لم يكن ما قام به النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في المباراة الأولى لمنتخب بلاده أمام إسبانيا غير طبيعي. هو عوّدنا على المباريات البطولية ولو أن البعض شكك دائماً في تأثير حضوره خلال المناسبات الكبيرة. سجل رونالدو «هاتريك» ومشى، فخرج بطلاً قومياً ولو أنه بما فعله لم يقُد بلاده إلى حمل الكأس الذهبية، لكنه حتى الآن سطّر فصلاً جميلاً في كأس العالم ولو أن القصة لم تنتهِ. بعدها بأقل من 24 ساعة، بدأت القصة فعلياً. الأرجنتين محرجة أمام ايسلندا، فتحصل على ركلة جزاء، يطلّ نجمها ليونيل ميسي ويفشل في ترجمتها إلى هدف.

هي لقطة كانت لتُعتبر عادية لو أن لاعباً غير ميسي أهدر هذه الركلة، وكانت لتعتبر أكثر من عادية حتى لو أن رونالدو لم يسجل قبلها بساعات تلك الثلاثية في مرمى الحارس الإسباني دافيد دي خيا. «هاتريك» وركلة جزاء ضائعة كانا كافيين ليفتحا الباب أمام سجالٍ لا يعرف نهاية وعنوانه: رونالدو أفضل من ميسي، لا ميسي هو الأفضل.
الواقع أن المراقبين يتفقون على أن كلّاً من اللاعبَين صنع أسطورة خاصة به لدرجةٍ قسما فيها العالم إلى معسكرين كلّ منهما ينادي باسم النجم الذي يرى أنه الأفضل في التاريخ. كذلك، يتفق الخبراء على أن لكل واحدٍ منهما إنجازاته ولحظاته التاريخية، ولعل الموسم الأخير هو خير دليل على ذلك: برز ميسي في «الليغا» وأعاد اللقب إلى برشلونة، بينما خاب في الساحة الأوروبية وتركها لرونالدو الذي لمع نجمه مجدداً ليقود ريال مدريد إلى اللقب القاري الثالث على التوالي.
لكن لنبقى في الساحة المونديالية التي تقف اليوم حَكَماً بين الاثنين مع اشتعال الجدل حول النجم الأفضل وصاحب الشخصية الأقوى تأثيراً في منتخبه الوطني. الواقع أن رونالدو وبعيداً من فوز بلاده بكأس أوروبا 2016 ومدى تأثيره في المشوار الذهبي من عدمه (تحديداً في المباراة النهائية حيث تعرّض للإصابة)، فإنه لطالما كان حاضراً لنجدة منتخب البرتغال الذي سجل له 84 هدفاً دولياً في 151 مباراة، بينها 6 أهداف مونديالية في 14 مباراة خاضها حتى الآن.

(تصميم علي فرّان)

هذا العدد من الأهداف هو طبعاً أفضل من عدد الأهداف الدولية التي سجلها ميسي مع الأرجنتين وهي 64 هدفاً في 124 مباراة، بينها 5 أهداف مونديالية في 16 مباراة. كما أن سِجلّ رونالدو أهم كونه حصل على كأس أوروبا مقابل فشل ميسي في قيادة منتخب بلاد الفضة إلى أي لقبٍ ذهبي ولو أنه وصل معه إلى نهائي مونديال 2014.
المهم أن هناك أسباباً لبروز رونالدو في المباراة الأولى وعدم قدرة ميسي على لعب دورٍ بطولي في أول ظهور له في المونديال الحالي. النجم البرتغالي يلعب مرتاحاً على أرض الملعب. هو أصلاً محرر من كل ضغوط، يفعل ما يشاء على أرض الملعب ويستمتع بحمله شارة القيادة وبشعوره بأن كل زملائه يلعبون من أجله. هو أيضاً غير مطالب بجلب كأس العالم إلى البرتغال ولو أن قسماً كبيراً من شعبه يرى بأنه يمكنه تخطّي ما فعله أوزيبيو في مونديال 1966 عندما قاد «برازيل أوروبا» إلى المركز الثالث وتوّج هدافاً للبطولة بـ 9 أهداف.
أضف سبباً إضافياً لما فعله رونالدو أمام إسبانيا، إذ تعكس لقطة الركلة الحرّة التي سددها ليصعق الإسبان مدى الجوع الذي يتمتع به لتسجيل الأهداف وحصد الانتصارات. هو بتسجيله للركلة الحرّة بتلك الروعة وفي وقت حساس من عمر المباراة ووسط ضغط جماهيري كبير وبقدمٍ تعبت جراء الركض المتواصل، يعدّ بطلاً حقيقياً. البطل الذي يظهر معدنه في اللحظات الحاسمة، والتي حمل فيها سبباً خاصاً آخر ليهدد «الأرمادا» بذاك «الهاتريك»، إذ قبل دخوله المباراة كانت المطالبة بسجنه في إسبانيا بسبب التهرب الضريبي. كما أن مواجهته الخاصة مع زملائه في ريال مدريد حيث نصّب نفسه «ملكاً» عليهم أعطت دفعاً إضافياً لمحركاته الخارقة التي جعلت منه أفضل لاعبٍ في العالم.
يلعب رونالدو مرتاحاً ومن دون ضغوط بعكس ميسي الذي يرزح تحت وطأتها


في المقابل، يقف هناك نجم صاحب موهبة فطرية قلّ نظيرها في عالم الكرة. وقفة مطالب فيها بتحقيق المستحيل، فنعمة تلك الموهبة تحوّلت إلى نقمة بالنسبة إلى ميسي عندما يرتدي قميص الأرجنتين، ما دفعه يوماً إلى الاعتزال قبل أن يعود لعدم قدرته على التخلص من عاطفته تجاه قميص «الالبيسيليستي». ميسي أهدر أول ركلة جزاء في مسيرته مع المنتخب (بعيداً من ركلات الترجيح)، وهو رغم أنه بدا أفضل لاعبي منتخب الأرجنتين المشرذم، فإن الإرباك ظهر على محيّاه. مظهرٌ كافٍ لمعرفة سبب تسديده الكرة بتلك الطريقة السيئة. هو لا يزال يعاني من ثقل الأسطورة التي رسمت حوله، إذ إن صوره بشكل المخلّص والتي حملها الجمهور الأرجنتيني في المدرجات تعكس كل الحكاية. الرقم 10 مطلوب منه قيادة البلاد إلى المجد، فهذا الرقم أصبح ملعوناً منذ ترك دييغو أرماندو مارادونا له، وأصبح كل من يحمله مطالباً بالمثل. وميسي كان بالأمس واليوم أكثر من مُطالب بنسخ مشهد مونديال 1986 عندما نجح «الولد الذهبي» في إلغاء كل من واجهه ورفع الكأس الغالية للمرة الثانية في تاريخ الأرجنتين.
كيف لا يكون ميسي مطالباً بفعلها وهو الوحيد كأرجنتيني منذ مارادونا الذي يتربع على عرش لاعبي العالم؟ كل هذه العبارات يمكن أن تجدها في التحليلات اليومية لخبراء الكرة في الأرجنتين، وحتى في إسبانيا التي تطرقت صحفها الرياضية لهذا الموضوع بقدر كلامها عن منتخب إسبانيا، ما يضاعف الآن من الضغوط عليه، وهو الذي يبدو بحاجة إلى الابتعاد عنها في ظل لعبه مع مجموعة لاعبين تائهين أصلاً بين اللعب حوله من دون التفكير بخطة بديلة أو إيجاد أنفسهم على أرض الملعب بالشكل المطلوب، وخصوصاً أنهم يلعبون بلا مدرب إذا صحّ التعبير وسط ظهور خورخي سامباولي بأفكارٍ محدودة ومن دون حلول شافية.