خيبات الأمل في الأرجنتين كثيرة. لا تفارق المنتخب الذي أنجب: ماريو كيمبس، دييغو مارادونا ودانييل باساريلا. أسماء ستبقى محفورةً في أذهان الأرجنتينيين إلى الأبد، وخصوصاً أولئك الذين «يعبدون» كرة القدم، فهؤلاء الذين لعبوا ما بين مونديال 1978 و1986 قادوا منتخب «التانغو» إلى الكأس مرتين. ومن آخر تتويج مع مارادونا في المكسيك، وصولاً إلى المونديال الثالث تحت قيادة ليونيل ميسي، لم ينجح منتخب «الألبيسيليستي» في الفوز. في روسيا، «تعثر» رفاق ليو. ولكن، هل ينهض المارد؟

شهدت كأس العالم الأخيرة في البرازيل وصول الأرجنتين بتشكيلة غير مرشحة إلى النهائي لتخسر أمام ألمانيا (0ــ1). اللافت في ما يخص الأرجنتين أنها كلما فشلت في تحقيق نتيجة إيجابية توجهت أصابع الاتهام وعناوين الصحف إلى ميسي وألقت اللوم عليه أنه لا يحمل منتخب بلاده. لكن الحقيقة «يد واحدة لا تصفق» واليد الثانية تمتد من الملعب إلى الجهاز الفني، بمعنى آخر تبدأ من ماسكيرانو وتصل إلى سامباولي. تعادل المنتخب الأرجنتيني في مباراته الافتتاحية، لكنه ظهر بمستوى أقل من المنتظر، أمام الخصم الأيسلندي القوي، الذي لا ينتبه معظم المعلّقين لقوته، وينصرفون للتصويب على مشكلة الأرجنتين. بقي المنتخب الأيسلندي في الخلف وكان مملاً ولعب كرة قدم رديئة، لكنه حصل على ما أراده في النهاية، التعادل مع الأرجنتين الذي يبقى مرشحاً. في الجهة المقابلة، أضاع ميسي ركلة الجزاء، لكن ركلة الجزاء الضائعة ليست سبب خروج الأرجنتين متعادلة (1ــ1)، بل غالباً خيارات سامباولي هي السبب، وطبعاً، خشونة الأيسلنديين ولعبهم على طريقة مورينيو ودييغو سميوني.
الأسئلة التي يمكن طرحها بعيداً عن «البولغا» ليونيل، تبدأ على النحو الآتي: أين كان دي ماريا؟ ماذا قدم ميزا؟ لماذا لعبت الأرجنتين بلاعبَي ارتكاز؟ ماذا كان منتظراً من هيغواين بعد دخوله آخر 5 دقائق؟ لماذا لم يدخل ديبالا؟ كل هذه الأسئلة يمكن أن يجيب عنها سامباولي وحده. خيارات المدرب الأرجنتيني ستبقى محلّ جدل دائماً، حتى إن المنتخب عانى كثيراً في التصفيات وما يحدث اليوم هو امتداد لتلك الصعوبات، كما يقول المراقبون. وإذا كان سامباولي يريد تفادي «كارثة» الخروج من الدور الأول، وخصوصاً أنه سيواجه كرواتيا في المباراة الثانية، عليه أن يعالج بعض الأمور التي يمكن استنتاجها من متابعة مباراة أيسلندا. لعبت الأرجنتين بلا صانع ألعاب، وأرهق ميسي المحاط دائماً بمدافعَين وأحياناً ثلاثة. المنتخب الكرواتي، رغم أنه أقوى ــ نظرياً ــ من أيسلندا، إلا أن أيسلندا تصدر فوق كرواتيا في التصفيات المؤهلة لكأس العالم. والحلول لا تزال ممكنة أمام سامباولي. يمكن اعتبار ديبالا ثاني أفضل اللاعبين في الأرجنتين حالياً. المدرب قال سابقاً إنه لا مجال لوجود ميسي وديبالا في تشكيلة واحدة لأنهما يقدمان الأدوار نفسها. وإذا قمنا بمقاربة الأمر في ما يخص نيمار وكوتينيو، فمشكلة تيتي في البرازيل هي نفسها مشكلة سامباولي في الأرجنتين في ما يخص هذا الأمر، لكن البرازيلي استطاع توظيف لاعبين في نفس المركز مع بعضهما. لمَ لا يحدث ذلك في الأرجنتين؟ يوهان كرويف كان يرفض فكرة لعب سواريز، ميسي ونيمار، لكن لويس أنريكي مدرب برشلونة فاز بهذا الثلاثي بدوري أبطال أوروبا. وجود ديبالا سيخفف كثيراً من الضغط عن ميسي وقد يمنحه المساحة للتحرك أكثر، ففرض الرقابة على كليهما أمر صعب على أي دفاع، أن يلعب ديبالا، ميسي وأغويرو الثلاثة في آن واحد في خط الهجوم هو بمثابة تحد لسامباولي قد يعطيه فرصةً للمضيّ قدماً في البطولة، يجب عليه أن يستغني عن عناده لأن الأرجنتين قادرة.

المنتخب عانى كثيراً في التصفيات وما يحدث اليوم هو امتداد لتلك الصعوبات (ألكسندر نيمينوف ــ أ ف ب)

في ما يخص الشّق التكتيكي والتقني، اعتمدت الأرجنتين في مباراتها الأولى على 4ــ2ــ3ــ1، حيث إن الخط الخلفي لم يكن سيئاً، لكنه كان مهزوزاً. وبدلاً من روخو الذي لم يلعب كثيراً مع ناديه الإنكليزي مانشستر يونايتد، كان يجب أن يلعب فيديريكو فازيو لأنه يمنح الدفاع قوةً بدنية وذهنية أفضل من الأول لأنه خاض مباريات أكثر مع فريقه روما ووصل إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا. وبطبيعة المركز، فإن روخو يلعب في الأرجنتين ظهيراً أيسر. وبحسب قول سامباولي، إنه يريد بناء منظومة تخدم ميسي الذي شئنا أو أبينا هو الاسم الأول في المنتخب، وإذا كان المدرب يريد فعل ذلك، كان المنتظر اللعب 4ــ4ــ2 وهي الطريقة التي لعب فيها برشلونة الموسم الفائت. لا يتعلق الأمر في رسم التشكيلة فوق أرضية الملعب. المهم هو ما هي الوظيفة التي سيؤديها هذا الرسم، وما الإضافة التي ستمنحها للاعبين. الاختيار في تشكيلة سامباولي للمبارة الأولى أدى إلى غياب صانع الألعاب المتقدم، وبالتالي أجبر ميسي على العودة الى منتصف الملعب وحتى أكثر من ذلك، إذ توجب عليه في بعض الأحيان تسلّم الكرة من المدافعين، الأمر الذي خلق مسافةً بين ميسي وأغويرو لتسقط هذه الثنائية وتصبح بعيدةً عن ثنائية ميسي سواريز في برشلونة، ولتنتهي أيضاً ثنائية ميسي دي ماريا التي تشبه ثنائية ميسي وجوردي ألبا. تأثير هذا الأمر على الفريق أنه منع ميسي من الدخول إلى منطقة الجزاء ومنح أيسلندا فرصة لإغلاق المساحات في مناطقها. دخول بانيغا سمح لميسي بالاقتراب أكثر من منطقة الجزاء، الأمور باتت واضحةً أكثر الآن. على المدرب أن يلعب بلاعب ارتكاز واحد (لا يكون ماسكيرانو بحق العذراء) ويشرك لاعباً يمتاز بصناعة اللعب لا التسجيل. هناك العديد من العوامل التي تقوم عليها اللعبة؛ منها: التقني، التكتيكي، الجسدي والنفسي. يغيب العامل الأخير عن المنتخب الأرجنتيني، الفريق مشتت من هذه الناحية. تشعر بأنه لا يملك حافزاً للفوز ولا «يقاتل» وإن صح التعبير من أجل ذلك. اللاعبون متأثرون بالضغط الإعلامي المسلط عليهم.
سيكون المنتخب الأرجنتيني في مهمة صعبة في مباراة كرواتيا. المنتخب الأوروبي ليس بالخصم السهل. التعادل أو الخسارة سيضعان الأرجنتين في موقف محرج، لذلك على سامباولي أن يكون شجاعاً في تغيير التشكيلة لتدارك الأمور قبل فوات الأوان.


كرواتيا من أجل العبور
استطاع المنتخب الكرواتي تحقيق الانتصار على منتخب نيجيريا (2ــ0) في المباراة الأولى ليحقق النقاط الثلاث ويتصدر المجموعة. لم يظهر المنتخب الكرواتي في المستوى المتوقع منه، لكنه وجه رسالةً للخصوم بأنه قادرٌ على تحقيق الانتصار. يملك المنتخب الكرواتي خط وسطٍ قادراً على السيطرة على الكرة والاستحواذ، ويلعب بتركيز عالٍ، حتى إن خط دفاعه متماسك. وأظهرت المباراة الأولى أنهم يملكون خيارات في دكة البدلاء أيضاً. يعتمد المنتخب الكرواتي على الكرات العرضية والكرات الثابتة التي قد تقلق المنتخب الأرجنتيني، وخصوصاً في ظل وجود ماندزوكيتش القوي بدنياً والطويل القامة. بدا اللاعبون الكروات أنهم يملكون الخبرة المونديالية وجاهزون للمنافسة. ويمكن ترشيح التشكيلة الحالية لإعادة ما فعلته كرواتيا في مونديال 1998 حيث وصلوا مع دافور شوكر وزفونيمير بوبان إلى نصف النهائي. في المباراة الأولى، قدم لوكا مودريتش مباراة مميزة في قيادته للمنتخب الكرواتي إلى جانب كل من بيريسيتش، ماندزوكيتش وكرامريتش، فيما كان أداء لاعب برشلونة راكيتيتش متواضعاً. وتُشير اختيارات المدرب زلاتكو داليتش في التدريبات الأخيرة إلى أنّه قد تكون هناك تغييرات في مباراتهم ضد الأرجنتين، إذ أثار أداء منتخب كرواتيا في ظهورها الأول بعض التساؤلات: مواصلة اللعب بالعديد من لاعبي الوسط قد لا تخدم كرواتيا لأنهم بحاجة إلى الاعتماد على الفرديات لخلق حلول أكثر. أما الأمر المُستبعد فهو أن تنهج كرواتيا الخطة الدفاعية نفسها التي لعبت بها أيسلندا، ولكن لا شيء محسوم. الفوز في مباراة الأرجنتين يعني تأهل المنتخب الكرواتي إلى الدور الثاني.