أسابيع قليلة وينطلق كأس العالم في روسيا 2018. طبول المنافسة ستقرع مع بداية أهم حدث تنتظره جماهير العالم. المنتخبات المشاركة معظمها أعلنت قوائمها الأولية للمونديال. وعلى جانب ثانٍ، وفي منافسة من نوع آخر، وضع الاتحاد الدولي اللمسات الأخيرة على لائحة الحكام، الذين سيضبطون إيقاع المباريات على الأراضي الروسية، وسط حضور خجول للتحكيم العربي، الذي دخل مرحلة ضبابية بعد حقبة من النجاح الكبير، منذ الثمانينيات وحتى المونديال الآسيوي في 2002، حيث ظهرت أسماء كجمال الشريف وعلي بوجسيم وجمال الغندور وسعيد بلقولة، ولم يتبق أحد.


تاريخ لافت لمشاركات حكام الساحة العرب في نهائيات كأس العالم منذ النسخة الأولى في 1930. التحكيم السعودي خاض غمار النهائيات في 3 مناسبات، ولا بدّ من الإشارة إلى هذه الحقيقة قبل الوقوف على مسألة الحكم الرئيسي السعودي، فهد المرداسي، الذي أوقف قبل أسابيع على انطلاق العرس الكروي العالمي في روسيا. 13 حكماً رئيسياً ومساعداً من قارتي أفريقيا وآسيا، سيمثلون العرب في كأس العالم في روسيا الصيف المقبل. تقلص العدد، بعدما استيقظت الكرة السعودية على وقع فضيحة مدوية، ارتكبها الحكم الدولي السعودي فهد المرداسي، حينما قرر الاتحاد السعودي لكرة القدم استبعاده من إدارة نهائي كأس «خادم الحرمين الشريفين» بين فريقي الفيصلي والاتحاد، وتحويل «ملفه» إلى المباحث الإدارية للتحقيق معه. بالرغم من إدانة المرداسي من قبل لجنة الانضباط والأخلاق التابعة لاتحاد الكرة المحلية، على خلفية فضيحة «الرشوة» التي هزت الرأي العام في المملكة على مدار الأيام القليلة الماضية، إلا أن أحد الأشخاص المقربين منه، دافع عنه عبر فيديو نشره على موقع «تويتر». في الفيديو، سيطر الحزن على قريب الحكم المونديالي في المقطع الصوتي، مدافعاً عنه المرداسي بكل قوة، لإيمانه الشديد بأن الأخير «لم يفعل هذه الجريمة»، فهو «ليس رجلاً يتحلى بحُسن السلوك والأخلاق، لكنه كذلك ينعم بالثراء الشديد». لكن على أرض الواقع، ما زال المرداسي يسير بسرعة الصاروخ نحو الهاوية. العقوبة الرادعة التي أصدرتها لجنة الانضباط والأخلاق، بإيقافه عن ممارسة أي نشاط رياضي مدى الحياة، لإدانته بمكالمات ورسائل مُسجلة، تُظهر مشاركته في عملية «رشوة» قبل النهائي، ليدفع أول فاتورة بالاستبعاد من إدارة المباراة، وتعيين الإنجليزي مارك كلاتينبرغ بدلاً منه، قبل أن تأتي الصاعقة بالعقوبة التي طلب الفيفا الاستفسار عنها.
أدار الحكم المصري يوسف محمد مباراة تشيكوسلوفاكيا وسويسرا كحكم راية ليصبح بذلك أول حكم عربي

قد يكون خطأ فهد المرداسي لا يمكن أن يغتفر، فهو واحد من أبرز الحكام الآسيويين في ظل الطفرة التحكيمية العربية، علماً أنّه فاز بجائزة أفضل حكم في آسيا عن عام 2015، وهي جائزة لم يُتوّج بها أي حكم عربي منذ أن أطلقها الاتحاد الآسيوي عام 2002.
عاش حكام كرة القدم مسيرة تخللها مزيج من الفشل والنجاح خلال مشاركاتهم في بطولات كأس العالم منذ النسخة الثانية لإطلاقها عام 1934 وحتى النسخة الأخيرة عام 2014. بدورهم، عانى الحكام العرب في طريقهم نحو القمة «الأمرّين»، فقد ظلّ الحكم العربي مهمشاً لا ينظر إليه بعين الاهتمام عندما يشارك في إدارة مباريات كأس العالم، وكان مصيره دائماً الرحيل عن البطولة بانتهاء مباريات الدور الأول. إلا أن الحكام العرب في التسعينيات قدّموا نموذجاً معاكساً، انتزعوا خلاله اعتراف الفيفا بجدارتهم.

إيطاليا مهد العرب
البداية من الملاعب الإيطالية عام 1934، حيث عرفت النسخة الثانية من بطولات كأس العالم، أولى مشاركات الحكام العرب في المونديال. آنذاك، أدار الحكم المصري، يوسف محمد، مباراة تشيكوسلوفاكيا وسويسرا كحكم راية، ليصبح بذلك أول حكم عربي يشارك في إدارة مباريات الذهب العالمي. كما أدار يوسف المباراة التي جمعت بين منتخبي الولايات المتحدة والمكسيك عام 1934 في روما لتحديد الفريق المتأهل للنهائيات قبل ثلاثة أيام فقط من انطلاق البطولة وفازت الولايات المتحدة آنذاك 4 ــ 2. أما الحكم المصري، علي قنديل، فقد حظي بشرف الأسبقية هو الآخر، حينما أصبح أول حكم ساحة عربي يقود إحدى المباريات في نهائيات كأس العالم، وذلك عندما أوكلت إليه مهمة إدارة المباراة التي جمعت بين منتخبي تشيلي وكوريا الشمالية، والتي انتهت بالتعادل 1 ــ 1. وفي مونديال المكسيك 1970، أسندت لجنة التحكيم التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم مهمة قيادة مباراة منتخب البلد المضيف والسلفادور، إلى نفس الحكم المصري، حيث ارتكب خلال الشوط الأول في تلك المباراة «خطأً فادحاً» حينما احتسب أكثر من ثلاث دقائق من الوقت بدلاً من ضائع، ليمنح منتخب السلفادور ركلة حرة، لكن اللاعب المكسيكي باديا هو الذي حرك الكرة ومررها إلى زميله فالديفيا الذي كان متسللاً، ليسجل هدف المكسيك الأول، وسط ذهول لاعبي السلفادور واحتجاجهم. وفي 1974 نجح الحكم المصري مصطفى كامل في قيادة مباراة ألمانيا وأستراليا عام إلى بر الأمان، التي انتهت بفوز الألمان 3 ــ 0. شهدت البطولة مشاركة مشرفة لعبد الحليم محمد الذي تواجد كحكم مساعد، ليصبح أول حكم سوداني يشارك في المونديال.
في 1978 بالأرجنتين، شهدت بطولة كأس العالم مشاركة الحكم السوري فاروق بوظو في البطولة للمرة الأولى. ونجح الحكم السوري في إدارة مباراة ألمانيا الغربية والمكسيك والتي فاز بها الألمان بسداسية نظيفة، فيما شارك الحكم التونسي الهادي السعودي كمراقب خط.

نجم مارادونا يسطع
في مونديال إسبانيا ــ 1982 ارتفع عدد الحكام العرب إلى ثلاثة حكام، وهم البحريني يوسف الدوي، والجزائري بلعيد لاركان، والليبي يوسف الغول. قاد الحكم الدولي، البحريني يوسف الدوي، مباراة المجر مع السلفادور التي انتهت بفوز الأول 10 ــ 1 في مدينة إلتشي، فيما أُوكلت إلى لاركان مهمة قيادة مباراة الأرجنتين والمجر وانتهت بفوز الأول 4 ــ 1، في أليكانتي التي شهدت تسجيل النجم دييغو مارادونا أول أهدافه في كؤوس العالم، أما الغول فقد قاد مباراة الاتحاد السوفييتي ونيوزيلندا وانتهت بفوز الأول 3 ــ 0 في ملقا. وبعدها بأربعة أعوام، في المكسيك، شارك ثلاثة حكام عرب وهم: السوري جمال الشريف، والتونسي علي بن ناصر، فضلاً عن الحكم السعودي فلاح النشار. قاد بن ناصر مباراة بولندا والبرتغال وانتهت بفوز الأول 1ــ 0، وذلك قبل أن يتولى الإشراف على مباراة الأرجنتين وإنكلترا الحساسة، والتي كانت شاهدة على واحدٍ من أشهر الأهداف في تاريخ كرة القدم، الهدف الذي أحرزه نجم المنتخب الأرجنتيني السابق دييغو أرماندو مارادونا بيده، ليتمكن الدّاهية من خداع الحكم التونسي. ورغم مرور أكثر من ربع قرن على تلك المباراة إلا أن الحكم التونسي علي بن ناصر، لا يزال يتذكر أدق تفاصيل اللقطة الشهيرة التي جاء منها هدف مارادونا، إذ أكّد في تصريحات صحافية بأنه كان يشك في صحة هذا الهدف التاريخي. إلا أنه قد أشار إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك لم يكن قد استحدث منصب مساعد الحكم، كما هو الحال في كرة القدم اليوم، ففي الماضي كان الحكام جميعاً حكاماً رئيسيين ويتبادلون الأدوار، فيكون أحدهم حكماً رئيساً في مباراة ثم يكون حاملاً للراية في مباراة أخرى وهكذا، كما كانت التعليمات المعطاة للحكام بأن يستعينوا بقرار حاملي الراية إذا كانوا في وضعية أفضل لرؤية هدف أو لعبة مشتركة، وهو الأمر الذي أجبره على احتساب الهدف. وهو هدف، رغم أنه لم يكن شرعياً، يبقى من الأجمل في تاريخ اللعبة، ويبقى بن ناصر غير ملام على فِتنة مارادونا.

الحكم المصري علي قنديل حظي بشرف الأسبقية حينما أصبح أول حكم ساحة عربي

وفي نسخة مونديال 1990 بإيطاليا، عرفت مشاركة الحكم السوري، جمال الشريف، للمرة الثانية توالياً تألق الشريف، وواصل مسلسل تألقه اللافت تحكيمياً، ليمنح له حق الوجود في المونديال للمرة الثالثة في بطولة كأس العالم لكرة القدم 1994 التي أقيمت في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نجح خلالها في قيادة ثلاث مباريات إلى برّ الأمان، ليُحقق بذلك رقماً قياسياً على المستويين العربي والآسيوي، باعتباره أول حكم آسيوي يقود ثلاث نهائيات لكأس العالم. وفي مونديال 2002 الذي أقيم في كوريا الجنوبية واليابان، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم عشرة حكام عرب ضمن الطاقم التحكيمي الذي سيقود مباريات مونديال كوريا الجنوبية واليابان. شارك الحكم الإماراتي علي بوجسيم للمرة الثالثة توالياً معادلاً رقم الحكم السوري جمال الشريف، بينما شارك المصري جمال الغندور للمرة الثانية، وأدار خلال البطولة ثلاث مباريات أبرزها مباراة إسبانيا والبارغواي، المباراة التي احتج فيها لاعبو الباراغواي على ضربة الجزاء الإسبانية، كما قاد مباراة كوريا الجنوبية وإسبانيا في دور الثمانية، وفازت كوريا بركلات الترجيح 3 ــ 5، بعد التعادل السلبي التي شهدت هدفاً إسبانياً، لكن الغندور لم يحتسبه بعد إشارة المساعد بخروج الكرة، وتبين أنها لم تكن خرجت، لكن إسبانيا خرجت من البطولة، في ظل فضيحة تحكيمية تواصلت بعد إقصاء إيطاليا بطريقة مشابهة.