في الحادي عشر من حزيران/ يونيو 1990 استقبلت مدينة جنوى في إيطاليا أبناء البحر الكاريبي. يومها لعبت كوستاريكا أول مباراة لها في كأس العالم وفازت على اسكتلندا (1-0). بعدها خسرت أمام البرازيل بنفس النتيجة لتعود وتفوز على السويد (2-1) في المباراة الأخيرة لدوري المجموعات وتحدث المفاجأة بالتّأهل للدور الثاني من المشاركة الأولى. فازت تشيكوسلوفاكيا بنتيجة عريضة في ذلك الدور بأربعة أهداف مقابل واحد لينتهي الحلم الكوستاريكي. ظن الجميع أن ما حدث لن يتكرر في تاريخ كوستاريكا، إلّا أن المونديال الأخير في البرازيل أعاد إحياء الذاكرة «التسعينية» بعد 24 عاماً. تخطى منتخب الـ«تريكولور» دور المجموعات متصدراً المجموعة بـ 7 نقاط. وبعد التعادل أمام اليونان (1-1) تألق كيلور نافاس في ركلات الترجيح ليعبر منتخب بلاده إلى الربع النهائي.

أمام هولندا في الربع النهائي، انقلب السحر على الساحر لتخرج كوستاريكا بركلات الترجيح. يمكن اعتبار المجموعة التي وقعت فيها كوستاريكا في 2010 أصعب من مجموعتها هذا الصيف على الورق طبعاً، ففي البرازيل تصدّرت المجموعة أمام إيطاليا، إنكلترا والأوروغواي، أما هذا العام فالمنتخبات الثلاثة أكثر شباباً واندفاعاً في السنوات الأخيرة هم البرازيل، سويسرا وصربيا. المهمة لن تكون سهلة بالنسبة لأبناء الوسط في القارة الأميركية والذين يلعبون للمرة الخامسة في كأس العالم.
البلد الذي ألغي فيه الجيش عام 1949، ويعتمد فقط على عناصر الشرطة، يعتبر من بين أكثر الدول اللاتينية استقطاباً للسياح. ينمو اقتصاد البلاد هناك سنوياً ولا يعاني السكان من الفقر المدقع وآثاره، وغيرها من المشكلات الشائعة في أماكن أخرى من القارة اللاتينية، بل يمكن الحديث عما يشبه «الطبقة الوسطى الكوستاريكية». على الرغم من قلة الثروات، إلا ان مفهوم «دولة الرعاية» ما زال قائماً هناك بصورةٍ نسبية. فالتعليم إلزامي ومجاني كما الخدمات الصحية والاجتماعية متوافرة للجميع. ما يقارب 23% من مساحات البلد هي محميات طبيعية عامة. كل هذه الأمور وأكثر قد تكون سبباً في تطور الكرة الكوستاريكية، إلى جانب الشغف اللاتيني طبعاً. معظم لاعبي المنتخب الكوستاريكي يلعبون في القارة الأميركية. وعشرة ممن حضروا في التشكيلة التي تم استدعاؤها إلى المباراة الأخيرة يلعبون في الدوري الكوستاريكي، الذي يشارك فيه 12 فريقاً يخوض الأربعة الأوائل منهم الدور النهائي على شكل مجموعة واحدة. أبرز الفرق الكوستاريكية وأكثرها تحقيقاً للبطولات محلياً وقارياً ديبورتيفو سابريسا بـ 33 لقباً في الدوري الكوستاريكي وثلاثة ألقابٍ في «الكونكاكاف». وحل الفريق ثالثاً في كأس العالم للأندية عام 2005 وهو أفضل إنجازات الأندية الكوستاريكية. وقدم الفريق أربعة لاعبين للمنتخب ليكون بذلك أكثر الفرق المحلية حضوراً في تشكيلة المنتخب. وبعيداً عن الأندية الكوستاريكية، فإن تشكيلة المنتخب فيها أربعة لاعبين فقط تحت سن الـ 27 فهو منتخب «عتيق» إذا صح التعبير.

يعدّ براين رويز (32 عاماً) لاعب سبورتنغ لشبونة أبرز الأسماء في المنتخب الكوستاريكي


المنتخب يشكل سفيراً للبلاد بنظر الشعب. فالغاية ليست ارتداء القميص الذي يحمل ألوان العلم الكوستاريكي فقط، ولكن بنظرهم كلما ارتفع النشيد الوطني «الوطن النبيل، علمك الجميل» في مباراة يخوضها الفريق يجب تقديم أفضل المستويات. الحالة التي أحدثها المنتخب الكوستاريكي جعلت الأضواء مسلطةً عليه، ولكن يبدو أن ما فعله منتخب «الموت» لن يتكرر. فقد قرع جرس الإنذار في مباراة تونس الودية التي خاضها المنتخب في 27 آذار/ مارس من العام الحالي حيث أظهر شخصيةً مهتزة وعقماً هجومياً واضحاً، ما أدى إلى الخسارة بهدف دون رد. في تلك المباراة، أظهرت كتيبة أوسكار راميريز المدرب المحلي عدم استعدادها لكأس العالم وحاجتها الى تحسين المستوى، وخاصة في ما يتعلق بالاستحواذ على الكرة والتحكم بها وتناقلها. الإعلام الرياضي الكوستاريكي كان واضحاً في هذا الخصوص بعد تلك المباراة، والعنوان الأبرز كان «المنتخب التونسي أكد للمنتخب الكوستاريكي أنه ليس مستعداً بعد».
تأهل المنتخب الكوستاريكي كثاني الفرق بعد المكسيك في تصفيات «الكونكاكاف» بست عشرة نقطة، المباراة الأخيرة كانت أمام الهندوراس. توزيعة من رودني والاس لاعب نيويورك سيتي وصلت إلى رأس كيندال واتسن القادم من فريقه فانكوفر في كندا ليتعادل المنتخب الكوستاريكي في الوقت القاتل ويتأهل للمشاركة في روسيا 2018. الهدف الأخير في التصفيات يلخص الكثير من أسلوب لعب المنتخب الكوستاريكي الذي يركز كثيراً في لعبه على الكرات العرضية والضربات الركنية والثابتة ومعظم الأهداف في التصفيات جاءت بهذه الطريقة، وإذا عدنا إلى البرازيل فإن ثلاثة أهداف من أصل خمسة سجلت من كرات عرضية، منها اثنان بالرأس. فالمنتخب الكوستاريكي يعتمد على القامة الفارعة للاعبيه والقوة البدنية التي يتمتعون بها، فهم أشبه بالمنتخبات الأفريقية من هذه الناحية وليس اللاتينية. وإذا أردنا أن نجد لهم شبيهاً في القارة الأميركية يمكن أن تكون الأوروغواي، لأن الفريقين يركزان كثيراً على الدفاع العالي والمتماسك، ويبقى الفرق طبعاً على الصعيد الفردي. الأرقام قد تؤكد ذلك، فمعدل التدخلات الناجحة لقطع الكرة يتعدى العشرين في المباراة الواحدة وهو رقم عالٍ، في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة التمرير الصحيحة حوالى 74%. أما نسبة الاستحواذ في المباريات الأخيرة فلا تتعدى الـ 41%. أما فردياً، فإن المنتخب الكوستاريكي قد يكون الأضعف من بين المنتخبات اللاتينية، فمعدل المراوغات الناجحة 4.6 مراوغات/ المباراة والرقم متدنٍ جداً مقارنة بالمكسيك مثلاً، إذ يتخطى المعدل 8 مراوغات/ المباراة أو في البرازيل والبيرو أكثر من 12 مراوغة/ المباراة.
يعدّ براين رويز (32 عاماً) لاعب سبورتنغ لشبونة البرتغالي أبرز الأسماء في المنتخب الكوستاريكي. كان عمره 15 عاماً عندما خطا أولى خطواته في عالم الساحرة المستديرة. هجره أباه وهو صغير ليترعرع في منطقة فقيرة في سان خوزيه، عاصمة كوستاريكا. كانت الكرة ملجأه وملاذه ومتنفسه. هو برايان رويز غونزاليز، لاعب سبورتينغ لشبونة وقائد المنتخب الكوستاريكي لكرة القدم. قدم أداءً جيداً في مونديال 2014، وهو اللاعب القادر على إعطاء الحلول الفردية للفريق ويمكن اعتباره «الجوكر» لأنه يلعب في كل المراكز في وسط الميدان، ويتمتع بقدرة عالية في التمرير والتوزيع والحفاظ على الكرة، ويعدّ مفتاحاً مهماً للعب في المنتخب نظراً إلى التجربة التي خاضها أوروبياً، لكنه يعد ضعيفاً نوعاً ما في افتكاك الكرة أي في العمل الدفاعي. براين أوفيديو (27 عاماً) ثاني الأسماء التي يمكن التعويل عليها، لاعب سندرلاند الإنكليزي سجل هدفين وصنع أربعة هذا الموسم، وهو قوي على الصعيد الدفاعي ولديه قدرة تركيز عالية في الظهير الأيسر، يتمتع أيضاً بمهارة فردية عالية. ورغم أن فريقه هبط إلى دوري الدرجة الثانية، الا أنه يعتبر واحداً من أفضل المدافعين في دوري الدرجة الأولى الإنكليزي «شامبيون شيب». وإذا تحدثنا عن كوستاريكا، فلا بد من الحديث عن كيلور نافاس (31 عاماً) حارس ريال مدريد والذي كان اكتشاف مونديال 2014. يتمتع نافاس بردة فعل سريعة، وما قد يميزه هو قدرته على التصدي للكرات القريبة منه والكرات الثنائية «راس براس». وحقق الحارس الذي يعد واحداً من الأفضل في العالم 10 ألقاب مع الريال، لكنه عرف أيضاً إنجازات مع ديبورتيفو سابريسا عندما فاز بـ«الكونكاكاف» عام 2005. في المونديال، يسعى أبناء «الساحل الغني» إلى إثبات أنهم لم يصلوا إلى ربع النهائي في المونديال الماضي بالصدفة، إنما بالعزيمة والجدّ والشغف الكروي.



محطات
◄ بولانيوس خارج المونديال
تعرض لاعب وسط المنتخب الكوستاريكي كريستيان بولانيوس لكسر في الكاحل الأيمن، ما يعني غيابه عن بطولة كأس العالم 2018 في روسيا. وأكد نادي ديبورتيفو سابريسا في آذار/ مارس في بيان على موقعه الإلكتروني «وجود كسر في الكاحل الأيمن» للاعب، ما يتطلب خضوعه لجراحة. وكان كريستيان بولانيوس (33 عاماً) قد شارك في مونديالين سابقين مع كوستاريكا عام 2006 و2014.

◄ نافاس الحارس التاريخي
بعد المباراة الودية الأخيرة لكوستاريكا أمام المنتخب التونسي، أصبح كايلور نافاس لاعب ريال مدريد أكثر حارس يخوض مباريات مع المنتخب الكوستاريكي برصيد 77 مباراة متفوقاً على إيريك لونيس (76 مباراة). وبدأ نافاس مع المنتخب الكوستاريكي في عام 2008 وما زال مستمراً في ارتداء قميص المنتخب حتى اللحظة، وساهم بشكل كبير في تأهل بلاده الى مونديال روسيا الصيف المقبل.

◄ مديح اسكتلندي
تحدث أندي روكسبورغ مدرب اسكتلندا في مونديال 1990 بعد مونديال 2014 وعاد بذاكرته إلى الهزيمة التي تلقاها منتخب بلاده من كوستاريكا في كأس العالم في إيطاليا، قائلاً «الكل ألقى اللوم علينا في ذلك اليوم، لكن كوستاريكا هزمت السويد أيضاً التي كانت تعتبر منتخباً قوياً»، مضيفاً «كانت كوستاريكا فريقاً جيداً في ذلك الوقت وهم فريق جيد الآن».

◄ والتر سينتينو
أفضل لاعبي خط الوسط الذين لعبوا في صفوف المنتخب الكوستاريكي، وهو الأكثر مشاركةً مع المنتخب أيضاً بعدما مثّل بلاده في 137 مباراة. تميز بتمريراته الحاسمة والدقيقة، وبقوته وصلابته في قيادة الفريق. كان لاعباً أساسياً وثابتاً خلال أعوامه الـ 14 مع المنتخب، قبل أن يعلن اعتزاله اللعب الدولي عام 2009 بعدما خسر المنتخب حظوظه في التأهل لكأس العالم 2010.


جعبة «التيكوس»


في الثامن عشر من أيلول عام 1502، وفي رحلته الرابعة والأخيرة لاستكشاف العالم الجديد، وطأ كريستوفر كولومبس أرضاً جديدة غنية عُدّت في ما بعد من أكبر الدول المستضيفة للتنوع البيولوجي في العالم. سكانها يعيشون حياة طويلة وسعيدة، فبحسب مؤشر «الكوكب السعيد» لسنة 2013، صنفت بأنها أسعد بلدان الأرض. اعتاد سكانها المحليون ارتداء الحلي الذهبية في أنوفهم وآذانهم، فأُطلق عليها اسم «كوستاريكا»، أي الساحل الغني بالإسبانية. كغيرها من دول أميركا الوسطى، تشتهر كوستاريكا بأنها مقصد سياحي مهم، فبلاد الغيتار والـ«سوكا» التي تميزت بيئياً برزت أيضاً على الصعيد الكروي، إذ يعتبر المنتخب الوطني الكوستاريكي لكرة القدم من أنجح منتخبات دول أميركا الوسطى. وهو المنتخب الوحيد بينها الذي لعب في أربع نسخات من بطولة كأس العالم. في جعبة «التيكوس» ألقاب كثيرة على مستوى بطولات دول أميركا الوسطى. فقد ربحوا كأس الكونكاكاف 3 مرات، وكأس أميركا الوسطى للأمم (الأونكاف) 6 مرات، وهم حاملو لقب بطولة أميركا الوسطى والكاريبي للمنتخبات 7 مرات. لكن عالمياً، لم يتمكن المنتخب الكوستاريكي من الوصول إلى أدوار متقدمة في بطولة كأس العالم، كما شهدت الكرة الكوستاريكية مشاكل عديدة في الفترة التي تلت خروج المنتخب من مونديال البرازيل. فرئيس اتحاد كوستاريكا لكرة القدم الذي تأسس عام 1921، اغواردو لي، اتهم بالفساد وتلقي الرشى، ليقبض عليه في سويسرا ويحاكم في الولايات المتحدة الأميركية.