إنها لعنة القدر. اللعنة التي تلاحق نجماً يعاند دائماً كل من يحاول الوقوف في وجهه. ما أن كان نجم برشلونة أندريس إينييستا يثبت أن لا غنى عنه في برشلونة، حاملاً الفريق على كتفيه، من دون الحاجة الى الأرجنتيني ليونيل ميسي أو البرازيلي نيمار، حتى تعرض لإصابة. أدواره التي كان بعض إداريي النادي يسعى إلى إنهائها بمجيء نيمار خليفة «الأسطورة» البرازيلي رونالدينيو، لم تنتهِ.


كان أقوى من أن يعانده شيء، إذ إن مشواره الكبير مع النادي الكاتالوني مقرون دائماً بتقديم أداءٍ عالٍ، مهما كانت الظروف. وحده «الرسام» يحافظ على مستواه، ووحده (رغم أنه ليس من إقليم كاتالونيا)، يعطي كل ما لديه من قدرات داخل الملعب، أياً يكن خصمه أو زميله. هذا اللاعب المظلوم في منظومة مجاملات المدربين والإعلام لنجوم الكرة والإعلام في آن معاً، يدرك جيداً أنه ربما الخاسر الأكبر في السباق على أي جائزة فردية حالياً. للأسف، بالنسبة اليه، زخم الإعلام في برشلونة يتجه نحو ميسي ونيمار اللذين لازما مقاعد الاحتياط في المباراة الأخيرة، وهما يشاهدان إينييستا وحده يقود الفريق بشكل جميل. وخارج برشلونة يتجه الإعلام نحو ميسي ونجم ريال مدريد البرتغالي كريستيانو رونالدو. المقارنة العادلة بين هؤلاء لا تنتقص من أي منهم، بل على العكس تعطي كل ذي حق حقه. وللمفارقة، عند إصابة ميسي أو نيمار، ولو إصابة طفيفة، يتجه الإعلام الكاتالوني نحو التهويل بشكل مخيف نحو حالتهما الصحية. وهذا منطقي بعض الشيء نظراً إلى أهميتهما في الفريق. لكن، لم يستدع خبر إصابة إينييستا بعد تعرضه لكدمة في الركبة اليسرى غادر على أثرها ملعب المباراة ودخل «بديله» ميسي، خلال مباراة فريقه الأخيرة أمام أتلتيكو مدريد التي انتهت بالتعادل السلبي، أي اهتمام أو ضوضاء زائدة.
وأيضاً، للمفارقة، فإن الـ«بلاي ستيشن»، اللعبة التي تستهوي كل لاعبي ومحبي كرة القدم، لم تعط اللاعب حقه أيضاً. وكأن هناك اتفاقاً (وهمياً) بين الشركات العالمية للتغطية والتقليل من قدرات اللاعب. كأن هناك تآمراً على اللاعب وإنجازاته من الجميع.
في المباراة ضد أتلتيكو مدريد، والتي كانت مفصلية نوعاً ما لمتصدري الدوري الإسباني، تعرض اللاعب لعدة تدخلات عنيفة. يدرك مدرب أتلتيكو الأرجنتيني دييغو سيميوني، المميز جداً والإيطالي الطباع والثقافة، كما مدربون كثر، خطورة موهبة هذا اللاعب. ما جعله يأمر بملاصقته وإحكام محاصرته كلما لمس الكرة. في الكثير من المباريات التي غاب فيها اينييستا عن برشلونة، كان واضحاً المعاناة التي كانت تصاحب الفريق الكاتالوني في تلك المواجهات. وهذا ما حصل لحظة خروجه من الملعب. انخفض مستوى الفريق تلقائياً. كثيرون يدركون ويتكلمون بشكلٍ واضح عنه وعن موهبته ومستواه الذي وصل إليه، والذي يعيد إينييستا الفضل فيه الى مدربه السابق وقدوته في الملاعب، مدرب بايرن ميونيخ الحالي جوسيب غوارديولا.
اللاعب قال في تصريحات صحافية: «مثلي الأعلى منذ الطفولة كان غوارديولا، كنت أشاهد مبارياته في التلفزيون وأحلم باللعب مثله، كان أكثر ما يدهشني هو وضوحه في بناء اللعب... حينما أصبح مدربي، كانت سعادتي لا توصف، كما أنه كان السبب في وصولي إلى مثل هذا المستوى الآن». لم يخطئ غوارديولا، ذات يوم من عام 1999 حين قال لإينييستا: «إنك اللاعب الأفضل بالنسبة إليّ». رد الجميل سريعاً. هذا الكلام عن أفضلية إينييستا يعترف به كل من تابعه بشغف ومتعة. وأفضل من علق على إينييستا هو الأرجنتيني خوان رومان ريكيلمي الذي يتقدم في العمر على اينييستا بست سنوات: «أراقبه، ورغم تقدّمه في العمر فإنه لا يزال بوسعه القيام بأمور جديدة. وبعد شهادة عدة شخصيات أخرى عن هذا اللاعب، لا يسعني إلا أن أتوسل كل الإعلاميين وكل الشخصيات الرياضية في إنصاف هذا الرسام و لو لمرة». إنصاف إينييستا، هذا ما يطلبه هو بنفسه، من دون أن يقول ذلك بشكل واضح. وهذا ما يطلبه محبوه. حين حصل على جائزة أفضل لاعب في أوروبا عام 2012 اعترف الجميع بذلك، الزميل والخصم، من ميسي أكثر من يغطي عليه إعلامياً: «من حسن حظي أني ألعب بجانب لاعب اسمه إينييستا»، الى مدافع ريال مدريد سرجيو راموس: «يحدث فارقاً كبيراً ويقوم بأمور لا يفعلها أي أحد غيره». ظلم اينييستا قصة تعود لتتجدد كل موسم. هذا الصراع مع عمالقة المال الكروي يساهم في ازدياد الظلم. قصة عدم اهتمام الصحافة العالمية عامةً، والكاتالونية خاصةً بشكل لافت لإصابته ليست عابرةً على الإطلاق. برشلونة أكد أن عودة لاعبه إلى الملاعب ستتوقف على تحسن حالته في الأيام القليلة المقبلة، ومن غير المتوقع أن يغيب لفترة طويلة. هذا يطمئن كثيرين، لكن ما لا يطمئن هو عدم الاهتمام بفرضية إمكانية غيابه، كما حصل مع ميسي أخيراً. ما يخيف هو أن يفقد إينييستا الرغبة في اللعب حين يرى أنه قوبل بهذا الاهتمام العادي جداً، وهو الذي كان قادراً على الانتقال إلى أي فريق في العالم وبأضعاف الراتب الذي يحصل عليه، وبصفقة خيالية أيضاً. لو كان سعره ــــ وما أسوأ هذه الكلمة الأخيرة حين تقال عن أي إنسان في السوق الكروية الحالية التي خربت جمالية كرة القدم ــــ مرتفعاً جداً وقريباً من أسعار باقي النجوم، لاهتم الإعلام به كما يجب. هذه حال الكرة حالياً. الصخب والمجد الإعلامي لأصحاب الأسعار الباهظة فقط.

يمكنم متابعة هادي أحمد عبر تويتر | @Hadiahmad