كرة قدم من دون أهداف، ليست كرة قدم حقيقيّة، إنّها حكمة في عالم «الساحرة المستديرة». الكاتب الأورغواياني إدواردو غاليانو في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» لا يعترف بمباريات من دون أهداف، من دون مراوغات، ومتعة حقيقية. غابت المتعة «نسبيّاً» عن مباريات الدور الأول من مونديال روسيا، وحلّت مكانها الخطط التكتيكيّة والتكتل الدفاعي، مع اعتماد على العرضيات والمرتدات. خُطط نتج منها رقم قياسي جديد في تاريخ كأس العالم، وهو وصول عدد ركلات الجزاء بعد 42 مباراة إلى 24 «بينالتي» أي قبل 8 مباريات من نهاية الدور الأوّل، بعد أن كان الرقم القياسي القديم 18 ركلة مع نهاية الدور الأول أعوام 1990 ـ 1998 ـ 2002. سُجّلت 17 ركلة جزاء في روسيا، فيما فشل خمسة لاعبين بتحويل «ركلات الحظ» إلى أهداف. وطبعاً تقنية الفيديو لعبت دوراً أساسياً.
ليس ميسي وحده من أهدر ركلة جزاء ولن يكون الأخير


اعتاد البرتغالي كريستيانو رونالدو تحطيم الأرقام القياسيّة، وبالفعل كان هو من سدد ركلة الجزاء الـ19 في روسيا أمام إيران، ولكنه فشل بتحويلها إلى هدف. لم يتأثر رونالدو بإهداره لركلة الجزاء، فهو كان قد سجّل «هاتريك» في المباراة الافتتاحيّة أمام إسبانيا، كما سجّل أمام المغرب. قبل رونالدو كان «لا بولغا»، ليونيل ميسّي يحمل أحلام الأرجنتينيين. في المباراة الأولى أمام آيسلندا أهدر ميسي ركلة جزاء، الركلة التي كان من شأنها إعطاء الفوز لأبناء روزاريو وبيونس أيريس. تعادلت الأرجنتين وحَمّل العالم ميسي مسؤولية ضياع الأرجنتين. زاد الضغط على ميسي بعد الخسارة أمام كرواتيا بثلاثة أهداف نظيفة، ولكنه عاد أمام نيجيريا ومسح على رأس أبناء بلده. ميسي ليس وحده من أهدر ركلة جزاء، ولن يكون الأخير. كرة القدم ظالمة، والإعلام كذلك. الذاكرة أيضاً ظالمة وتخون النجوم. الجميع يتذكر اللحظات القاسية في عالم كرة القدم، الجميع لا يزال حتى اليوم يحمّل روبرتو باجيو المسؤولية عن خسارة إيطاليا «غير العادلة» لمونديال الولايات المتحدة عام 1994 أمام البرازيل. قدّم باجيو مستويات كبيرة، أوصل الإيطاليين إلى المباراة النهائية، لكن بقي إهداره لكرة الجزاء هو المطبوع بعقول عشّاق إيطاليا. في تاريخ كأس العالم العديد من ركلات الجزاء التي أهدرت، فالكرة التي أدارت ظهرها لإيطاليا في أميركا، ابتسمت لها في 2006 حين أضاع الفرنسي ديفيد تريزيغيه ركلة جزاء أهدت «الأتزوري» النجمة الرابعة على قميصه. ربع نهائي مونديال جنوبي أفريقيا 2010 بين غانا والأورغواي، جيان أسامواه أمام فرصة ذهبية لإيصال بلاده إلى الدور نصف النهائي لأول مرّة في تاريخ المنتخبات الإفريقيّة، فشل بالمهمة وأرسل كرة على العارضة ليخسر بعدها منتخبه بركلات الترجيح، ويبكي قارّة بأكملها. حتى اليوم كلّ بطولة أو مباراة تكون غانا طرفاً بها، يتذكر الجميع كيف أضاع اسامواه أحلام الغانيين والأفارقة، إنها لعنة ركلات الجزاء.
بطولة العالم 1986 شهدت معركة ركلات جزاء في الدور ربع النهائي. ميشال بلاتيني نجم الكرة الفرنسية الذي أهدى بلاده لقب بطولة أوروبا 1984، أهدر «بينالتي» أمام المنتخب البرازيلي. ولكن المباراة ذهبت إلى ركلات الحظ في النهاية. فاز الفرنسيون بعد أن عجز زيكو عن تحويل ركلته الترجيحيّة إلى هدف، ولكن الكأس في النهاية رفعها مارادونا على حساب ألمانيا الغربيّة. أفرحت ركلات الجزاء منتخبات وشعوباً، وفي الوقت ذاته أبكت لاعبين وشعوباً. ولكن الأهم في الدور الأوّل من مونديال روسيا أنّ ليونيل ميسي تجاوز ركلة الجزاء الضائعة أمام آيسلندا، نسي الأرجنتينيون ركلة الجزاء الضائعة بعد أن سجّل في شباك نيجيريا ليذهب ببلاده إلى الدور الثاني. لعنة ركلات الجزاء ابتعدت عن «لا بولغا» علّها تكون في الأدوار المقبلة فأل خير على ميسي والأرجنتينيين في مشوار كأس العالم.