عبقرية الأوروغواي ظهرت في أحد عظمائها. قد تكون مرتبكة في بعض الأحيان. لكنها فعّالة. أظهر سواريز مهارات رائعة في التعامل مع التمريرات وتسديدها وحتى في تأرجحه على أرضية الملعب بقمصان اللاعبين. قد يكون «التاريخ» من يكتب اسم كرة القدم في البرازيل أو في ألمانيا أو الأرجنتين وحتى فرنسا. لكن الأوروغواي تكتبها كرة القدم. الجميع يتحدث عن هجوم الأوروغواي، على رأسه إدينسون كافاني ولويس سواريز. البعض يغفل دفاعه المتميز. يلعب دييغو غودين وخوسيه خيمينيز أسبوعياً مع ناديهما أتلتيكو مدريد. يواجهون فرقاً صلبة. ويعدّون من أفضل الدفاعات في الأندية الأوروبية. خبرة تظهر في قيادتهم الحكيمة لمباريات المنتخب. وأيضاً في عدم تلقيهم حتى أي هدف خلال مباريات المجموعات. لم تكن الأوروغواي على هذا النحو السلس أبداً منذ عام 1954. في سويسرا، عندما كان يبلغ أوسكار تاباريز 7 أعوام فقط، نجح منتخب أميركا الجنوبية المثير للاهتمام، في ذلك الوقت، في تخطي دور المجموعات بشكل رائع. فوز بهدفين نظيفين على تشيكوسلوفاكيا، وبسبعة أهداف على اسكتلندا في بيرن.

تاباريز اليوم يبلغ 71 عاماً، بات المسؤول الأول عن الأوروغواي. حصد العلامة الكاملة من النقاط في الدور الأول. نوعاً ما، نتيجته كانت مضمونة مسبقاً في مواجهاته مع مصر والسعودية، حتى لو انتهت بهدف وحيد. انتهج تاباريز أسلوباً تجارياً بسيطاً في الفوز. بعدها، بقيادة دييغو غودين، لعبت الأوروغواي بشكل أفضل. في مباراة المجموعة الأخيرة، حصلوا على 3 أهداف و3 نقاط جديدة من المضيف روسيا. لحظات الأوروغواي السعيدة تعود في معظمها إلى لويس سواريز، الشهير في جميع أنحاء العالم بتسجيل أهداف رائعة وذكية، وكذلك «بعضّ» المنافسين. أيضاً دييغو فورلان الحاصل على الكرة الذهبية كأفضل لاعب في نهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا 2010. شهدت تلك النسخة أفضل أداء للأوروغواي خلال بطولات كأس العالم. تقاليد كرة القدم في أميركا الجنوبية متشابهة الى حد كبير، تتمتع الأوروغواي في كثير من الأحيان بأسلوب مخادع وقوي مع لمحة بسيطة من الرومانسية المتصوّفة الغامضة، الخالية من الدبلوماسية، على غرار جيرانها الأرجنتين والباراغواي. أسلوب بسببه فشل «لا سيليستي» في كسب معجبين من خارج دائرتهم، على الرغم من فوزه بلقب «كوبا أميركا» 15 مرّة.

خيرُ التكتيك ما قلَّ ودلّ
الابتعاد في تاريخ السماء الزرقاء، مع أجنحة كأليكس غيغيا بطل ماراكانا 1950، ووجه الأوروغواي البارز لويس كوبيلا، يتيح لنا أن نفهم أن أسلوب اللعب كان مشابهاً لما تجري عليه الأمور في شمال أوروبا، في آيسلندا والدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج. مزجها وطورها النجوم السابقون مع تكتيكات بسيطة من حرب العصابات، لتنتهي الحال بأوروغواي فريدة من نوعها، تمارس البراغماتية. بالبساطة التي تحدث عنها ليوناردو دا فينتشي: «هي نهاية المطاف للسفسطائيين». كلنا نعرف قوة منتخب البرتغال، مع اعتقاد لاعبيه السلبي والمعيب بأنهم لا يملكون أي شيء بعد كريستيانو رونالدو. ومع ذلك، ربما يصب هذا في مصلحتهم، لأن الفرق قد تنسى الجودة التي يمتلكونها ويخدعون خطط المدربين في التركيز على لاعب واحد. ريكاردو كواريسما، صاحب الهدف المنقذ في مرمى إيران، قلب الدفاع ويليام كارفاليو، الجناح المتميز غونزالو غيديس ولاعب الوسط برناردو سيلفا، جميعهم يعدّون من أهم لاعبي كرة القدم الأوروبية، من دون أن ننسى أن البرتغال أخرجت سابقاً العديد من اللاعبين المشهورين على مستوى العالم، مثل أوزيبيو وروي كوستا ولويس فيغو ونونو غوميش وباوليتا وفرناندو كوتو وديكو. من يخرج منتصراً من هذه الموقعة، سيخلع عباءة الخيل الأسود ليصبح مرشحاً حقيقياً للفوز باللقب الأغلى. لكن، هل سيستطيع الدفاع البرتغالي التعامل مع سواريز وكافاني؟

أظهر الشاب الأوروغواياني رودريغو بينتانكور لاعب وسط يوفنتوس البالغ من العمر 20 عاماً، قدرات عالية


تحدثنا في البداية عن الشراكة القوية بين غودين وخيمينيز في بناء الجدار الدفاعي للأوروغواي، في الجهة المقابلة سنجد بيبي وجوزيه فونتي كلاهما مدافعين رائعين، لكنهما في عمر 34 و35، كيف سيصارعان ضد المهاجمين الكبار، وخصوصاً مع الشراكة البارعة لكافاني وسورايز. في المقابل، تملك الأوروغواي عناصر شابة صنعت الفارق خلال مباريات كأس العالم الحالية، حيث أظهر الشاب الأوروغواياني رودريغو بينتانكور لاعب وسط يوفنتوس البالغ من العمر 20 عاماً، قدرات عالية في خط الوسط بتقويم وصل الى 9/10 في أدائه خلال المباراة. كما قدّم لوكاسي توريرا، 22 عاماً، القريب من الانتقال من سامبدوريا الى أرسنال، أداءً مثيراً للإعجاب في مباراة روسيا، مع التميز في أداء جيورجيان دي أراسكايتا لاعب كرويزرو البرازيلي البالغ من العمر 24 عاماً. ليس على البرتغال أن تفوز بكأس العالم، ولكن هذا ما تأمله. لدى كريستيانو فرصة كبيرة في الحصول على الحذاء الذهبي، كما أن البرتغال مع الأوروغواي ستحتاج إلى رونالدو لتكرار ما فعله ضد إسبانيا والمغرب. ظهوره ضد إيران كان باهتاً، حيث سمح لهاري كاين بأن يتخطاه في الترتيب الذهبي بخمسة أهداف، مقابل أربعة، مع فرضية صعوبة أن يزيد هذا الحاصل، فلن يجد كاين أهدافاً سهلة ضد بلجيكا أو في خصوم إنكلترا في دور الـ 16 (السنغال، اليابان أو كولومبيا).
يوماً ما سنجد صورة سواريز في متحف مونتفيديو لكرة القدم، الذي يحكي قصة فريق خارق، الى جانب صور أفضل لاعبي الأوروغواي الذين فازوا بالميداليات الذهبية التي حصدتها الأوروغواي خلال دورتي الألعاب الأولمبية في باريس عام 1924 وأمستردام عام 1928. وقميصه سيعرض أيضاً في صندوق زجاجي كالقميص غير المغسول ذي اللون الأزرق الفاتح الخاص بهداف الأوروغواي على مدار التاريخ وبطلها القومي الساحر هيكتور سكاروني (1898 - 1967). كما يهتم المتحف بالتذكير بالفوز الصدمة للأوروغواي بكأس العالم 1950 على حساب البرازيل التي هزمت في نهائي الكأس الذي أقيم على استاد ماراكانا الأسطوري في ريو دي جانيرو. من هناك، تولت البرازيل زمام كرة القدم في العالم. حينها كتب بيليه وغارنيشيا تاريخ كرة القدم، تزامناً مع التدهور الغريب للأوروغواي في ذلك الوقت. ورغم انزلاقهم الى أدنى مستوياتهم خلال تلك الفترة، أصروا على أن يعودوا الى اللعبة الأكثر جمالاً في أميركا اللاتينية. شاركت الأوروغواي في نهائيات كأس العالم 13 مرة، الهداف هو أوسكار ميغيز (1950 - 1954) برصيد 8 أهداف. يليه سواريز بسبعة حتى الآن. أما البرتغال فهي المشاركة السادسة لها، بعد أعوام 1966، 1986، 2002، 2006، 2010، 2014. الهداف يبقى كريستيانو رونالدو بـ 7 أهداف حتى الآن.
الأوروغواي موجودة إلى الأبد في الحدث العالمي الذي يجرى كل أربع سنوات، بفيلقها الأزرق السماوي، والبرتغال منذ ظهور رونالدو، بصَمَت بوجودها على كرة القدم المونديالية. فغالباً ما يقال إن التاريخ له يد في تحديد بطل كرة القدم، لكن حديثاً مع بطل «اليورو» والبطل القياسي لبطولة «كوبا أميركا»، كرة القدم ستتحدث في جميع أنحاء العالم لغة مونتفيديو وسالتو، والأزور وماديرا.