كرة القدم، لعبة جماعية. كالعالم تماماً. هناك أشخاص مختارون، يلعبون باسم الآخرين. هذه الجماعية التي لم تجد كل محاولات الفردانية مخرجاً منها. لعبة يأكل فيها القوي الضعيف، تربح حيناً وتخسر حيناً آخر. لعبة للأقوياء. وكما في العالم، كذلك في كرة القدم. هناك أبطال، وهناك مخلّصون. هناك رابحون، وهناك خاسرون. ثمة وقت للاحتفال، وثمة وقت للحزن. ليس في اللهاث خلف الكرة ما هو خارج المعقول، أو ما هو عصيّ على التفسير. تحت جِلد العالم، يستكين الشغف. وكما يقول بطل كامبانيلا في فيلمه الشهير «السرّ في عيونهم»: «الشغف هو الشغف، لا أحد يستطيع تغيير الشغف». كان سكيراً، كارهاً للعالم، ومحبّاً لنفسهِ. يجد الحياة موقفاً شخصياً، يرغب دائماً في مشاركته مع الجماعة. القاتل يحبّ كرة القدم، والمقتول أيضاً.

في شريط كامبانيلا، قصة قصيرة، عن بلاد حزينة: الأرجنتين. القضاء الفاسد، ومحاولة اختراع مخلّص، وكيف يعيش الثأر طويلاً. لكن، ممن تثأر الشمس. الحياة تستمر، والكرة تتدحرج، تجيء وتذهب. أحياناً تربح، وأحياناً تخسر. ودائماً، الخسارة أكثر من الربح. لا أحد يربح دائماً. تنام الشمس أكثر مما تستيقظ. وكما في «السرّ في عيونهم»، بنسخته اللاتينية بألوانها الباهته، كذلك في ملعب المباراة: ينتهي كل شيء، بحزن عميق. تتكرر الصورة منذ البداية، القطار يغادر ولا ينتظر المسافرين. بطل الكثيرين، ركب القطار، وترك المتفرجين، يلوّحون. ما يجمع الأرجنتينيين بالآخرين، ليس خسارة مباراة كرة قدم. الخسارة أكبر من ذلك بكثير. لقد خسِروا مخلّصاً. أولئك الذين اعتقدوا أنهم يمكنهم، وفي مكانٍ ما من العالم، أن يقولوا كلمةً مسموعة. انسحبوا أمس من أصواتهم. تراجعو. لا مخلّصين في العالم. المخلّص وهم كبير.
نذكر تلك اللقطة الشهيرة: «لا تبكي لأجلي أيتها الأرجنتين».
وغالباً، لا يعرف معظمنا سوى ليونيل ميسي، ودييغو مارادونا. لا يعرفون معسكرات الاعتقال، والاختفاءات الجماعية، والشمس التي تشرق فوق بيونس أيرس. لا يعرف معظمنا أن شعباً كان يملك أملاً بالعدالة، خسِره أمس. ما يحدث في المستطيل الأخضر، لا يبقى في المستطيل الأخضر. وكرة القدم مِثل البحر، ومِثل التحديق في السماء عند الخامسة فجراً، مساحة ممكنة في عالم يضيق كل يوم. الأرجنتين ــ حتى هذه اللحظة ــ خارج كأس العالم، انتهى الفجر. غابت شمس الأرجنتين، وحلّ ظلام عظيم.