بعد «صفعة» شاكيرا، تلقت دولة الاحتلال الإسرائيلي، أول من أمس، صفعة جديدة، تمثّلت بإلغاء المباراة الودية التي كانت مقررة بين المنتخبين الأرجنتيني والإسرائيلي في القدس المحتلة. وكان إجراء المباراة سيشكّل «نقطة إيجابية» للاحتلال، الذي يسعى لتبييض صورته، وللترويج لمشاريعه الاستيطانية، إلا أن ضغوطات من اللاعبين الأرجنتينيين ومن مدربهم، أثمرت إلغاء المباراة. وكان في مقدمة اللاعبين الرافضين، قائد الفريق وأسطورته ليونيل ميسي، إلى جانب لاعبين مهمين آخرين مثل غونزالو هيغواين، مهاجم يوفنتوس الإيطالي.

حتى منتصف ليل الثلاثاء ــ الأربعاء، كان الأمر مجرد «شائعات»، أي الحديث عن إلغاء المباراة بين الأرجنتين ومنتخب الاحتلال الاسرائيلي. ولكن، سرعان ما تأكد الخبر: اللاعبون رفضوا اللعب، والاتحاد الأرجنتيني استجاب لضغوطات اللاعبين والمدرب، إضافة إلى دعم من أرجنتينيين مؤيدين للقضية الفلسطينية، ورافضين لدولة الاحتلال. التصريح الرسمي الأول، كان من وزير الخارجية الأرجنتيني الموجود حالياً في الولايات المتحدة الأميركية. في أول تعليق رسمي أرجنتيني على الموضوع، قال خورخي فوري، أول من أمس الثلاثاء (5 حزيران/يونيو): «بحسب ما أعرف، اللاعبون لا يرغبون في خوض المباراة»، مضيفاً: «حتى المدرب خورخي سامباولي طلب عدم إقامة مباراة ودية أخرى قبل المونديال، وأن يكون التركيز على المباراة الأولى للمنتخب في 16 حزيران/يونيو». هكذا، حاولت «الدبلوماسية» الأرجنتينية التملّص من الضغوطات التي بذلت لإلغاء المباراة. لكن في الواقع، لم يخفِ سامباولي سابقاً عدم حماسته لخوض هذه المباراة في التاسع من حزيران/يونيو، لا سيما أنها ستتطلب من المنتخب السفر إلى فلسطين المحتلة من برشلونة، حيث يقيم المنتخب الأرجنتيني معسكره، قبل السفر مجدداً إلى روسيا. وتحدثت التقارير الصحافية الأرجنتينية ليل أمس الثلاثاء (5 حزيران/يونيو) فجر الأربعاء عن احتمال تعليق المباراة أو إلغائها أو نقلها من القدس إلى حيفا، بينما آثر الاتحاد الأرجنتيني للعبة عدم تأكيد التقارير، قبل صدور التأكيد الرسمي. حتى سامباولي، لم يرغب بالدخول في «سجالات سياسية»، قد تشتّت تركيز لاعبيه قبل الموعد الكبير في روسيا، إلا أن موقف إلغاء المباراة يبقى موقفاً إيجابياً.

هيغواين: بإلغاء المباراة في نهاية المطاف تمكنّا من القيام بما هو ملائم منطقياً


وعلى عكس ما حاولت وسائل الإعلام الإسرائيلي الترويج، تأكيد إلغاء المباراة جاء من بوينوس آيرس بعد إعلان السفارة «الإسرائيلية» الخبر، حيث كان المقرر أن تقام المباراة بين المنتخبين الأرجنتيني والإسرائيلي في القدس. وجاء الإعلان بعد ساعات من ترجيح تقارير صحافية أرجنتينية إلغاء المباراة التي تأتي ضمن استعدادات المنتخب الأرجنتيني لكأس العالم، وذلك في أعقاب احتجاجات الفلسطينيين على هذه المباراة و«حساسية خوضها في القدس»، إضافةً إلى «عدم تحمّس الجهاز الفني لهذه المباراة». وحده، مهاجم يوفنتوس الإيطالي غونزالو هيغواين، كان صريحاً. كان أول اللاعبين الذين قالوا إن المباراة ألغيت عملياً، وقال: «في نهاية المطاف، تمكنّا من القيام بما هو ملائم، أولاً الصحة والمنطق. نعتقد أن الأفضل كان عدم الذهاب». ونقلت «هآرتس» عن هيغواين (لم يتحدث مع الصحيفة لكنها نقلت حديثه عن وكالات أنباء)، اعتراضه مع اللاعبين الأرجنتينيين على «الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين»، ليكون أول تعليق من اللاعبين على المسألة. وإلى هيغواين، نقلت صحف إيطالية، أن اعتراضات جدية سُجّلت من اللاعبين للذهاب إلى القدس المحتلة، وكان في مقدمة المعترضين قائد الفريق ليونيل ميسي، وزميله السابق في برشلونة ماسكيرانو. أما سامباولي، قال في وقت سابق معترضاً على المباراة: «لست أنا صاحب قرار من يلعب وأين، لكن من الواضح أننا كنا نرغب بالتخلي عن هذه المباراة والبقاء في برشلونة»، وجاء هذا التصريح بعد مباراة هايتي في بوينوس آيرس بعد سؤاله عن المباراة، وفاز المنتخب على مضيفه 4ــ0. هكذا، وبدور كبير، كما يتضح «بين سطور» تصريحات اللاعبين والمدربين، فإن ليونيل ميسي لعب دوراً كبيراً في إلغاء المباراة، وفي «تحريض» زملائه على الرفض.
وبدأ المنتخب معسكره التحضيري في برشلونة في 31 أيار/مايو، وكان من المقرر أن يسافر إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل يوم الجمعة. والمفارقة أن المباراة كانت ستلعب على استاد «تيدي كوليك» المشيّد من الاحتلال على أرض مستوطنة أقيمت فوق قرية «المالحة» الفلسطينية. وبحسب تقارير صحافية أرجنتينية، كان من المقرر أن يحصل الاتحاد المحلي على بدل مالي يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين دولار أميركي لقاء المباراة، إلا أن ذلك لم يعن اللاعبين شيئاً، بل فضلوا أن يتخذوا موقفاً، مهما كانت أسبابه، إلا أنه يبقى موقفاً صائباً وأخلاقياً، برفض اللعب في أراضٍ محتلة، وأن تكون أسماؤهم «محطة» لتلميع هذا الاحتلال. وسيلعب المنتخب الأرجنتيني وصيف البطل ألمانيا في النسخة السابقة من كأس العالم في البرازيل 2014، في المجموعة الرابعة التي تضم كلاً من آيسلندا، كرواتيا ونجيريا، حيث يستهل مشواره في 16 حزيران/يونيو بمواجهة آيسلندا، ثم كرواتيا ونيجيريا توالياً.

بطاقة حمراء لليبرمان
بعد «الصفعة»، عبّر وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، اليوم، عن أسفه لإلغاء المباراة، معتبراً أن الفريق الأرجنتيني «خضع للذين يضمرون الكراهية لإسرائيل». وبعيد إعلان السفارة الإسرائيلية في بوينوس أيريس إلغاء المباراة الودية، على خلفية ما زعمت أنه «تهديدات واستفزازات» ضد النجم ليونيل ميسي، قال ليبرمان: «من المؤسف أن فريق كرة القدم الأرجنتيني لم يقاوم ضغوط الذين يضمرون الكراهية لإسرائيل، وهدفهم الوحيد انتهاك حقنا الأساسي في الدفاع عنّا وتدمير إسرائيل». في غضون ذلك، لم يصدر أي رد فعل بعد من الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، فيما ذكرت تقارير صحافية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اتصل بالرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، ليطلب منه إقناع الفريق بعدم إلغاء زيارته. بيد أن الأخير رفض طلب نتنياهو التراجع عن إلغاء المباراة، وفق ما ذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم».



BDS «حققت نصراً كبيراً»
في إطار ردود الفعل الإسرائيلية، أفاد الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، نقلاً عن صحف أرجنتينية، بأن المباراة ألغيت «بسبب ضغوط سياسية (لم توضحها)»، مشيرة إلى احتمال إجراء المباراة في مكان محايد لاحقاً، من دون تحديد موعد. واعتبرت الصحيفة أن حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) «حققت نصراً كبيراً على إسرائيل». من جانبٍ آخر، ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن لاعبي المنتخب الأرجنتيني ميسي وخافيير ماسكيرانو، هما اللذان ضغطا من أجل إلغاء المباراة مع إسرائيل. وأشارت إلى أن اللاعبَيْن طلبا من قادة المنتخب عدم المخاطرة بسبب الضغوط السياسية التي مورست على المنتخب لإلغاء المباراة. ونسبت «معاريف» هذه الأنباء إلى قناة «فوكس سبورت» الأميركية. الإعلان عن إلغاء المباراة دفع بمئات الفلسطينيين في قطاع غزة للاحتفال، بينما أصدر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بياناً في رام الله في الضفة الغربية المحتلة، شكر فيه ميسي وزملاءه «الذين رفضوا أن يكونوا جسراً لتحقيق مآرب غير رياضية». وقال رئيس الاتحاد، جبريل الرجوب، إن «إرادة القيم والأخلاق ورسالة الرياضة انتصرت اليوم، وتم رفع البطاقة الحمراء بوجه إسرائيل بإلغاء هذه المباراة». بدورها، رحبت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بالقرار الأرجنتيني. وفي تغريدة على حسابها في موقع «تويتر»، رحّبت بـ«خبر إلغاء مباراة كرة القدم الوديّة لمنتخب الأرجنتين استجابةً للضغوطات التي أطلقها نشطاء لإلغاء المباراة، التي تعمل على تبييض الجرائم الإسرائيلية».