منذ بدء هذه الدورة من كأس العالم لكرة القدم، تظهر أمامنا صور ومقاطع فيديو للمشجعات الجميلات. يخطف هؤلاء نظرات الجمهور وعدسات الكاميرات، حتى أنهن ينتزعن حصةً مهمة من المباريات حين يجري التركيز على وجوههن وأجسادهنّ أكثر من غيرهم من الحاضرين في المدرّجات. حتى إن المتحمّسين لمنتخبات بلادهم أو لدول أخرى، على مواقع التواصل الاجتماعي، غالباً ما يختارون إظهار تشجيعهم عبر نشر صور لنساء يحملن علم هذه الدولة، أو لأخريات يرسمن على وجوههن وأجسادهن ألوان المنتخب. شفاهٌ مضمومة، صدورٌ كبيرة، أجسادٌ بالبيكيني، ومقاطع فيديو لمشجعات يقبّلن بعضهنّ... كلها مشاهد رأيناها في الأسبوعين الأولَّين لدورة كأس العالم المتواصلة في روسيا، وذكّرتنا بمشاهد شبيهة تطغى على صورة جمهور هذه اللعبة، الأمر الذي يثير سؤالاً عن ارتباط التشجيع بهذه الصورة النمطية للمرأة، ويتفرّع نحو إشكالية تنميط الإعلام عموماً لصورة المرأة، ودور هذا الإعلام في إعادة إنتاج وسائل الهيمنة الذكورية.


«مرئية»... «لا مرئية»
العلاقة بين التشجيع في رياضة كرة القدم وتصوير المرأة بصورة جنسية، سؤالٌ طرحته الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع في جامعة ديكن (أوستراليا)، كيم توفوليتي، في موقع «ذي كونفرسايشن» قبل أيام قليلة. تقول توفوليتي إن الصور والتقارير التي حظيت بشعبية كبيرة في وسائل الإعلام الماينستريم خلال الدورة الماضية من كأس العالم (في البرازيل)، كانت لمشجعات رشيقات شابّات جمعن بين «القوة الجنسية والولاء الوطني». بينما في حالة البحث عن مشجعين رجال لهذه الرياضة، سنعثر على صور متنوعة، وأجساد مختلفة، إذ إن المعايير التي تجعلك مشجعاً لفريق أو لمنتخب ما، لا ترتبط في حالة الرجل بالجاذبية الجنسية أو بالمظهر الخارجي عموماً.
صور النساء بهذا الشكل، برأي الكاتبة، تقدّم أمثلة عن الطرق التي يعمل فيها التمييز الجنسي في الإعلام الرياضي وتعكس هذه الصور أفكاراً عن المرأة كشيء ساكن مُعَدّ لاستهلاك الرجل. وتشير أيضاً إلى أن تصوير المرأة كأنها اختارت أن تظهر بهذه الطريقة، وأن «التشجيع السكسي» هو شكل من أشكال التعبير الفردي و«الستايل» الشخصي، يُعزز التوقعات الثقافية من النساء الشابات حتى يقدمن أنفسهنّ في مجال الرياضة، بطرقٍ لا تهدد تفوّق الرجل.
على الرغم من ارتفاع نسبة مشاركة المرأة في الرياضة، ولا سيما في كرة القدم (كأس العالم للنساء يجري في فرنسا العام المقبل)، إلا أن الرياضات التي تقع تحت الضوء بشكل كبير، لا تزال من حصة الرجل. الحدث الرياضي الأهم عالمياً، «المونديال»، هو لعبة للرجال. هذا سببٌ كافٍ لفهم سبب ظهور المرأة بهذه الصورة في كل مرة نشهد فيها هذا الحدث. فبالنهاية، هؤلاء نساء يشجّعن رجالاً، يتحمّسن لفوز بعضهم على بعض، ولخسارة بعضهم أمام البعض الآخر. ما ينقص لاكتمال هذا المشهد الذي فيه ما يكفي أصلاً من الحماسة، أن تظهر المرأة في إطارٍ جنسي يبرز مفاتنها، حتى تصبح ضمن معادلة الذكور في الفوز والخسارة. هكذا يمكننا أن نرى شخصاً مصرياً على «فايسبوك» يكتب نكتةً عن كونه يفضّل تشجيع منتخب روسيا على منتخب بلده بسبب «جمال المشجعات الروسيات»، ونرى آخر يضع صورةً مركَّبة لامرأة مصرية إلى جانب أخرى روسية في المدرجات، لتجري المقارنة بين مظهريهما.
وفي سياق متصل، مثلما ترتبط في العادة الشوفينية الوطنية بمفهوم الذكورة (الآتية بمعظمها من ارتباط قيم القوة والشجاعة بالذكر تاريخياً)، يصبح جمال المشجعات وجاذبيتهن الجنسية، عامل ضمن الخلطة الوطنية الذكورية، بحيث أن المرأة ليست في هذا السياق سوى هدف (object)، للذكر الذي يمثّل أثناء المباراة بلاده.
في مقال «ذي كونفرسايشن»، تقول الكاتبة إنه إذا اختارت المشجعة ألا تظهر بالصورة النمطية للمشجعات «السكسي»، فإن كلفة ذلك تكون في أنها ستُصبح «لا مرئية» من قبل الإعلام. ترى أن شعبية صور المشجعات بشكلها الحالي تعكس لنا الشروط التي يجب على المرأة تحقيقها حتى تصبح «مرئية» في الإعلام الرياضي المهيمَن عليه من قبل الرجال. إذاً، على المرأة أن تلتزم النموذج المعرّف ذكورياً، حتى تُمنح الرؤية في المدرجات.
تُرجع توفولوتي ذلك، أساساً، إلى التقسيم الجندري الذي يكوّن غرف الأخبار حول العالم، خصوصاً في الإعلام الرياضي. المصورون والمحررون يختارون صورهم للنساء المشجعات وفقاً لمعايير معينة، ثم تُنشَر لتصبح متاحة للجمهور. وتقول إن زيادة عدد النساء اللواتي يتمتّعن بسلطة اتخاذ القرار بشأن محتوى الأخبار، سيؤدي إلى تنوع أوسع في الصور التي نراها على الإنترنت للمشجعات، وبالتالي إلى تحدّي التمييز الجنسي في الإعلام.

(من الويب)

هيمنة ذكورية على الرياضة
حصرُ المرأة بالجاذبية الجنسية لا يتوقّف على المشجعات، بل يتعداهنّ إلى النساء الرياضيات أيضاً. دراسة عن تصوير المرأة جنسياً في الرياضة (2015)، سلّطت الضوء على التشييء الذي تتعرض له الرياضيات. على الرغم من ازدياد مشاركة المرأة في المناسبات الرياضية، ولا سيما بعد دعم الحركات النسوية للمساواة في هذا المجال، لا يزال يجري على مستوى واسع تقييم اللاعبات، ولا سيما إعلامياً تبعاً لمقاسات أجسادهن ومفاتنهنّ عوضاً عن مهاراتهن. وفيما يُقيَّم الرجال الرياضيون تبعاً لمهاراتهم ومواهبهم، تركز أغلب التغطيات الإعلامية على مظهر الرياضيات، محوّلةً إياهن إلى شيء يُنظَر إليه فقط. تشير الدراسة إلى أنه في الصور، يظهر الرياضيون غالباً في وضعية متحركة أثناء تمرينهم، فيما تظهر المرأة في صورةٍ ساكنة أو ذات إيحاء جنسي. وتلفت إلى أن فريق كرة القدم النسائي الأميركي الذي أُنشئ عام 2008، جرى حلّه بعد سنة بسبب غياب الدعم المادي، مقابل فريق Legends Football League (فريق أميركي نسائي لكرة القدم باللانجري) الذي تأسّس عام 2009، ولا يزال مستمراً متمتعاً بشعبية عالية. تخلُص الدراسة إلى أن تصوير الميديا للنساء الرياضيات بهذه الطريقة، يؤكد بقاء تفوّق الرجل في هذا المجال. تحويل المرأة إلى «شيء»، نشاهده، نمتدح جماله الخارجي الساكن، في مجالٍ يقوم في أساسه على الحركة، لا يقوم إلا على إعادة إنتاج الستاتوكو الضامن هيمنة الرجل، واعتبار المرأة مكمّلاً ثانوياً للزينة.
(من الويب)

«الرجل يفعل... المرأة تظهر»
نقاش تنميط الإعلام للمرأة وحصرها بصورة جمالية ــ جنسية، يعود إلى مهد وسائل الإعلام نفسها. هذا النقاش شهد ازدياداً ملحوظاً في العقود الأخيرة مع صعود الحركات النسوية في العالم ونجاحها في فرض تغييرات على الخطاب السياسي والإعلامي في دولٍ عدّة. برغم التغيير البطيء، لا تزال وسائل الإعلام والإعلانات والثقافة الشعبية عموماً، تكرّس صورةً معيّنة للمرأة، نراها حولنا بنجو شبه يومي، ما يساهم في إعادة إنتاج أنماط الهيمنة الذكورية وأساليب قمع المرأة. إبراز المرأة كحسناء ذات مفاتن جاذبة جنسية، يعني إبقاءها شيئاً (Object)، فيما يظل الرجل في موقع الذات/ الفاعل (Subject). لفهم هذا الفارق أكثر، وكيف تلعب وسائل الإعلام عليه وتغذيه بنحو متواصل، يمكن الاستعانة بكتاب «طرق الرؤية» (The ways of seeing) للناقد الإنكليزي الراحل جون برجر المرجعي للتعرف إلى وضعية المرأة في الثقافة الشعبية. يقول برجر في كتابه الذي ناقش الأيديولوجيات الكامنة خلف الصور البصرية في الثقافة والفنون، إن كيفية ظهور المرأة أمام الرجل تنطوي على أهمية مفصلية في حياة المرأة، وعلى نظرة الناس إلى نجاحها أيضاً: «إن إحساس المرأة بوجودها مُستبدلٌ بكيف يجري تقديرها من قبل الآخرين». كما يقول برجر في محاولة لتلخيص الاختلاف بين حضور المرأة وحضور الرجل الاجتماعيين، إن «الرجل يفعل، أما المرأة فتظهر». المرأة تشاهد نفسها دائماً، أي إن نظرتها لنفسها نابعة من أنها «شيء»/ هدف لنظرة الآخرين. يرى برجر أن هذا لا يحدد فقط علاقتها بالرجل، بل علاقتها بالمرأة أيضاً.
من هنا تكمن خطورة ما تفعله وسائل الإعلام عبر تكريس هذه التبعية بمعناها الأعمق. إبقاء المرأة داخل إطار الصورة الجنسية في مناسبةٍ عالمية كتلك التي نشهدها هذه الأيام، يشير بطريقة أو بأخرى إلى دور الميديا، بما فيها المنصات العامة مثل مواقع التواصل، في إعادة إنتاج، ليس فقط أساليب الهيمنة، بل أيضاً مفاهيم التمييز بين الجنسين.