خرجت إنكلترا من كأس العالم 2010 بخسارة مستحقة امام المانيا (1-4)، لكن قلّة هم الذين يتذكرون الاهداف الاربعة التي سجلها الالمان في تلك المباراة، بل يتذكرون لقطةً واحدة: فرانك لامبارد يسدد كرة قوية ترتد من بطن العارضة الى داخل مرمى الحارس الالماني مانويل نوير من دون أن يعلن الحكام عن هدفٍ لمصلحة الانكليز! ومنذ تلك اللحظة انقسم عالم الكرة بين قائلٍ بأن احتساب الهدف كان ليغيّر مجرى اللقاء وتالياً النتيجة لمصلحة الانكليز، وبين من يقول إنها لم تكن لتغيّر شيئاً كون الالمان كانوا أفضل بكثير.

لكن لا تهم النتيجة بقدر حجم الخطأ الذي ارتكبه حكام اللقاء عامذاك، والذي تلته أخطاء عدة في المونديال نفسه، ثم في ذاك الذي لحقه، لتتصاعد الاصوات بضرورة إيجاد حلولٍ لمساعدة الحكام من أجل اتخاذ القرارات الصحيحة، فكانت تقنية الـ«VAR» التي بدأت تُستخدم على نطاق واسع في العديد من البطولات الاوروبية الوطنية دونها القارية حيث تصاعدت حدّة الانتقادات اخيراً. ولعل أبرز ما قيل حديثاً ما جاء على لسان المدير الرياضي لفريق روما الايطالي، رامون رودريغيز فيرديخو «مونشي»، الذي علّق على كمية الاخطاء التحكيمية التي شهدها الدور نصف النهائي في مسابقة دوري ابطال اوروبا بالقول: «لو وجدت تقنية الفيديو في هذه البطولة لتأهل روما وبايرن ميونيخ الى النهائي لا ليفربول وريال مدريد».

تقنية ضرورية
من هنا، واستناداً الى ما شهده عالم الكرة من حالات مثيرة للجدل في مناسبات مهمة عدة، فإن التكنولوجيا باتت أمراً ضرورياً لإخراج المونديال بأقل عددٍ ممكن من الاخطاء، ليلتحق الفوتبول بالتالي بركب رياضاتٍ كثيرة سبقته الى اعتماد الوسائل التقنية المتطورة لتحديد القرارات الخاصة بالحالات التي يحصل لغط حولها. لكن اللغط حضر بطبيعة الحال منذ اعلان الاتحاد الدولي للعبة أن الـ«VAR» ستكون الضيفة الجديدة على المونديال.

رغم وجود تقنية الفيديو المساعدة للحكام لا تزال الأخطاء أمراً واقعاً

ضيفةٌ لها دور أكثر من حاسم إذا صح التعبير، فهي الحَكَم الآمر الناهي وصاحبة القرارات المصيرية. لكن، ورغم الحاجة اليها، فإن هذه التقنية بالتحديد لقيت انتقادات عدة حتى قبل تطبيقها، والسبب ان بعض المعارضين لوجود التكنولوجيا في عالم الكرة يجدون أنها تجرّد اللعبة من طابعها الانساني؛ فبرأيهم حلاوتها هي في أخطائها (البشرية) أيضاً، والتي تترك كلاماً كثيراً عند المتابعين وتشغلهم فيها لفترة زمنية طويلة. وهذه الفكرة قد تكون تغيرّت بشكلٍ كبير مع ازدياد حجم الاخطاء، إذ حتى المؤيدون لها، أمثال الرئيس السابق للفيفا السويسري جوزف بلاتر كان وقبل توقيفه وعزله قد وعد بالتفكير في اعتماد التكنولوجيا المساعدة، ليأتي مواطنه جياني إنفانتينو بعده ويؤكد ضرورتها القصوى ويدعم قرار اعتمادها في المونديال، لتنضم الى تقنية «عين الصقر» التي أُطلقت عام 2013 ودورها انحصر في تحديد عبور الكرة من عدمه لخط المرمى...

كيف تعمل التقنية الجديدة؟
إذاً، بعد تجربة ناجحة في كأس القارات 2017، أطلّت «تقنية الفيديو» في مونديال روسيا، لتستخدم في حالات محددة، وهي: الاهداف، ركلات الجزاء، البطاقات الحمراء المباشرة، واللغط حول هوية اللاعبين. ورغم ذلك بقيت مهمة الحكم أساسية، فهو بغض النظر عن مراجعته الـVAR عليه اتخاذ القرار بنفسه، وذلك عبر استخدامه التقنية الجديدة في حالات صعبة لم يتمكن من اتخاذ قرارٍ حاسمٍ بشأنها أو اتخذ قراراً ثم طُلب منه مراجعته. والانتقادات بحق الـVAR لم تكن فقط بسبب الانتقائية في استخدامها أو القرارات التي أفرزتها حيث وصّفها البعض بأنها في خدمة الكبار على حساب الصغار، بل في قتلها لنسق اللعب وتوقيف المباريات وإدخال التوتر أكثر الى نفوس اللاعبين الذين ينتظرون مصيرهم عند ذهاب الحكام لمراجعة الشاشة. وشهدنا في حالاتٍ كيفية توقف اللعب فجأة، حيث يعود الحكم الى حكام الفيديو الذين يوجدون في غرفة مخصّصة ومجهّزة بعددٍ كبير من التقنيات والكاميرات الحديثة والخاصة بضبط كل الحالات، وهؤلاء الحكام تدرّبوا في الاشهر الاخيرة على كيفية التفاعل مع الحالات وطلبات حكام الملعب، وسط تطمينات من رئيس لجنة الحكام الايطالي بييرلويجي كولينا ورئيس قسم التحكيم في «الفيفا» السويسري ماسيمو بوساكا، بأن حكامهم القادمين من مختلف أنحاء العالم باتوا في جاهزية تامة للتعامل مع الوضع الجديد. لكن اللافت كان التضارب في بعض الاحيان في التنسيق بين حكام تلك الغرفة والحكم الموجود في أرض الملعب، حيث ظهرت «مشادات» بين الطرفين، على غرار ما حصل في مباراة السعودية ومصر عندما بدا الحكم الكولومبي ويلمار رولدان رافضاً العودة الى الفيديو في إحدى حالات ركلات الجزاء.

قلقٌ لأسبابٍ عدة
إذاً، رغم التطمينات والقواعد الارشادية التي أعطيت للحكام، فإن مجموعة من الامور المقلقة كانت حاضرة في المونديال تجاه استخدام «تقنية الفيديو». أوّل هذه الامور هو قتل وتيرة اللعبة من خلال توقيفها لفترة غير قصيرة من أجل مراجعة حالة معيّنة، وهو أمر أثّر على تفاعل الجمهور في الملعب وعلى جمالية اللعب بشكلٍ عام. أما ثانيها فهو عدم معرفة الجمهور بنوع الحالة التي يبحث فيها الحكم عن قرارٍ ما، قبل أن يكشف عن ماهية هذا القرار بعد الحُكم عليه. كذلك، تضاف مسألة صحّة تحديد ضرورة التوقف عند الفيديو أو لا في حالةٍ معيّنة، إذ إنه يفترض ألا يتوقف اللعب الا عند الحالات المؤثرة لا عند ظهور حالات روتينية. ولا يمكن إخفاء مسألة وقوع الحكم في فخ الخطأ رغم العودة الى «تقنية الفيديو»، تماماً كما حصل في المباراة النهائية لكأس المانيا حيث استحق بايرن ميونيخ ركلة جزاء لم يمنحها حكم المباراة رغم مراجعته للشاشة! وهذه المسألة حضرت في المونديال في حالات عدة بحسب الخبراء، إذ إن جزءاً كبيراً من الحكام لا يملكون خبرة التعامل مع التقنية المستحدثة، رغم خوضهم لدورات تدريبية عدة؛ فالمباريات تبقى لها خصوصيتها وأجواؤها المحددة، والتي تفرض تحدياتٍ من نوعٍ آخر، اضافة الى ضغوطٍ تؤثر عادةً في قرارات الحكام. وعند الحكام ايضاً يمكن التوقف، حيث يفترض بهؤلاء القادمين من بلدانٍ مختلفة ان يتفقوا لناحية التواصل الصحيح، من خلال لغة واحدة هي لغة كرة القدم لا الانكليزية فقط، وذلك لاتخاذ الاحكام الصحيحة في الحالات المثيرة للجدل.
إذاً السلبيات كثيرة، لكون الحكم لا يزال له دور في الحُكم على الحالات عبر الشاشة، ومنها ما قد يكون صعباً، ما يجعله يسقط في الخطأ مجدداً. لكن بلا شك، فإن سلة الايجابيات كانت أكبر بكثير بنظر البعض الكثيرين، وخصوصاً بعد المجازر التحكيمية التي شهدناها على أعلى مستوى في كرة القدم الاوروبية، فكان الإنصاف في حالاتٍ عدة على غرار ما حصل في مباراة المانيا وكوريا الجنوبية، عند احتساب الهدف الاول للأخيرة بعد لغطٍ كبير.