بكى بيليه، وبكى رونالدو، وتفاجأ كثيرون. منهم من رحّب، منهم من لعن الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومنهم من سخر من الخيارات النهائية في منح جوائز الأفضل، ومنهم رفض إعارة أي اهتمام للنتائج النهائية، على اعتبار أن هناك رائحة تفوح منها.

الأكيد أن ما حصل كان متوقعاً؛ إذ إن حلقات المسلسل التي عُرضت على كل المتابعين لكرة القدم حول العالم، لم تترك مجالاً للشك في أن البرتغالي كريستيانو رونالدو سيقف على المسرح حاملاً الكرة الذهبية التي حنّ إليها طويلاً.

والأكيد الأكيد، رغم كل شيء، لا يمكن إسقاط موهبة رونالدو، أو الكلام على عدم أحقيته في أن يكون أفضل لاعب في العالم، أو ربما بشكلٍ أدق ظهوره في سنة 2013 اللاعب الأكثر موهبة على وجه الأرض.
لكن ما حصل من سيناريو سبق فوز رونالدو بالجائزة، شوّه إنجاز «الصاروخ» البرتغالي، إذ إن الضغوط التي مارستها الصحافة المدريدية تركت انطباعاً بأن من لديه معسكر إعلامياً كبير يمكنه اجتراح المعجزات، أو إذا صح التعبير دفع نفسه إلى الواجهة ليحقق ما يصبو إليه، وذلك بشكلٍ يشبه إلى حدٍّ كبير السباق إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية التي لا يخفى مدى العمل الإعلامي الكبير الذي يتخللها لأشهرٍ طويلة.
مجدداً، رونالدو لاعب كبير. لكن تمديد فترة التصويت أو إعادة فتح المجال أمام المصوّتين لتغيير أصواتهم، شوّهت إنجاز هذا النجم؛ إذ إن هناك علامة استفهام كبيرة حول سبب إقدام «الفيفا» على هذا الأمر، ولو أن التبريرات كانت كثيرة. وهنا لا يمكن إسقاط مسألة الخجل الذي شعر به الرئيس جوزف بلاتر بعد تصريحاته المسيئة إلى رونالدو، فذهب البعض إلى اعتبار أن السويسري يريد استرضاء هذا النجم وجمهوره العريض حول العالم، ما ترك انطباعاً بأن الأمور محسومة، وهداف ريال مدريد الإسباني سيحصل على الكرة الذهبية لا محالة.
هذا ما حصل، لكن ماذا عن النجم الفرنسي فرانك ريبيري الذي فعل كل شيء ممكن في 2013 للفوز بهذه الجائزة، لينتهي به الأمر واقفاً في المركز الثالث في ظل رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي؟ مع التأكيد مرة جديدة أن موهبة رونالدو تفجّرت في هذه السنة بنحو غير طبيعي، فإن ريبيري مظلوم إلى أبعد الحدود إذا أخذنا في الاعتبار الإيضاحات التي خرج بها رجال كبار في «الفيفا» بعض المرات في الأعوام الماضية عند انتقاد خيارهم لميسي على حساب رونالدو، تحديداً حيث كان الجواب أن الأرجنتيني أصاب الإنجازات بعكس البرتغالي.
لكن هذه الاعتبارات لم تنطبق إطلاقاً على ريبيري الفائز في 2013 بكل الألقاب الممكنة محلياً وأوروبياً وعالمياً، مقابل عدم قيادة رونالدو لفريقه إلى أي لقب، وهو ما أشار إليه حتى رئيس الاتحاد الفرنسي ميشال بلاتيني في تصريحٍ غاضب عن النتيجة النهائية.
وهنا نعود إلى الجدال القديم - الجديد حيث المطلوب من «الفيفا» تحديد معيار واضح لمعنى «أفضل لاعب في العالم»، فهل هو الأكثر إحرازاً للألقاب أو تأثيراً في مسيرة فريقه لإحراز هذه الألقاب، أم هو الأكثر موهبة كروية؟
وبغض النظر عن هذا الطرح، فإن دموع رونالدو كانت الشيء الأكثر صدقاً في حفل زيوريخ؛ فما إن انهمرت، حتى دلّت على درسٍ احترافي؛ إذ عكست الجهد الكبير الذي قام به هذا النجم لبلوغ القمة في مواجهة خصم شرس قد يكون الأكثر موهبة في التاريخ، أي ميسي. ما أقدم عليه «سي آر 7» هو درس لكل شخصٍ يسعى إلى المجد، مهما كانت الصعوبات، فالتألق المتواصل لميسي كان يمكن أن يصيب أي شخصٍ باليأس، لكن ليس رونالدو الصعب المراس والقوي العزيمة والعنيد إلى أبعد الحدود.
صادقة هي دموع رونالدو، لا الكلمات الكثيرة التي قالها بلاتر، الذي بدا كأنه بعد مصالحته رونالدو بإجراءاته السابقة، أراد مصالحة البرازيليين بعد تصريحاته المنتقدة لتحضيراتهم الخاصة بكأس العالم. وحفل زيوريخ بدا كأنه نُظّم لتمجيد البرازيل، حيث لم يوفّر «الفيفا» أي جهدٍ لإحضار كل وجهٍ برازيلي مؤثر في الشعب، من بيليه إلى أماريلدو الذي أصاب الحضور بالملل بتصريحٍ لا نهاية له أثار ضحك الجميع، إلى عارضة الأزياء الشهيرة ادريانا ليما التي طبّقت مقولة «كوني جميلة واصمتي» عند مجاملتها أصحاب الضيافة بقولها: «سويسرا لبلوغ نهائي المونديال».
لكن لا يعرف أحد المجاملة بالحجم الذي يعرفه «الفيفا» الذي تذكّر «الملك» البرازيلي بيليه فجأة ومنحه الكرة الذهبية الشرفية، حيث وصفه بلاتر بـ«الأفضل في التاريخ»، ليفتح الباب على جدالٍ جديد لتجاهله «الأسطورة» الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا، الذي كان «الفيفا» قد شاركه وبيليه في شرف الحصول على لقب «لاعب القرن» بحسب استفتاءين قام بهما!
وإذا كان مفاجئاً ما فعله «الفيفا»، فإن دموع بيليه لم تكن أمراً جديداً؛ فقد اعتاد العالم رؤيته باكياً في حالتي الفرح والحزن. أما المفاجآت الفعلية، فكانت كثيرة، وهي تبدأ من البزة الحمراء الصاعقة التي ارتداها ميسي، ليستمر بالتأكيد أن ذوقه في لعب الكرة هو غيره في اختيار الملابس. لكن هذا الأمر لم يترك كلاماً بقدر ما أفرزته التشكيلة المثالية، حيث كانت هناك أسئلة كثيرة حولها، أهمها: ماذا يفعل الإسباني سيرجيو راموس بين الـ 11 الأفضل؟ كيف يدخلها الإسبانيان شافي هرنانديز واندريس اينييستا ويبقى مثلاً الألمانيان باستيان شفاينشتايغر وتوماس مولر والهولندي أريين روبن خارجها؟ أيعقل أن يكون فيها لاعبون من برشلونة أكثر من بايرن ميونيخ؟ أين لاعبو بوروسيا دورتموند، وعلى رأسهم البولوني روبرت ليفاندوفسكي من كل هذه الاختيارات؟
هو باب آخر أثار السخرية، واختصره تصريح المدير الرياضي لبايرن ماتياس سامر الذي قال: «لدى برشلونة لاعبون أكثر منا في فريق العام، رغم إحرازنا خمسة ألقاب ونتيجة مباراتينا معهم الموسم الماضي. إذاً، علينا أن نحقق أكثر هذا الموسم، ربما علينا الفوز بلقب الدوري الإسباني أيضاً».
ببساطة، هي خيارات قد لا تكون لها تفسيرات أو لا يفهمها سوى أصحاب الشأن من أصحاب القرار أحياناً.

يمكنكم متابعة شربل كريم عبر تويتر | @charbel_krayem