وتونس، وبالتالي فإن الهدف سيكون الذهاب بعيداً في الدوريات الإقصائية، ولكن المخاطرة ستكون بعدم وجود عناصر خبرة بعد رحيل القائد السابق ستيفن جيرارد، وفرانك لامبارد، وغيرهما من اللاعبين أصحاب الخبرة الكبيرة في وسط ميدان منتخب الأسود، كما أنّ المدرب لا يمتلك خبرة المواعيد الكبيرة. وفي هذا الإطار أيضاً لا يمكن الاعتماد على اللاعبين الصغار السن، لكون مشاركات الأندية الإنكليزيّة أوروبيّاً لم تكن موفقة «باستثناء ليفربول هذا الموسم»، ولم تتمكن أندية الصف الأول كقطبي مدينة مانشستر «السيتي واليونايتد» إضافة إلى تشيلسي وآرسنال وليفربول من الفوز بلقب دوري ابطال أوروبا في المواسم العشرة الأخيرة، وكانت آخر كأس أوروبيّة على مستوى «التشامبيونز ليغ» في إنكلترا عام 2010 بعد فوز تشيلسي على بايرن موينخ، رغم أنه لم يكن مرشحاً للقب، ورغم أن المباراة أجريت في ميونخ.
مؤشرات كثيرة تدلل على ضعف الإنكليز أوروبيّاً، وعدم قدرتهم على مجاراة أندية الصف الأوّل كألمانيا وإسبانيا، كما أن الرؤية لتشكيل منتخب قوي قادر على المنافسة قاريّاً ودوليّاً غير موجودة بشكل واضع في الاتحاد الإنكليزي، على غرار الاتحاد الألماني أو الإسباني وحتى الفرنسي.



لاعب ومدرب متواضع
مدرب المنتخب الإنكليزي الحالي غاريث ساوثغيت هو لاعب كرة قدم سابق كان يلعب في مركز الدفاع، وسبق له أن شارك مع منتخب الأسود كلاعب في كأس العالم لكرة القدم بين 1955 و2004. لعب خلال مسيرته الاحترافيّة 504 مباريات دوليّة سجل خلالها 26 هدفاً. تولّى تدريب منتخب إنجلترا في 28 سبتمبر 2016، خلفاً للمدرب سام آلاردايس المستقيل. لعب من عام 1955 حتى 1988 مع نادي كريستال بالاس، وشارك معه في 152 مباراة وسجل 15 هدفاً. بين عامي 1955 و2001 لعب 192 مباراة مع آستون فيلا وسجّل 7 أهداف، وكانت نهاية مشواره مع ميدلزبره حيث لعب له بين 2001 و2006. وعلى مستوى التدريب، ترأس ساوثغيت الجهاز الفني لنادي ميدلزربه بين 2006 و2009، ودرب المنتخب الإنكليزي تحت 21 سنة بين 2013 و2016.


تشكيلة اللاعبين الـ 23
حراسة المرمى: جاك باتلاند (ستوك سيتي)، جوردان بيكفورد (ايفرتون)، نيك بوب (بيرنلي).
الدفاع: كايل ووكر (مانشستر سيتي)، جون ستونز (مانشستر سيتي)، هاري ماغواير (ليستر سيتي)، كيران تريبييه (توتنهام هوتسبر)، داني روز (توتنهام هوتسبر)، آشلي يونغ (مانشستر يونايتد)، فيل جونز (مانشستر يونايتد)، غاري كايهل (تشلسي)، ترينت ألكسندر- أرنولد (ليفربول).
الوسط: إيريك داير (توتنهام)، ديلي آلي (توتنهام)، جيسي لينغارد (مانشستر يونايتد)، جوردان هندرسون (ليفربول)، روبن لوفتوس - تشيك (كريستال بالاس)، فابيان ديلف (مانشستر سيتي)
الهجوم: جايمي فاردي (ليستر)، ماركوس راشفورد (مانشستر يونايتد)، رحيم سترلينغ (مانشستر سيتي)، هاري كاين (توتنهام)، داني ويلبك (أرسنال).