هل يمكن أن يكون المونديال مكتملاً من دون إيطاليا؟ هذا السؤال لو طُرح على مرّ تاريخ كأس العالم أو على الأقل منذ 60 عاماً تاريخ الغياب الأخير لـ «سكوادرا آتزورا» عن البطولة لكان الجواب حتماً: لا. لكان مجرّد طرح السؤال ضرباً من ضروب الخيال. لكن، في 2018، أصبح هذا الخيال واقعاً. في 2018، سنشاهد المونديال من دون إيطاليا. لن تُشرق في حزيران المقبل شمس إيطاليا على روسيا.

كثر حتى الآن طبعاً ما يزالوا لا يصدّقون أن مونديالاً سيُلعب من دون الطليان. من الصعب استيعاب ذلك. هذا أقلّ شيء إزاء منتخب لم يغب عن التصفيات سوى مرة واحدة عن المونديال في 1958 ولم يشارك في النسخة الأولى عام 1930. إزاء أول منتخب يحصد اللقب مرتين متتاليتين في أولى مشاركاته في النسختين الثانية والثالثة. إزاء منتخب حصد اللقب العالمي 4 مرات ووصل 6 مرات إلى المباراة النهائية. إزاء منتخب قدّم في كل مشاركاته لاعبين عظماء أمثال جيوسيبي مياتزا وجياسينتو فاكيتي وباولو روسي ودينو زوف وفرانكو باريزي وروبرتو باجيو وباولو مالديني وأليساندرو دل بييرو وفرانشيسكو توتي وأندريا بيرلو وفابيو كانافارو وجيانلويجي بوفون والكثير الكثير غيرهم. إزاء منتخب يشكّل تاريخاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ذاكرة عشاق المونديال فيها حيّز كبير لإيطاليا. الأمر لا يتعلّق فقط بعشاق «الآتزوري» المولعين به حدّ الجنون، بل يمتدّ إلى كثر من متابعي كأس العالم نظراً إلى عراقة ومكانة المنتخب الإيطالي وكرته التي لا تشبهها كرة. للمنتخب الإيطالي نكهة خاصة. لطالما كان «الآتزوري» المنتخب القوي والذي تفرّد بتلك الروح القتالية أو «الغرينتا» التي نالت الإعجاب وجعلته دوماً رقماً صعباً في البطولة ومنافساً شرساً. حتى اللعب الدفاعي الذي اشتهر به كان جاذباً بوجود مدافعين أفذاذ. «الكاتيناتشيو» الإيطالي كان ساحراً.


في الوقت الذي تستعدّ فيه حالياً المنتخبات للمشاركة في المونديال الروسي وتُعلن تشكيلاتها للبطولة، فإن وضع «سكوادرا أتزورا» يبدو مغايراً تماماً. إيطاليا، ببساطة، تبدّل جلدها بعيداً عن المونديال، وأولى الخطوات كانت تعيين روبرتو مانشيني مدرباً خلفاً لجانبييرو فينتورا. العالم الآن في مكان، وإيطاليا في مكان آخر. عمل كبير على كاهل الرجل طبعاً، إذ ليس بقليل ما حصل مع «الآتزوري». لكن كان من الممكن أن لا تصل إيطاليا إلى هذه الخطوة وحتى أن لا تغيب عن البطولة، بيد أن الطليان أخطأوا مراراً. الخطأ الأول يعود إلى ما قبل التصفيات المونديالية الأخيرة. يعود تحديداً إلى الفترة التي تلت تتويجهم بلقب مونديال 2006. حينها وصل الإيطاليون إلى القمة مع جيل كان يصل إلى نهاية مشواره في الملاعب، على الأقل على المستوى الدولي، أمثال النجوم أليساندرو دل بييرو وفرانشيسكو توتي وفابيو كانافارو وماركو ماتيراتزي وماورو كامورانيزي وأليساندرو إنيستا، فضلاً عن وصول لاعبين آخرين أمثال جينارو غاتوزو ولوكا طوني وسيموني بيروتا إلى عتبة الثلاثين، أي إن الأمر كان يستدعي أن تكون إيطاليا قد بدأت مسبقاً التحضير لجيل جديد. ألمانيا عاشت التجربة ذاتها أواخر التسعينيات لكنها استدركت الأمر حيث بدأ اتحاد الكرة بالاشتراك مع الأندية الاهتمام بالمواهب الناشئة واكتشافها فظهر جيل وصل ليصبح بطلاً للعالم في 2014. الطليان لم يفعلوا ذلك. النتيجة حصدوها في مونديال 2010 ومن ثم في مونديال 2014 عندما ودّعوا من دور المجموعات. بدا واضحاً أن الكرة الإيطالية أمام أزمة جيل. صحيح أن «الآتزوري» وصل إلى نهائي كأس أوروبا 2012 ونصف نهائي نسخة 2016، لكن في البطولة الأولى كان لا يزال أندريا بيرلو بسحره حاضراً وماريو بالوتيللي في قمة مستواه، وفي الثانية يعود الفضل للمدرب أنطونيو كونتي الذي عرف بأسلوبه كيف يشحذ همة اللاعبين ويصل بالـ «غرينتا» إلى أعلى مستوياتها.
في الجيل الحالي الذي فشل في تصفيات مونديال روسيا، يُطرح السؤال: هل يمكن تسمية لاعب موهوب إيطالي واحد تتنافس الأندية الأوروبية الكبرى لضمه مقابل مبالغ خيالية كما هو موجود في باقي المنتخبات الكبرى؟ الجواب هو: لا. بالنظر إلى تشكيلة فنتورا طبعاً. أما خارجها، فيمكن الحديث عن برناردسكي، وعن فيراتي، وعن فيردي، وعن انسيني، وعن كثيرين.
لكن رغم ذلك، فإن إيطاليا كانت قادرة على تفادي ذلك الفشل في التصفيات ذلك أن المنتخب كان لا يزال يضم بعض الأسماء على غرار الكبير جيانلويجي بوفون وليوناردو بونوتشي ودانييلي دي روسي وأنطونيو كاندريفا وماركو فيراتي والشابين لورنزو إينسيني (لم يلعب إلا بعض الدقائق) وأندريا بيلوتي لو لم يرتكب الاتحاد الإيطالي لكرة القدم الخطأ الكبير بتعيين مدرب مغمور اسمه جيانبييرو فينتورا لقيادة «الآتزوري». مدرب بدا بعيداً كل البعد عن خيرة المدربين الذين قدّمتهم المدرسة الإيطالية سواء من الناحية الفنية التكتيكية أو الكاريزما أو الشخصية القيادية التحفيزية التي اشتهر بها المدربون الإيطاليون. فضلاً عن إصراره على مواصلة استبعاد ماريو بالوتيللي رغم عودته إلى مستواه في الدوري الفرنسي، فإن المواجهتين الحاسمتين أمام السويد فضحتا ضعف هذا المدرب. تشكيلة إيطاليا كانت لا شك أقوى من السويد خصوصاً مع اعتزال زلاتان إبراهيموفيتش. خسر «الآتزوري» ذهاباً خارج ملعبه بسبب سوء خيارات فينتورا وسوء إدارته للمباراة، لكن «المصيبة الكبرى» كانت تكراره الأخطاء في الإياب وأين؟ في «سان سيرو» التاريخي. يكفي اختصار سوء فينتورا بلقطة دي روسي التي امتنع فيها غاضباً عن المشاركة بديلاً في الشوط الثاني لإصراره على مشاركة زميله إينسيني في الهجوم نظراً للحاجة لتسجيل هدف.
أن لا تتواجد إيطاليا في المونديال فتلك خسارة للبطولة توازي خسارة الإيطاليين. خسارة لمنتخب منافس، لأجواء إيطاليا، لجماهيرها. خسارة عبّر عنها حتى الخصوم كما قال يواكيم لوف، مدرب ألمانيا، مثلاً: «أنا حزين لعدم تأهل منتخب إيطاليا، كنت سأكون سعيداً لو تأهلوا إلى مونديال روسيا». كلمات تكفي وحدها لتختصر حجم الخسارة.
هكذا، لا إيطاليا في مونديال روسيا. كأس العالم سيكون ناقصاً. فرحة انطلاقه لن تكون مكتملة. في روسيا، لن يشاهد الإيطاليون لاعباً في «الآتزوري» يسجل هدفاً رائعاً على غرار هدف باجيو في مرمى تشيكوسلوفاكيا في مونديال 1990، ولا لاعباً إيطالياً يحتفل على غرار الاحتفال الشهير لماركو تارديللي بهدفه في مرمى ألمانيا في نهائي 1982. لن يشاهدوا لاعباً إيطالياً يرفع كأس العالم كما رفعها كانافارو آخر مرة. تلك اللقطات الرائعة لإيطاليا لن تتكرّر في روسيا. سيلعب العالم في روسيا. سيكتفي الطليان بالعودة إلى الذكريات.


المفاجأة الدائمة


في مونديال 1982، أقر الاتحاد الدولي رفع عدد المنتخبات المشاركة من 16 إلى 24 منتخباً بناء على توصية من الرئيس السابق الإنكليزي ستانلي راوس وذلك لتتمثل «القارات الضعيفة» بعدد أكبر. كانت الكويت أول سفيرة للكرة الخليجية في المونديال وأوقعتها القرعة في مجموعة صعبة مع انكلترا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا. كما بلغت الجزائر النهائيات للمرة الأولى، وحلت في مجموعة المانيا الغربية وتشيلي والنمسا. فجّرت الجزائر مفاجأة من العيار الثقيل وألحقت بألمانيا الغربية خسارة تردد صداها في أنحاء العالم بهدفين لرابح ماجر والاخضر بلومي مقابل هدف لكارل هاينتس رومينيغه، لكنها لم تتأهل الى الدور الثاني بعد مؤامرة ألمانية ــ نمساوية ضدها. رشح النقاد المنتخب البرازيلي لإحراز كأس العالم، لكن المفاجأة الأكبر، كانت إيطاليا. إيطاليا ونجمها باولو روسي كان لهما رأي آخر. سجل روسي «ثلاثية» بلاده (3-2) ليقصي البرازيل في ربع النهائي، قبل تخطي بولندا في نصف النهائي، والتغلب على ألمانيا الغربية في النهائي.


بوفون القياسي


بخمس مشاركات في كأس العالم، يتقاسم ثلاثة لاعبين الرقم القياسي في عدد المشاركات في المونديال، بينهم حارسان هما المكسيكي انطونيو كارباخال (بين 1950 و1966) والايطالي جانلويجي بوفون (بين 1998 و2014). الإيطالي كان يحلم بمشاركة سادسة والانفراد بالرقم القياسي، إلا أن غياب إيطاليا للمرة الأولى منذ 60 عاماً حرمه هذا الانجاز. اللاعب الثالث الذي شارك خمس مرات هو الألماني لوثار ماتيوس (1982-1998).