لم تفرض كولومبيا نفسها رقماً صعباً في كرة القدم لا في أميركا اللاتينيّة ولا حتى على مستوى العالم، إلّا أن الساحرة المستديرة تعتبراً جزءاً من سعادة الشعب الكولومبي. على خلاف ما يظن الكثيرون في العالم، يُعتبر الكولومبيّون من أكثر الشعوب سعادةً، ليس لأنّهم يتمتّعون بحياة مترفة، ومال كثير، بل لأنهم دائماً في حالة احتفال. تشتهر كولومبيا البلد الجار لكل من البرازيل وفنزويلا والبيرو، بالمهرجانات التي لا تتوقّف على مدار السنة. الشعب يحب الرقص، لذلك يحتفل بكرنفال بارانكويلا وهو ثاني أكبر كرنفال في العالم بعد ريو دي جينيرو، كما يحيي الكولومبيّون مهرجان الزهور، ويرقصون في مهرجان الحمير الخاص بأهالي ساحل الكاريبي. وها هم يذهبون إلى روسيا بهذه الروح الاحتفالية. فنياً، لديهم الكثير أيضاً.

كرة القدم في كولومبيا تشكل الفرحة الكبرى للفقراء، فكما في مختلف دول أميركا اللاتينيّة تنتشر الملاعب في الأحياء الفقيرة للعاصمة بوغوتا وغيرها من المدن، وخاصةً تلك القريبة من البحر، وعلى الجهة الأخرى، أي حدود الجارة البرازيليّة. لم تُنتج كولومبيا الكثير من السحرة في عالم المستديرة، ولعلّ الأبرز يبقى الحارس رينيه هيغيتا الذي اشتهر بتصدّي العقرب، وهي الحركة التي قام بها في مباراة منتخب بلاده أمام منتخب انكلترا في استاد ويمبلي في السادس من أيلول/ سبتمبر عام 1995. كما أنّ لاعب نادي بايرن ميونيخ الألماني الحالي هاميس رودريغيز يعتبر من الأبرز في تاريخ الكرة الكولومبيّة، نظراً الى تألقه أوروبيّاً وشُهرته الواسعة في بلاده، إضافةً إلى لاعب يوفنتوس الإيطالي خوان كوادرادو، كما يعتبر لاعب نادي موناكو الفرنسي راداميل فالكاو من أبرز اللاعبين الذين لعبوا للمنتخب.
مشاركات المنتخب الكولومبي في كأس العالم وكوبا أميركا لم تكن على قدر تطلعات الشعب الكولمبي، فكانت أولى المشاركات في مونديال تشيلي عام 1962، وبعدها في إيطاليا عام 1990 والولايات المتحدة الأميركيّة 1994 وفرنسا 1998، وانقطع عن المشاركة حتى مونديال الجارة البرازيليّة عام 2014 حيث وصل إلى الدور ربع النهائي. ومن العلامات المضيئة في تاريخ كرة القدم الكولومبيّة، كان الفوز بكوبا أميركا التي استضافتها على أرضها في 2001. وطوال فترة الحروب الأهليّة التي عصفت بالداخل الكولومبي لمدّة خمسين عاماً، والمجازر التي ارتكبتها العصابات اليمينيّة المدعومة من الولايات المتحدة الأميركيّة، إضافة إلى انتشار تجارة المخدرات في بلاد القهوة، لم يتخلّ الكولومبيّون عن كرة القدم.

من العلامات المضيئة كان الفوز بكوبا أميركا التي استضافتها على أرضها في2001


لم تنفصل تجارة المخدرات عن كرة القدم في كولومبيا، فكانت المخدرات بوابة لنهوض كرة القدم الكولومبيّة في بداية التسعينيّات مع تاجر المخدرات الأشهر بابلو إسكوبار، فقام الرجل الذي خرج من الأحياء الفقيرة واشتهر بصراعه الكبير مع الولايات المتحدة الأميركيّة والعصابات اليمينيّة بدعم الأحياء الفقيرة، وقام بإنشاء الملاعب في مختلف الأحياء الكولومبيّة، ودعم أندية كرة القدم في بلاده، حتى إنّه كان يهتمّ ببعض اللاعبين المميّزين ويغدق عليهم الأموال كالحارس رينيه هيغيتا الذي سُجِن لمدّة 7 أشهر إثر تورطه في عمليّة خطف مع إسكوبار، مقابل حصوله على مبلغ كبير من المال. ومن الأشياء الغريبة التي كان يقوم بها إسكوبار هي أنّه كان ينظّم مباريات في سجن خاص أنشأه خلال فترة هدنة مع الحكومة، ويدفع أموالاً للاعبين مشاهير على مستوى العالم ليشاركوا في هذه المباريات معه شخصيّاً ومع لاعبين كولومبيين. ومن أشهر اللاعبين الذين استقدمهم كان دييغو أرماندو مارادونا، حيث لعب وسهر في «لا كاتيدرال» وهو الاسم الذي كان يطلق على سجن إسكوبار، أو قلعته كما كانت تسمّى.
كان إسكوبار متيّماً بكرة القدم، حتى إنّه في إحدى المرّات عندما داهمت الشرطة مقرّه هرب مع رفاقه وهو يحمل الراديو، ليسمع التعليق على مباراة للمنتخب الكولومبي. كان بابلو يدعم المنتخب الكولومبي وعدّة أندية؛ منها أتليتيكو ناسيونال، وبعد مقتله في عام 1993 تراجع المنتخب الكولومبي وخرج من مونديال 1994 بعد أداء هزيل، كما أنّ ناديه أتليتيكو ناسيونال فشل في إحراز أي بطولة طوال 11 عاماً. وبعد حادثة مقتل مدافع المنتخب الكولومبي أندريس إسكوبار بعدما سجّل هدفاً في مرماه عن طريق الخطأ، تناقل الكولومبيّون أنّه لو كان بابلو على قيد الحياة، فإنّه لن يسمح بقتله، لأنه كان يضع قوانين لا يمكن تجاوزها، وأنّه لم يكن يقتل سوى الحكام المرتشين في كرة القدم، واللاعبين الذين يبيعون المباريات. يضع الكولومبيون كل هذا جانباً، ويذهبون إلى روسيا، لكي يرقصوا كالمعتاد، تلك الرقصة الجماعية الشهيرة.



أندريس إيسكوبار


بعد خروج منتخب كولومبيا من مونديال أميركا في العام 1994، قامت عصابات المافيا بقتل أندريس إيسكوبار، مدافع منتخب كولومبيا، الذي سجل هدفاً بالخطأ في مرماه لمصلحة المنتخب الأميركي في اللقاء الذي انتهى بفوز الأخير 1-2، وكان هذا الهدف سبباً لخروج كولومبيا من الدور الأول. كان أندريس يعرف بين زملائه بـ»الجنتلمان» نظراً الى أناقته الشديدة واهتمامه بمظهره، وأسلوبه الهادئ في اللعب. قتل أندريس على يد 3 مسلحين قيل حينها إن أحدهم كان يعمل سائقاً لأحد رجال المافيا وتجّار المخدرات، وكان يراهن على فوز كولومبيا في مباراة أميركا. وأصيب إيسكوبار بـ 6 رصاصات، بعدما أطلق المسلحون النار عليه وهم يرددون كلمة «هدف». وفي اليوم التالي لعملية الاغتيال، قدّمت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» اعتذاراً رسمياً بسبب سخرية أحد محلليها من إمكانية تكرار هذه الواقعة، إذا أخطأ أحد لاعبي الأرجنتين في مباراة رومانيا بدور الـ 16 من بطولة العالم نفسها.


تشكيلة كولومبيا


وصل منتخب كولومبيا إلى نهائيات كأس العالم المقررة في روسيا الصيف المقبل بصعوبة كبيرة. ويعاني المنتخب الكولومبي من تراجع المستوى، إلّا أن ما ساعده هو تراجع مستوى أندية أميركا اللاتينيّة. واستفاد الكولومبيّون من تعادلهم في الجولة الأخيرة من التصفيات مع بيرو، وسقوط المنافسين المباشرين تشيلي والباراغواي ليتأهل بشكل مباشر إلى روسيا. وحصد منتخب كولومبيا خلال مشواره في 18 مباراة بالتصفيات 27 نقطة، من 7 انتصارات و6 تعادلات و5 هزائم، وسجل لاعبوه 27 هدفاً، وهو ثاني أضعف هجوم صعد لكأس العالم عن القارة خلف الأرجنتين، وثالث أضعف دفاع في المنتخبات المتأهلة عن القارة اللاتينية، حيث تلقت شباكهم 19 هدفاً. وأحد أبرز اللاعبين هو نجم بايرن ميونيخ الألماني هاميس رودريغيز، فهو خاض 59 مباراة دولية، سجل خلالها 21 وصنع 15، كما تمكّن من تسجيل 6 أهداف في مونديال البرازيل الأخير عام 2014.