كانت منتخبات تتفوق على المنتخب التشيلي بالإمكانيات والأفراد، ولكنها لم تستطع أن تفوق رغبته في الانتصار. وكان جيلاً بمثابة «خلطة ذهبية»، قد تكون الوحيدة في تاريخ هذا البلد، بمقادير جداً متواضعة، لا يمكن حفظ أسمائها باستثناء الثنائي الأشهر ألكسيس سانشيز وأرتورو فيدال، كما حفظ التاريخ اسمي مارشيلو سالاس وايفان زامورانو.

بعد أيام سيكون التشيلانيون خلف الشاشات، يشاهدون مباريات منتخبات قهرها فريقهم. كرة القدم غريبة. تشيلي هي بطل كوبا أميركا مرتين في غضون 12 شهراً. هزموا الأرجنتين في نهائيين متتاليين من دون تسجيل هدف واحد (بضربات الجزاء). كان ذلك كافياً لإجبار ليونيل ميسي على الاستقالة من المنتخب الوطني والعودة عنها بعد وقت. سقوط تشيلي جاء بمثابة الصدمة على الجماهير خاصة، ليتسبب بزلزال كبير انتهى مع إعلان آرتورو فيدال الاعتزال الدولي.

رحلة القمة
وضعت تشيلي نفسها في خانة أحد أفضل فرق كرة القدم الدولية خلال هذا العقد بعد حصدها كأس أميركا الجنوبية مرتين توالياً. كان أفضل لاعبي البطولة آنذاك سانشيز، النجم الذي بتألقه ساعد تشيلي في الوصول إلى قمة خريطة كرة القدم العالمية. بعد الفشل في التأهل إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2006 في ألمانيا، سافرت تشيلي إلى فنزويلا للمشاركة في بطولة كوبا أميركا لعام 2007 مع لاعب كرة القدم السابق الأوروغوياني نيلسون أكوستا كمدرب للفريق. خرج رجال أكوستا من مرحلة المجموعات كأحد أفضل الفرق في البطولة بعد الفوز 2-3 على الاكوادور وتعادل مع المكسيك. لكن الربع النهائي كان المسمار الأخير في تابوت أكوستا حيث فاز منتخب البرازيل في النهائي على تشيلي 6-1 بفضل روبينيو. بعد هذه الهزيمة استقال أكوستا من منصبه وتولى مارسيلو بييلسا المدير السابق للمنتخب الأرجنتيني مسؤولية المنتخب التشيلياني، كان على بييلسا أن يصنع جوهرة تشيلية جديدة. بعد فترة وجيزة من التغييرات التي قام بها بييلسا، عملت تشيلي على حملة تأهيلية تاريخية حطمت بها العديد من الأرقام الإيجابية والسلبية. سجلت هذه الحملة أول خسارة في مباراة الذهاب ضد البرازيل منذ ما يقرب 50 عاماً، ولكنها أيضاً شهدت أول فوز له على الأرجنتين في مباراة رسمية.

في تشيلي كما في دول أميركا اللاتينية ترتبط السياسة وكرة القدم ارتباطاً وثيقاً


بعد حملة تصفيات رائعة، تمكنت تشيلي من الوصول إلى كأس العالم 2010 برصيد 33 نقطة، لتحتل بذلك المركز الثاني بفارق نقطة واحدة خلف البرازيل. وصلت خلال البطولة إلى الدور 16، وخسرت 3-0 أمام البرازيل. في كأس العالم 2014 في البرازيل شاركت تشيلي بعد أن احتلت المركز الثالث في التصفيات. كان الكسيس سانشيز مع كل هدف تشيلي يعذب دفاع الخصم في كل مباراة من مباريات البطولة. في الدور 16، واجهت تشيلي البرازيل مرة أخرى. فبعد تقدم أصحاب الأرض عن طريق ديفيد لويز، وضع الكسيس هدف التعادل الذي جعل المباراة في الوقت الإضافي، نجح تشيلي في إسكات الجماهير البرازيلية بعد أن سدد موريسيو بينيلا كرة لسوء حظه ارتطمت بالعارضة في الدقيقة 120 من المباراة، وهو الأمر الذي كان من الممكن أن يخرج المضيفين من البطولة.
على الرغم من أن البرازيل تمكّنت من الفوز بركلات الترجيح، كانت بطولة لن تنسى لتشيلي وللجماهير التشيليانية. أعلنوا عن أنفسهم «خيول سوداء» في المسرح العالمي لكرة القدم الدولية. في 2015، استضافت تشيلي بطولة كوبا أميركا. تصدر المضيفون مجموعتهم وتغلبوا على حامل اللقب أوروغواي في الدور ربع النهائي. واجهوا منتخب الأرجنتين في النهائيات، وبمساندة دفاعية رائعة احتفظوا بالنتيجة مع الأرجنتين 0-0 لمدة 120 دقيقة. في ركلات الترجيح، سجل أليكسيس سانشيز الركلة الفائزة، ليصنع أمسية رائعة للاعبين ولجماهير بلاده. مع ذلك، لم تكن هذه الكأس نهاية قصة الفتى التشيلياني الفقير، بعد موسم عانى فيه من إصابات كثير في ارسنال، سافر الكسيس إلى الولايات المتحدة مع فريقه الوطني للمشاركة في بطولة كوبا أميركا المئوية.
سار التشيليانيون نحو نهائيات البطولة، سحقوا المكسيك بنتيجة 7-0، وكانت أفضل نتيجة لهم على أرضهم. مرة أخرى وصلوا النهائي بركلات الترجيح بعد أن أوقف الدفاع التشيلي ليونيل ميسي وزملاءه لمدة 120 دقيقة. تم استبعاد سانشيز من الملعب بعد الدقيقة 104. ولم يتمكن الرجل الذي حمل تشيلي في النهائيات سابقاً من مساندة رجاله في ركلات الترجيح. غيابه لم يكلف تشيلي الكثير حيث أنهى «لا روخا» المباراة، بفوز 4-2 في ركلات الترجيح.

عصر النهضة
في تشيلي، كما في دول أميركا اللاتينية. ترتبط السياسة وكرة القدم ارتباطاً وثيقاً. نتج عن هذا الارتباط بعض النتائج المثيرة للاهتمام، خاصة في العقود الأخيرة حيث شهدت كرة القدم التشيليانية نهضة طال انتظارها، تزامنت مع تحسن في اقتصادها. من الناحية الإيجابية، ساعدت هذه النهضة في انتشار كرة القدم خارج العاصمة سانتياغو، التي احتكرتها معظم تاريخها. نادي «كوبريلوا» هو أبرز مثال على هذا التطور. مقره في كالاما، وهي مدينة صغيرة يعيش فيها أقل من 150 ألف شخص، تقع في الصحراء شمال تشيلي. على الرغم من الإمكانيات المحدودة التي يعمل بها النادي، يملك 8 ألقاب دوري، بالإضافة إلى مشاركة جيدة نوعاً ما في كأس ليبرتادوريس. «كوبريلوا» هو الفريق الأكثر نجاحاً خارج سانتياغو، يأتي بعده «إيفرتون دي فينيا ديل مار» بأربعة ألقاب فقط. وبالمقارنة، فازت أكبر ثلاثة أندية في سانتياغو خصوصاً وتشيلي عموماً، كولو كولو، يونيفرسيداد دي تشيلي وجامعة كاتوليكا، بـ 30 و17 و10 ألقاب توالياً. المتنافسون الجدد «أو هايجين» و«هوشيباتو» هم أيضاً من خارج سانتياغو.

مع استضافة تشيلي لكوبا أميركا لعام 2015، ثماني مدن مختلفة من جميع أنحاء البلاد شاركت في هذا الحدث. لا سيما في الجنوب بعد أن فشلت كرة القدم في تحقيق النمو المتوقع، أبرزها منطقة «كونسبسيون»، ثاني أكبر منطقة حضرية في تشيلي، ويبلغ عدد سكانها مليون نسمة. إن التحول إلى السياسة اليسارية وضع هذه المناطق على الأجندة السياسية مرة أخرى، خاصة في ضوء الأحداث الأخيرة والاحتجاجات الطلابية التي هزت البلاد بين عامي 2011 و2013. ويمكن رؤية ذلك بوضوح أكثر خاصة في ما يتعلق بتمويل النادي. فحتى منتصف القرن العشرين، كان ينظر إلى الرياضة كأداة للتربية البدنية والتدريب العسكري فقط وصولاً الى عام 1970 حيث عملت الدولة على ربط مفهوم الرياضة بالتنمية الرياضية التنافسية، وقامت بافتتاح أكاديميات للشباب وعملت على برامج خاصة بالمدربين. كما سُنّ قانون «بولا جول» لتقديم دعم مالي إضافي للرياضة خاصة لأندية كرة القدم المحترفة.
في السابق كان دخل الأندية يأتي عبر المراهنات، استفادت الأندية الاستفادة الكاملة من هذا النموذج. في أواخر الثمانينيات، وصلت الإيرادات الى 80٪ من الميزانية العامة المخصصة للرياضة. وفي بداية التسعينيات بدأت عيوب هذا النموذج المالي تظهر بوضوح عندما وقعت عدة أندية كرة قدم في الإفلاس، كما أنه ساهم في تطوير ثقافة سوء الإدارة داخل نوادي كرة القدم. في 2005، سُنّ قانون جديد يعمل على إعادة التوزان داخل الهياكل الإدارية المهملة ولهذا طلب من النوادي أن تتحول الى شركات مساهمة وبالتالي تصبح مسؤولة قانونياً عن تحركاتها المالية. كما تم سنّ قوانين تتناول العلاقات العامة في إدارة النوادي واللاعبين وأيضاً العنف في المدرجات.

الأرجنتين وبداية جديدة
الكتابة عن كرة القدم في تشيلي من دون ذكر العلاقة الأرجنتينية سيكون أمراً غير منصف. فقد كان لكل من كلاوديو بورغي ومارسيلو بييلسا، جنبا إلى جنب مع خورخي سامباولي، تأثير لا يوصف على المشهد الكروي التشيلي. ما يعقد الأمر هو التنافس الشديد بين الدولتين على المستوى الاجتماعي. فالمسائل المتعلقة بحدودهم المشتركة أمر لا مفر منه. لقد كان لحرب تشيلي مع جيرانها تأثير كبير على علاقاتهم. كما أن المسارات السياسية التي اختارها البلدان كانت مختلفة بشكل ملحوظ، وحتى اليوم، تواصل تشيلي متابعة علاقاتها بعيداً عن الأرجنتين وبقية دول أميركا الجنوبية.
وعلى الرغم من هذا الصراع، فإن كرة القدم التشيلية كانت في مكان مختلف تماماً، بقي بييلسا وبورغي بعيدين عن الخلافات. بدأ بورغي اللعب والتدريب في تشيلي قبل عدة سنوات من تولي بييلسا للمنتخب الوطني التشيلي في عام 2007، وكان له دور أساسي في إشراك العديد من نجوم تشيلي الحاليين في فريق كولو كولو. ومع ذلك، فقد عزا كثيرون آخرون معظم نجاح شيلي في السنوات الأخيرة إلى بييلسا. إلياس فيغويروا، واحد من أعظم لاعبي تشيلي، يعتقد أن الفشل يكمن في عدم التركيز على الهوية الوطنية التشيليانية، فالمنتخب حاول دائماً استنساخ لعبة الآخرين بدلاً من تطوير أسلوبه الخاص. وهو ما عمل بييلسا على تغييره.

شارك بيليسا وسامباولي في التظاهرات الطلابية في السنوات الأخيرة، مما جعل العلاقة بين السياسة وكرة القدم معلنة


تشيلي اليوم هي مزيج من كل هذه التأثيرات. حتى أن الثلاثي الأرجنتيني كان له تأثير على الجانب السياسي، حيث شارك بيليسا وسامباولي في التظاهرات الطلابية في السنوات الأخيرة، مما جعل العلاقة بين السياسة وكرة القدم معلنة بشكل كبير. إن تشيلي الجديدة، التي تلعب أسلوباً غير اعتيادي بالهجوم والضغط على الخصم، غالباً ما تكون عرضة للهجوم، ولكن هذا الأمر قابل للتغيير بالنسبة لجيل ما بعد بينوشيه، الرجل الذي طالب بالإصلاح الاجتماعي في المدارس ومراكز الشرطة أيضاً.
الكاتب التشيلياني بابلو أزوكار أكد بشكل قاطع أن المنتخب التشيلي هذا هو الأفضل. وربما هي المرة الأولى التي تتحد فيها الأمة كلها خلف قوة واحدة. ومع الخلفية التاريخية والسياسية والاجتماعية لتشيلي، لا شك في أن هذا ليس آخر ما يمكن تنميته في هذا البلد. وبما أن تشيلي قامت بالترحيب بنخبة كرة القدم في أميركا الجنوبية عام 2015، فإن هذا لا يمكن أن يكون نهاية المطاف حتى وإن لن يحصلوا من الروس على الذهب الذي يريدونه بشدة.