لا يخفى أن كأس العالم لكرة القدم تشكّل منصة للبلدان المتأهلة إلى النهائيات لجني أرباح طائلة منها، بمجرد الوصول إلى النهائيات، ومنها من خلال العقود الرعائية والتسويقية. ببساطة، التأهل إلى كأس العالم يحرّك العجلة الاقتصادية في البلد المعنيّ منتخبه بهذه التظاهرة الرياضية، التي تترك أثراً سلبياً في أسواق البلدان الكبيرة في حال عجز منتخباتها عن ركب القطار مع بقية المنتخبات المتأهلة. إذاً، الحضور في المونديال خلفه أرباح طائلة، فبعض الأسواق العالمية حيث القدرة الشرائية ضخمة جداً، تجد في كرة القدم والمونديال تحديداً المادة والمناسبة الأكثر جذباً للمشترين من أجل إصابة أرباحٍ وصلت إلى مستويات قياسية في المونديالات الأخيرة.


ويمكن أخذ السوق الأميركي (المحب بالطبيعته للكسب المتوحش) كعيّنة على مدى الخسائر المالية التي يمكن أن تتلقاها أي دولة كبيرة عند فشلها في التأهل إلى المونديال، إذ إن الولايات المتحدة عرفت القيمة الاقتصادية للتظاهرة الكروية منذ استضافتها للنهائيات عام 1994، وبالتالي إن حجم الخسائر التي تنتظرها هذا الصيف جراء غيابها عن البطولة كبير جداً، وهو أمر ينطبق أيضاً على السوق الإيطالي، دونه الهولندي حيث لا تعدّ الكثافة السكانية بحجم جزء بسيط من مساحة ولاية أميركية.

اتساع دائرة القدرة الشرائية
ومما لا شك فيه، أن كرة القدم التي تُمارَس في 200 دولة حول العالم عرفت اتساعاً على صعيد الأسواق، وتحديداً في المناسبات الكبرى، ومنها المونديال طبعاً. فمع 13 منتخباً في النسخة الأولى عام 1930 وصلنا اليوم إلى مشاركة 32 منتخباً، على أن تصبح 48 منتخباً ابتداءً من كأس العالم 2026. ماذا يعني هذا الأمر؟ بحسب دراسات اقتصادية متخصصة بكأس العالم، ستزيد نسبة الأرباح الصافية على 30 مليار دولار بالنسبة إلى البلدان المتأهلة إلى المونديال، وهو أمر متوقع مع رفع عدد المنتخبات والانفتاح على الأسواق ذات الكثافة السكانية الكبيرة في أفريقيا وآسيا تحديداً. فإذا أخذنا مثلاً الولايات المتحدة، فإن الخاسر الأكبر من عدم تأهلها المفاجئ هما الاتحاد الأميركي وشبكة «FOX» التلفزيونية التي تنقل مباريات المونديال. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، إن أرباح الاتحاد المحلي ارتفعت من 76 مليون دولار إلى 102 مليون دولار مع التأهل إلى مونديال 2014، وذلك من خلال عائدات عقود الرعاية والمشاركة في الحدث. وهذه الأرقام ستتدنى بلا شك مع تقييم الوضع المالي للاتحاد الأميركي في نهاية السنة الحالية.
إذا ما كانت حانة صغيرة تربح 3000 دولار في كل مباراة يعني أن 30 حانة في منطقة ستخسر 270 ألف دولار


وكما هو معلوم سيخسر المنتخب غير المتأهل أوّلاً مبلغ 12.5 مليون دولار يدفعها الاتحاد الدولي للعبة لكل منتخب وصل إلى نهائيات 2018. وتضاف إلى هذه الخسارة المالية الكبيرة، خسائر عقود النقل التلفزيوني وجزء من البطاقات المبيعة لحضور المباريات، إضافةً إلى خسائر بعشرات الملايين للعقود الرعائية والمبيعات الخاصة بالتجهيزات الرياضية من قمصان المنتخبات وما يشبهها. وبالحديث عن النقل التلفزيوني، فقد تلقت «فوكس» ضربة كبيرة، فهي إذ اشترت حقوق نقل المباريات لمونديالي 2018 و2022 مقابل 400 مليون دولار، فإن مبلغها الاستثماري في هذا الإطار يعيش خطراً حقيقياً بفعل غياب المنتخب الأميركي عن النهائيات، ما يخفض من نسبة المشاهدة المحلية وينعكس سلباً على جذب المعلنين إلى المحطة، وعلى اشتراكات الدفع المسبق. كذلك إن المحطة التي دفعت بالاشتراك مع «Telemundo» مليار دولار للحصول على الحقوق في أميركا باللغة الإسبانية، وهو ضعف المبلغ الذي دفعته شبكة «ESPN» لمونديالي 2010 و2014، لن تتمكن من تحصيل هذا المبلغ، بل يتوقع أن تُمنى بخسارة مالية قاسية.

أسوأ من فشل كروي
لكن الأمر لا يرتبط بالمناسبة المونديالية فقط، بل إن أبعاده الاقتصادية هي مستقبلية. فإذا تحدثنا عن المنتخب الأميركي أيضاً، نجد أن القيمة المالية لمبارياته ستتراجع، لأنه لن يكون مطلوباً مستقبلاً لخوض مباريات (ودية) مع منتخبات مثل ألمانيا والبرازيل، التي تجذب قاعدة جماهيرية كبيرة أو تؤسس لقاعدة جديدة، في بلدٍ يحتاج دائماً إلى جرعات لتقوية الكرة وشعبيتها وسط المنافسة الكبيرة التي تعرفها من رياضات أخرى راسخة بنحو أكبر عند الأميركيين، أمثال البايسبول، كرة القدم الأميركية، كرة السلة وغيرها...
كذلك، إنّ مؤسسات أخرى ستخسر جراء الفشل الأميركي، منها رابطة الدوري الأميركي (MLS) الذي ستنخفض قيمته السوقية بعدما عاش أخيراً نشوة هجمة إعلانية كبيرة عليه جراء توافد نجومٍ كبار للانضمام إلى أنديته، وهم أصلاً يملكون عقوداً إعلانية ضخمة مع شركات ناشطة بقوة في السوق الأميركي. وهذه النقطة الاقتصادية تحديداً شجّعت الولايات المتحدة على أداء دورٍ أساسي في الملف الأميركي الشمالي المشترك الخاص باستضافة مونديال 2026، حيث تشير الدراسات إلى أن الأميركيين، في حال حصولهم على شرف الاستضافة، سيحققون أرباحاً هائلة في أسواقهم، وامتداداً إلى أرباحٍ في سوقَي المكسيك وكندا الشريكتين في الاستضافة.

ضربة للمبيعات اليومية
وفي وقتٍ حاولت فيه شركة «نايكي» الأميركية الشهيرة المصنّعة للتجهيزات الرياضية، إثارة الرأي العام الكروي الأميركي عبر تسريبها صورة لقميص قيل إن منتخب الولايات المتحدة سيرتديه في المونديال، فإن هذه الشركة تلقت ضربةً أسوأ من تلك التي عرفتها في المونديال الماضي، عندما وصل منتخبا منافستها «أديداس»، أي ألمانيا والأرجنتين إلى المباراة النهائية. «نايكي» التي تعتمد على السوق الأميركية تحديداً لمزاحمة «أديداس» في مجال المبيعات في كرة القدم تحديداً، لكونها تستفيد من عامل تركيز نشاطها في أراضيها، لن تجرؤ في هذه المناسبة الكبيرة على تحدي المصنّع الألماني من حيث المبيعات في ما خصّ القمصان بحكم عدم وجود المنتخب الأميركي في العرس العالمي. هي ضربة معنوية لسوق المبيعات اليومية، إذ في إيطاليا مثلاً ستتأثر السوق السياحية من حيث انخفاض نسبة حجوزات السفر إلى روسيا، حيث كان من المفترض أن يقصدها آلاف الإيطاليين لقضاء عطلة يعيشون خلالها أجواء المونديال حتى لو لم يتمكنوا من الحصول على بطاقات الدخول إلى المباريات، التي حصل الأميركيون على نسبة عالية منها وصلت إلى 200 ألف بطاقة في مونديال 2014، لينافسوا أصحاب الضيافة على هذا الصعيد. علماً أن البلد المضيف يخسر أموال القادمين إليه من الدول الكبيرة، إذ إن تأهل منتخب ينتمي إلى دولة تتمتع بحجم سكاني ضخم ينعكس إيجاباً أيضاً على أرباح الحاضنة للبطولة...
ويضاف إلى كل ما ذُكر سلفاً، خسائر مكاتب المراهنات والحانات والمطاعم التي تنشط في العمل خلال أوقات عرض المباريات. ففي عملية حسابية بسيطة، إذا ما كانت حانة صغيرة تربح نحو 3000 دولار في وقت عرض كل مباراة، يعني أن 30 حانة في منطقة واحدة ستخسر 270 ألف دولار في 90 دقيقة فقط! وختاماً، سيخسر اللاعبون أنفسهم من جراء الفشل بالتأهل إلى المونديال، إذ إن قيمتهم السوقية ستتدنى في سوق البيع والشراء، ورواتبهم ستتغيّر عند أي نقلة، وهم الذين ينتظرون أصلاً المونديال لرفع قيمتهم المالية في سوق الانتقالات، لكن الآن عليهم انتظار 4 سنوات أخرى، قد يجدون فيها أنفسهم على الساحة المونديالية أو بعيدين عنها لسببٍ أو لآخر.



أبو صلاح أغلى من 14 منتخباً!
هو نجم مصر محمد صلاح الذي توّج بجائزتي أفضل لاعبٍ وهداف في «البريميير ليغ».
ولا تتوقف أهمية صلاح عند المنتخب المصري، إذ إن قيمته الفنية تترافق مع قيمة في السوق ترتفع من يومٍ إلى آخر. لكن قبل انطلاق مونديال روسيا، قدّر موقع «ترانسفر ماركت» الألماني المتخصص في تحديد القيمة السوقية للاعبين والأندية، أن «أبو صلاح» هو خامس أغلى لاعب في المونديال بسعرٍ يقدّر بـ 150 مليون يورو، ما يعني أنه تفوّق بقيمته السوقية على 14 من أصل 32 منتخباً تأهل إلى النهائيات.
ففي وقتٍ تبلغ فيه القيمة السوقية للمنتخب المصري، بحسب الموقع عينه، 196.88 مليون يورو، ليكون ثاني أغلى منتخب أفريقي في المونديال بعد السنغال الذي يُقدّر لاعبوه بـ 290 مليون يورو، تفوّق صلاح وحده على منتخبات المكسيك (145.10 مليون يورو)، ونيجيريا (133 مليون يورو)، والمغرب (122.75 مليون يورو)، والسويد (118.95 مليون يورو)، وكوريا الجنوبية (84.53 مليون يورو)، وأيسلندا (76.40 مليون يورو)، واليابان (73.40 مليون يورو)، وتونس (58.13 مليون يورو)، وأوستراليا (49.55 مليون يورو)، وإيران (43 مليون يورو)، وكوستاريكا (42 مليون يورو)، والبيرو (37.50 مليون يورو)، والسعودية (18.70 مليون يورو)، وبنما (8.43 ملايين يورو).